زوجة الملياردير حكـايـات أسمـا 2
دخلت أميرة الكافيه وهي شايلة ليان على كتفها، وكان قلبها بيدق بطريقة غريبة، مش خوف بس، ولا غضب بس، حاجة بين الاتنين، كأنها ماشية ناحية باب لو اتفتح ممكن يطلع منه كل اللي دفنته بالعافية خلال سنة ونص. غيث وقف أول ما شافهم، وقف بسرعة لدرجة إن الكرسي اتحرك وراخبط في الأرض بصوت خفيف، وبعدين ثبت مكانه، كأنه خايف أي حركة زيادة تخوفهم. كان لابس قميص أبيض بسيط وبنطلون غامق، من غير ساعة فخمة ولا بدلة ولا مظهر رجل الأعمال اللي الناس بتتحرك حواليه، كأنه قرر ييجي كإنسان عادي لأول مرة في حياته. عينيه راحت فورًا على ليان، وكانت الطفلة صاحِية وبتبص حوالينها بفضول، ماسكة طرحة أميرة بإيد صغيرة ومكشرة شوية لأنها لسه خارجة من نومها. قال بصوت هادي: — أهلاً يا ليان. ليان بصتله لحظة، وبعدين خبّت وشها في رقبة أميرة. غيث ابتسم بحزن وقال: — واضح إنها فاكراني من امبارح… الراجل الغريب اللي الناس كلها كانت بتبصله. أميرة ما ابتسمتش، حطت شنطة ليان على الكرسي، وقعدت بهدوء وهي بتقول: — نص ساعة يا غيث. أومأ بسرعة: — عارف. مش هضغط عليها. مش هلمسها غير لو هي قربت. مش هسأل أسئلة تضايقك. أميرة رفعت عينها له باستغراب بسيط. كان واضح إنه محضّر نفسه، أو يمكن قعد الليل كله يفكر في كل كلمة ممكن يقولها ومايقولهاش. جلس قدامها، لكن مش قريب، وخلّى بينه وبينهم مساحة كافية. الطفلة بدأت ترفع وشها من كتف أميرة وتبص ناحية الطبق اللي على الطاولة. غيث لاحظ فورًا وقال: — دي البطاطس المهروسة… بس من غير ملح كتير، وسألتهم يحطوا الزبدة على جنب لو مش بتحبيها. أميرة بصت للطبق، وبعدين له. — إنت سألت مين؟ — سألت الدكتور بتاع أطفال صاحبي عن الأكل المناسب للسن ده… وبعدين افتكرت إنك قلتي بتحب البطاطس. قالت ببرود: — ماكانش لازم تعمل بحث. دي طفلة مش مشروع دراسة. نزل عينيه للطاولة وقال: — عارف. آسف. الكلمة طلعت منه بسرعة، من غير دفاع ولا تبرير، وده ضايقها أكتر من لو كان دافع عن نفسه. لأنها كانت مستعدة تحاربه، مش مستعدة تشوفه بيتعلم بسرعة. بدأت تطعم ليان بالمعلقة الصغيرة اللي طلعتها من شنطتها. ليان أول ما داقت البطاطس فتحت بقها تاني، وغيث عينيه لمعت كأنه بيشوف معجزة. لم يحاول ياخد المعلقة. لم يقل “ممكن أطعمها؟” فقط ظل يراقبها وهي تأكل، وبداخله وجع واضح كأنه بيحسب كل وجبة فاتته. بعد دقايق، ليان مدت إيدها ناحية اللعبة الصغيرة على شكل قطة. غيث دفعها بهدوء لمنتصف الطاولة، قريب منها، من غير ما يلمسها. ليان شدت اللعبة، قلبتها بإيدها، وبعدين خبطت بيها على الطاولة وضحكت. غيث ضحك معها، ضحكة خرجت منه مكسورة وصادقة. أميرة لم تستطع منع نفسها من النظر إليه. كان مختلفًا. أو ربما كان نفس الرجل الذي كانت تتمنى أن يظهر منذ البداية. الفرق أن ظهوره الآن جاء بعد فوات أشياء كثيرة جدًا. قال غيث وهو لا يرفع عينه عن ليان: — أنا عايز أعرف كل حاجة عنها. مش دلوقتي لو مش حابة. بس يوم ورا يوم. أول كلمة قالتها. أول مرة مشت على إيديها. بتنام إمتى. بتحب إيه. بتخاف من إيه. عندها حساسية من حاجة؟ بتتعب كتير؟ مين الدكتور بتاعها؟ أميرة وضعت المعلقة بهدوء وقالت: — هقولك المهم. الباقي هتعرفه مع الوقت لو فضلت موجود. بلع ريقه وقال: — هفضل. نظرت إليه مباشرة، لأول مرة من بداية الجلسة. — دي أسهل جملة تتقال يا غيث. أصعب حاجة إنك تثبتها لما الحماس يروح، ولما تأجيل اجتماع يبقى أسهل من إنك تيجي تشوفها، ولما دموعها تبقى مزعجة مش مؤثرة، ولما تلاقي إن الأبوة مش لحظات لطيفة وصور جميلة، دي سهر وخوف ومسؤولية وتكرار وحاجات صغيرة محدش بيصفق عليها. قال بصوت ثابت: — عارف إني ماعرفش. وده يرعبني. بس أنا مستعد أتعلم. ضحكت بمرارة خفيفة. — مستعد؟ زي ما كنت مستعد للجواز؟ زي ما كنت مستعد تكون شريك؟ زي ما كنت مستعد تحميني من والدتك؟ الكلام ده سكت غيث تمامًا. انخفضت ملامحه كأنه تلقى الضربة التي كان يعرف أنها جاية. قال بعد لحظة: — أنا فشلت معاكي. لم ترد. تابع: — فشلت قبل ما أخرج من البيت بوقت طويل. أنا كنت فاكر إني بحميكي من ضغوط حياتي، لكن الحقيقة إني كنت بحمي نفسي من الإحساس إني محتاج حد. كنت بخاف من فكرة العيلة لأنها بتطلب مني أبقى موجود بجد، مش مجرد راجل يدفع ويقرر. أميرة ابتسمت ابتسامة لا فرح فيها. — التحليل النفسي جميل، بس مايرجعش اللي راح. — مش بحاول أرجعه. — لأ، بتحاول. رفع عينيه لها. — يمكن. مش هكدب. جزء مني عايز يرجع كل حاجة. بس الجزء اللي صاحي فيا عارف إن ده مش حقي. أنا حقي الوحيد دلوقتي إني أصلح علاقتي ببنتي، ولو ربنا كرمني في يوم إنك تبصيلي من غير وجع، يبقى ده فضل مش حق. سكتت أميرة، ولأول مرة لم تجد ردًا جاهزًا. ليان في تلك اللحظة رمت اللعبة على الأرض وقالت بصوت صغير غير واضح: — تاتا. انحنى غيث بسرعة، ثم توقف قبل أن يمد يده، ونظر لأميرة كأنه يستأذن حتى في التقاط اللعبة. كانت لحظة بسيطة، لكنها لم تكن بسيطة بالنسبة لها. أومأت بهدوء، فأخذ اللعبة من الأرض ومسحها بمنديل جديد ثم وضعها أمام ليان. الطفلة ابتسمت له هذه المرة مباشرة، ابتسامة واسعة أظهرت سنين صغيرين. غيث وضع يده على فمه كأنه يمنع نفسه من البكاء. أميرة أدارت وجهها للنافذة. لم تكن تريد أن ترق له. لم تكن تريد أن ترى الندم في عينيه كأنه شيء جميل. الندم لا يمسح الليالي. الندم لا يرضّع طفلة في الثالثة صباحًا. الندم لا يملأ استمارات المستشفى ولا يواجه نظرات الناس ولا يرد على سؤال جارحة من قريبة تقول: “هو أبوها فين؟” ومع ذلك… كان الندم أول شيء حقيقي رأته منه منذ زمن بعيد. انتهت النصف ساعة أسرع مما توقعت. وقفت أميرة وهي تقول: — كفاية كده. غيث لم يعترض. لم يقل “خمس دقايق كمان”. فقط وقف وقال: — شكرًا إنك جيتي. حملت أميرة ليان، لكن الطفلة مدت إيدها للعبة القطة. غيث قال بسرعة: — خليها معاها. دي بتاعتها. أميرة ترددت. فقال بهدوء: — مش هدية مشروطة. ومش هسأل عليها. لو ضاعتها هجيبلها غيرها. لو كرهتها مش مشكلة. أميرة أخذت اللعبة ووضعتها في شنطة ليان. عند الباب، سأل غيث: — ممكن أشوفها تاني؟ قالت من غير ما تلتفت: — هكلمك. ولم تكلمه يومين. لم يكن ذلك انتقامًا مقصودًا، أو هكذا أقنعت نفسها. كانت تحتاج أن تتنفس. تحتاج أن تعرف هل ما حدث حقيقي أم مجرد انفجار عاطفي مؤقت. غيث لم يضغط. لم يرسل عشرات الرسائل. أرسل رسالة واحدة في الليلة الأولى: “أتمنى تكون ليان بخير. أنا موجود لما تسمحي.” وفي الليلة الثانية أرسل: “اشتريت كتاب عن تربية الأطفال. اكتشفت إني جاهل جدًا.” لم ترد، لكنها قرأت الرسالتين أكثر من مرة. في اليوم الثالث، أصيبت ليان بسخونية مفاجئة. بدأت بحرارة خفيفة بعد العصر، ثم ارتفعت بسرعة في الليل. حملتها أميرة وهي مفزوعة، أعطتها خافض حرارة، وضعتها تحت الدش الفاتر، واتصلت بالطبيب. كانت تفعل كل شيء كما اعتادت، وحدها، لكن هذه المرة وهي تفتح سجل المكالمات وجدت اسم غيث أمامها. توقفت أصابعها فوق الشاشة. لماذا تتصل به؟ لم يكن يومه. لم يتعلم بعد كيف يحملها. ربما سيفزع. ربما يأتي بحراس وسواقين ويفتح المستشفى كلها فوق دماغها. لكن صوتًا صغيرًا بداخلها قال: “هو أبوها.” ضغطت على الاتصال. رد من أول رنة تقريبًا. — أميرة؟ في حاجة؟ صوتها خرج متماسكًا بالكاد: — ليان سخنة. أنا رايحة المستشفى. — أنا جاي. — غيث، ما تعملش دوشة. — ابعتيلي المكان. بس. لم تمر عشرون دقيقة حتى وصل. لكنها تفاجأت أنه لم يأتِ بموكب. جاء بسيارته وحده، شعره غير مرتب، وجهه شاحب، وفي يده شنطة صغيرة. دخل الاستقبال وهو يحاول ألا يبدو مذعورًا، لكن أميرة رأت الرعب في عينيه. ليان كانت على صدرها تبكي بتعب، وخدودها حمراء من الحرارة. اقترب غيث بخطوات حذرة وقال: — ممكن أشيل الشنطة عنك؟ أعطته الشنطة دون تفكير، ثم استغربت نفسها. عند الطبيب، ظل غيث واقفًا بجانب الباب، لا يتدخل إلا عندما يطلب منه أحد. وعندما سأل الطبيب عن اسم الأب، ساد صمت قصير. أميرة نظرت إلى غيث، ثم قالت: — غيث المنصوري. لم يظهر عليه انتصار. لم يبتسم. فقط انخفضت عيناه لحظة، كأنه تلقى اعترافًا لا يستحقه بعد. الطبيب طمأنهم أنها عدوى بسيطة مع بداية التهاب، وكتب علاجًا ومتابعة. في الصيدلية، غيث دفع الحساب بهدوء قبل أن تمد أميرة يدها. التفتت له بحدة: — أنا كنت هدفع. قال فورًا: — عارف. مش قصدي أفرض. بس اسمحيلي أشارك في حاجة واحدة الليلة. كانت ستجادل، لكنها كانت متعبة جدًا. خارج المستشفى، بدأت ليان تبكي بقوة وهي ترفض الدواء. جلست أميرة في السيارة تحاول تهدئتها، وغيث واقف بجانب الباب عاجزًا. قال بصوت متردد: — ممكن أجرب؟ نظرت إليه. كادت تقول لا. لكنه لم يكن يطلب لنفسه، كان ينظر إلى الطفلة بخوف صادق. أعطته سرنجة الدواء وقالت: — براحة. جلس في المقعد الخلفي بجوارهما، وأمسك السرنجة كما يمسك شيئًا خطيرًا. قال لليان بصوت هامس: — بصي يا لولو… أنا عارف إن طعمه وحش. أنا كمان لو حد اداني حاجة غريبة هزعل. بس ماما تعبت، وإحنا عايزين الحرارة تنزل، فممكن نعمل اتفاق؟ نقطة صغيرة وبعدين اللعبة القطة؟ ليان لم تفهم الكلام، لكنها هدأت قليلًا من نبرة صوته. أميرة كانت تراقبه في صمت. أعطاها الدواء ببطء شديد، ومع كل نقطة كان يمدحها كأنها أنجزت بطولة. وفي النهاية، أخذت ليان اللعبة القطة ووضعتها على صدرها، ثم أسندت رأسها بتعب على ذراع أميرة، لكن أصابعها الصغيرة تعلقت بطرف كم غيث. تجمد. لم يتنفس تقريبًا. نظر إلى أميرة كأنه يسأل: “أتحرك؟” قالت بهمس: — ماتتحركش. فبقي كما هو، منحنيًا في وضع غير مريح، وذراعه معلقة، وظهره يؤلمه، لكنه لم يتحرك. بعد دقائق نامت ليان. كانت أصابعها لا تزال ممسكة بقميصه. وفي تلك اللحظة، شيء في وجه غيث انكسر تمامًا. لم يبكِ بصوت. فقط سالت دموعه بهدوء وهو ينظر إلى يد ابنته. قالت أميرة بعد صمت طويل: — أول مرة سخنت كانت عندها شهرين. كنت لسه مش قادرة أمشي كويس من الولادة. فضلت طول الليل واقفة بيها في البلكونة عشان كانت بتهدى على الهوا. اتصلت بيك يومها. مرة واحدة بس. ما رديتش. غيث أغلق عينيه بقوة. — كنت في لندن. — عارفة. شوفت صورتك تاني يوم مع ناس في افتتاح فندق. فتح عينيه ولم يجد شيئًا يقوله. لا عذر يصلح. لا اعتذار يكفي. قالت وهي تنظر إلى ليان: — في الليلة دي بطلت أستناك. مش بطلت أحبك… لأ، دي خدت وقت أطول. بس بطلت أستناك. وده كان أصعب يوم في حياتي. همس: — أميرة… — ماتقولش حاجة. أنا مش بحكيلك عشان تعتذر. أنا بحكيلك عشان تفهم إن وجودك دلوقتي لازم يبقى حقيقي. لأن البنت دي لو اتعلقت بيك، مش هتعرف تبطل تستناك بسهولة زيي. قال بصوت مخنوق: — مش هسيبها. نظرت إليه بحدة رغم التعب. — ماتحلفش. أثبت. أومأ. — هثبت. ذهب معهما إلى بيت أميرة تلك الليلة، ليس ليدخل، بل ليصعد الأدوية والشنطة حتى باب الشقة. كانت العمارة بسيطة في مدينة نصر، بعيدة جدًا عن الفيلا التي كانا يعيشان فيها في التجمع. نظر حوله دون تعليق. لم يبدُ عليه احتقار ولا شفقة، وهذا جعل أميرة أقل توترًا. عند الباب، قالت: — شكرًا. قال: — ممكن أطمن عليها الصبح؟ — ابعت رسالة. — حاضر. ثم تردد لحظة وقال: — أميرة… البيت ده إيجار؟ اشتعل وجهها فورًا. — غيث. — آسف. مش قصدي. أنا بس… — مفيش “بس”. حياتي مش ملف ناقص تمويل. أنا عشت من غيرك، وهكمل من غيرك لو احتجت. قال بسرعة: — عارف. أنا غلطت إني سألت بالطريقة دي. ثم أخذ خطوة للخلف. — تصبحوا على خير. دخلت وأغلقت الباب، وأسندت ظهرها إليه. كانت غاضبة، لكنها أيضًا كانت تهتز. لأنه جاء. في المستشفى، جاء. في الدواء، حاول. أمام باب بيتها، تراجع حين رفضت. هذه أشياء صغيرة، لكنها بالنسبة لامرأة اعتادت الغياب كانت كبيرة بشكل مخيف. في الصباح، جاءت رسالته في الثامنة تمامًا: “صباح الخير. عاملة إيه ليان؟” لم ترد فورًا. قاست الحرارة، وجدت أنها انخفضت. صورت الترمومتر دون أن يظهر وجه الطفلة، وأرسلتها. رد بعدها بثوانٍ: “الحمد لله. شكرًا إنك طمنتيني.” لم يزد. لم يستغل الفرصة. لم يفتح حوارًا طويلًا. وهذا جعلها ترد بعد ساعة: “الدكتور قال نكمل العلاج ٣ أيام.” رد: “ممكن أجيب الأدوية الناقصة لو في حاجة؟” كتبت: “جبتها.” رد: “تمام.” بدأت الأيام تتحرك ببطء. لقاء ثاني في الحديقة العامة، ثم ثالث في مكتبة أطفال، ثم زيارة قصيرة لطبيب الأطفال وقف فيها غيث صامتًا وهو يسمع التعليمات كطالب جديد. كان يتعلم. أحيانًا بطريقة مضحكة. أول مرة حاول يركب كرسي السيارة لليان أخذ نصف ساعة كاملة، وفي النهاية ركبه بالعكس، فضحكت أميرة رغمًا عنها. نظر إليها كأنه رأى شمسًا بعد شتاء طويل. قال: — اضحكي تاني. وحشتني ضحكتك. اختفت ضحكتها فورًا. قال بسرعة: — آسف. لم يكن الطريق مستقيمًا. كانت هناك لحظات يتعب فيها صبر أميرة، ولحظات يخرج فيها غيث القديم دون أن يقصد. مرة قال لها: — أنا ممكن أوفر مربية تساعدك. فاشتعلت: — أنا مش محتاجة حد ياخد مكاني. رد فورًا: — أقصد يساعدك إنتي، مش ياخد مكانك. بس لو الكلمة ضايقتك مش هكررها. ومرة أخرى تأخر عشر دقائق عن موعده بسبب اجتماع طارئ. وجد أميرة واقفة عند باب الحديقة، ليان في عربتها، ووجهها مغلق. قال وهو يلهث: — آسف الطريق… قاطعته: — لا. اتأخرت. قال: — عشر دقايق بس. قالت بصرامة: — بالنسبة لك عشر دقايق. بالنسبة لطفلة مستنية، ده درس. وإحنا اتفقنا مفيش دروس وجع. نظر إلى ليان، ثم أخرج هاتفه وألغى الاجتماع التالي أمامها. قالت بحدة: — مش عايزة استعراض. قال: — مش استعراض. أنا بتعلم أرتب أولوياتي. ومن يومها لم يتأخر. لكن الماضي لم يكن ساكتًا. بعد أسبوعين، انتشرت صورة من حفل الزفاف الملغي على صفحات الأخبار، صورة غيث وهو يقف أمام أميرة وليان، ونادين بعيدة تبكي. العناوين كانت قاسية: “ملياردير يلغي زفافه بعد ظهور طفلته السرية”، “فضيحة عائلية في حفل آل المنصوري”، “الزوجة السابقة تعود بطفلة تقلب حياة رجل الأعمال”. رأت أميرة الصور وشعرت أن الدم يهرب من جسدها. لم تكن تريد هذا. لم تكن تريد أن تصبح ليان عنوانًا. في نفس اليوم، وجدت صحفيين عند مدخل العمارة. سأل أحدهم بصوت عالٍ: — مدام أميرة، هل أخفيتِ الطفلة للانتقام؟ ارتجفت وهي تحمل ليان وتحاول الدخول. قبل أن ترد، ظهر غيث من سيارة توقفت بعنف عند الرصيف. لم يصرخ. لم يفقد أعصابه. وقف بين الصحفيين وبينها وقال بصوت بارد: — أي صورة للطفلة أو محاولة اقتراب من بيتها هتتحول لقضية خلال ساعة. ثم التفت للحارس الذي أحضره معه وقال: — من غير احتكاك. بس محدش يقرب. أميرة صعدت وهي ترتجف. بعد دقائق، رن جرس الباب. فتحت بحذر فوجدته وحده. قالت: — إنت جايب حراسة؟ — للشارع بس. مش عليكِ. ومش هيفضلوا لو رفضتي، لكن كان لازم أبعدهم. انفجرت فيه: — حياتي بقت فرجة بسببك. بنتي بقت مادة للناس بسبب فرحك، بسبب دعوتك، بسبب إنك كنت عايزني أظهر في صورتك المثالية. قال بصوت منخفض: — عارف. — لأ مش عارف! أنت طول عمرك بتغلط والناس التانية تدفع. أنا دفعت مرة لما سبتني، وبدفع تاني دلوقتي. ليان هتدفع ليه؟ ماذا فعلت غير إنها اتولدت؟ كان واقفًا أمامها مطأطئ الرأس، لا يدافع ولا يبرر. وهذا جعل غضبها يعلو أكثر. — قول حاجة! دافع عن نفسك كالعادة! قال بهدوء: — ماعنديش دفاع. إنتي صح. الصمت الذي نزل بعدها كان أثقل من الصراخ. أميرة كانت تريد أن تصطدم به، لكنه لم يمنحها حائطًا تصطدم به. قال بعد لحظة: — هطلع بيان. أتحمل فيه المسؤولية كاملة. من غير اسمك. من غير تفاصيل عنها. وهكلم المحامي يرفع إنذارات للصفحات اللي نشرت صورتها. وهزود تأمين العمارة لو وافقتي. ولو مش موافقة، هدور على طريقة تانية تحميكم من غير ما تحسي إني بحاصر حياتك. قالت بتعب: — أنا مش عايزة فلوسك. — عارف. بس الحماية مش رفاهية لما الناس تقف تحت بيتك. لم ترد. كان كلامه منطقيًا، وهذا أرهقها. في المساء، نشر غيث بيانًا قصيرًا على حسابه الرسمي: “ما حدث في حياتي الخاصة مسؤوليتي وحدي. أطلب من الجميع احترام خصوصية طفلة لا ذنب لها، وأي تداول لصورتها أو محاولة تتبع لوالدتها سيواجه بإجراءات قانونية فورية.” لم يذكر أميرة. لم يذكر ليان. لم يحاول تنظيف صورته. ولم يلمح إلى أنه ضحية. وفي اليوم التالي اختفت معظم الصور. لكن الأزمة فتحت بابًا آخر. باب صفية هانم. اتصلت والدة غيث بأميرة أكثر من مرة، وأميرة لم ترد. ثم في عصر يوم جمعة، وجدت صفية واقفة أمام باب الشقة، وحدها، بلا سائق يصعد معها، بلا هدايا ضخمة، بلا تعالٍ ظاهر. كانت تحمل علبة صغيرة فقط. فتحت أميرة الباب ونظرت إليها بصمت. قالت صفية بصوت خافت: — ممكن خمس دقايق؟ أميرة لم تفتح الباب بالكامل. — غيث بعتك؟ — لا. هو مايعرفش إني هنا. — يبقى اتفضلي ارجعي. اهتز وجه صفية، لكنها لم تغضب كما كانت تفعل سابقًا. قالت: — معاكِ حق. بس أنا جاية أقول كلمة واحدة. لو بعدها قفلتي الباب، مش هلومك. بقيت أميرة صامتة. قالت صفية وعيناها تلمعان: — أنا ظلمتك. مش بس ماحبتكيش… أنا خوفت منك. كنتِ الحاجة الوحيدة اللي قدرت تخلي غيث إنسان، وأنا كنت فاكرة إن ده ضعف. كنت عايزاه يبقى نسخة من أبوه… قوي، قاسي، محدش يمسك عليه احتياج. ولما شفتك بتطلعي منه جانب طيب، حاربتك بدل ما أشكرك. أميرة شعرت بقبضة في حلقها. لم تتوقع اعترافًا. تابعت صفية: — يوم جيتي تاخدي هدومك وقلتلك كرامتك إنك تختفي… أنا كنت بقولهالك عشان أحمي ابني من مواجهة غلطه. مش عشان أحميكي. وأنا آسفة. ظلت أميرة تمسك الباب بقوة. قالت بجمود: — الاعتذار مقبول. بس ده مش معناه إنك تدخلي حياتنا. أومأت صفية بدموع. — فاهمة. ثم مدت العلبة الصغيرة. — دي مش هدية غالية. دي كانت بتاعة غيث وهو صغير. أول شخشيخة مسكها. احتفظت بيها سنين. لو حبيتي ترميها، ارميها. بس حسيت إن ليان لها حق تعرف إن ليها جذور، حتى لو الجذور دي كانت قاسية. أميرة لم تمد يدها. وبعد صمت، قالت: — سيبيها عند الباب. وضعتها صفية على الأرض بهدوء، ثم استدارت لتمشي. لكن قبل أن تنزل، سمعت صوت ليان من الداخل تضحك. توقفت صفية، وأغمضت عينيها كأن الصوت لمس عمرًا كاملًا من الندم. لم تطلب رؤيتها. وهذا بالضبط ما جعل أميرة تفتح الباب قليلًا أكثر. قالت: — صفية هانم. التفتت بسرعة. — مش دلوقتي. بس ممكن في يوم… لما أكون مستعدة. بكت صفية بصمت وقالت: — هستنى. في تلك الليلة، أخبرت أميرة غيث بما حدث. كان صامتًا على الهاتف طويلًا ثم قال: — أنا آسف على اللي عملته أمي. — هي اعتذرت. — وإنتي؟ — أنا تعبت من حمل الكره يا غيث. بس التعب مش معناه السماح الكامل. قال: — خدي وقتك. ثم أضاف بعد تردد: — وأنا كمان لازم أعتذرلك عن حاجة. — تاني؟ — عن حاجات كتير. بس في حاجة لازم تعرفيها. يوم ما مشيت من البيت… ماكانش بس عشان خفت من العيلة. أميرة سكتت. قلبها بدأ يدق ببطء ثقيل. قال: — قبلها بأسبوع الدكتور كان قالي إن احتمال أخلف ضعيف جدًا. عملت تحاليل من غير ما أقولك. لما سمعت الكلام، اتجننت. بدل ما أشاركك خوفي، لبستهولك. بقيت أقول مش عايز عيلة عشان ماواجهش إني ممكن ماقدرش أعمل عيلة. رفعت أميرة يدها إلى فمها. قال بصوت مكسور: — كنت جبان. لما لقيت حبك كبير، خفت أكتر. قلت لنفسي لو مشيت دلوقتي أحسن من يوم تشوفي فيا نقص. فجرحتك قبل ما تتخيلي تجرحيني. أغمضت أميرة عينيها، وشعرت أن قطعة قديمة من اللغز سقطت في مكانها. تذكرت تغيره المفاجئ. صمته. عصبيته. ابتعاده. جملته الباردة: “أنا مش عايز عيلة.” يومها صدقته وكرهته. لم تعرف أن خلفها رجلًا مذعورًا اختار القسوة بدل الاعتراف بالضعف. لكنها لم تشعر براحة. الحقيقة لا تمحو الألم. قالت بصوت مرتجف: — فقررت تكسرني عشان ماقولكش إنك مكسور؟ لم يرد فورًا. ثم قال: — أيوه. يا للبساطة القاتلة. يا للوجع الذي كان يمكن منعه بكلمة صدق واحدة. قالت: — كنت ممكن أعيش معاك أي حاجة يا غيث. أي حاجة. مرض، خوف، فشل، انتظار، علاج… لكنك اخترت تعيشني أنا الفشل لوحدي. جعلتني أصدق إن حبي كان عبء. — عارف. — لأ، مش عارف. لأنك لو كنت عارف ماكنتش عملتها. بكى على الطرف الآخر. سمعته يحاول كتم أنفاسه. لم تشعر بالانتصار. شعرت بالحزن عليهما. على رجل لم يتعلم كيف يقول أنا خائف، وامرأة دفعت ثمن خوفه، وطفلة جاءت لتكشف أن التحاليل ليست قدرًا، وأن الهروب كان أكبر كذبة في القصة كلها. بعد تلك المكالمة تغير شيء بينهما. لم يصبحا أقرب بالمعنى السهل، لكنهما أصبحا أصدق. بدأ غيث يحكي عن طفولته، عن أب لا يسمح بالدموع، عن أم اعتبرت القسوة حماية، عن شركة ورث معها طريقة كاملة في إخفاء الضعف. وأميرة كانت تسمع أحيانًا، وتغلق أحيانًا، وتقول له حين يزيد: — أنا مش دكتورك النفسي. فيعتذر ويتوقف. وفي المقابل، بدأت هي تقول أشياء لم تقلها لأحد. عن يوم الولادة، عن خوفها من التوقيع على أوراق المستشفى وحدها، عن أول ليلة رجعت فيها البيت وليان في حضنها فوجدت السرير واسعًا كالصحراء، عن بكائها تحت الدش حتى لا يسمع الجيران، عن كذبتها على نفسها كل صباح أنها لا تحتاجه. كان يسمع دون أن يقاطع. وكلما حكت، كان شيء في داخله ينحني أكثر. بعد شهر، بدأت ليان تعرفه. ليس كأب بعد، بل كوجه مألوف يأتي ومعه صبر. صارت تبتسم عندما تراه، تمد له اللعبة القطة، تسمح له أحيانًا أن يدفع عربتها في الحديقة. أول مرة حملها بين ذراعيه حدثت بالصدفة. كانت أميرة تشتري ماء من كشك صغير، وليان بدأت تبكي في عربتها. انحنى غيث أمامها وقال: — مالك يا لولو؟ مدت ليان ذراعيها نحوه. تجمد. نظر إلى أميرة من بعيد، لكنها كانت تراقب. لم تقل لا. فحملها. حملها بطريقة مرتبكة جدًا، ذراع أعلى من اللازم وذراع تحت ظهرها بخوف، لكن ليان استقرت على صدره كأنها وجدت مكانًا دافئًا. لم يستطع الحركة. عندما عادت أميرة، وجدته واقفًا في وسط الحديقة، يحمل الطفلة ودموعه تنزل بصمت. قالت بخفوت: — اسند رقبتها كويس، مش تمثال هي. ضحك وسط الدموع وعدل وضعها. ليان وضعت رأسها على كتفه، وفي تلك اللحظة أدركت أميرة أن أخطر شيء بدأ يحدث فعلًا: ابنتها بدأت تحبه. وهذا جعلها سعيدة وخائفة في نفس الوقت. لأنها لو وثقت به ليان، فلن يكون مسموحًا له أن يسقط. وفي مساء ذلك اليوم، قال غيث وهو يعيدها لها: — أنا عايز أعمل تحليل نسب. تجمدت أميرة. وجهها انقلب فورًا. قبل أن تنفجر، رفع يده بسرعة وقال: — مش عشان أشك. أقسم بالله مش عشان أشك. أنا عايزه عشان أحط اسمي في شهادة ميلادها رسمي، وأثبت حقوقها القانونية كلها. سألت المحامي، ومحتاجين إجراءات. لو رفضتي مش هضغط. عيناها ظلتا حادتين. — أول مرة سألتني في الفرح “دي بنتي صح؟” الجملة دي لسه جوايا. قال بندم واضح: — عارف. وعمري ما هسامح نفسي عليها. كان سؤال غبي وقاسي، طلع من صدمة مش من شك. بس أنا فاهم إنه جرحك. قالت: — جرحني لأنها بنتك أكتر منك. شبهك حتى في التكشيرة. ومع ذلك أول حاجة سألتها كانت كأنك بتدور على باب هروب. قال: — مفيش باب هروب. أنا عايز اسمي يبقى مسؤولية مش ملكية. عايزها ترثني، تتعالج باسمي، تسافر من غير مشاكل، تدخل أي مكان وهي مش مضطرة تثبت إنها ابنتي كل مرة. صمتت. كان كلامه صحيحًا مرة أخرى. وهذا أيضًا أرهقها. قالت: — هفكر. قال: — خدي وقتك. وفي طريق عودتها تلك الليلة، نامت ليان في عربتها، وأميرة مشت ببطء في الشارع وهي تشعر أن حياتها كلها على حافة قرار جديد. لم تعد المسألة هل تسامح غيث أم لا. المسألة أن ليان لها حق. حق في أب، حق في اسم، حق في عائلة، حق في جذور، حق في حماية قانونية، وحق أيضًا ألا تُستخدم لإصلاح رجل كسر أمها. كانت المعادلة قاسية. وفي صباح اليوم التالي، استيقظت على رسالة من رقم غير محفوظ. فتحتها وهي نصف نائمة، فإذا بها صورة قديمة. صورة لغيث في لندن بعد الطلاق بأسابيع، تجلس بجانبه امرأة شقراء تضحك، وتحت الصورة رسالة: “قبل ما ترجعي تصدقيه… اسأليه كان مع مين لما كنتي بتولدي.” شعرت أميرة أن الهواء اختفى من الغرفة. جلست على حافة السرير، والرسالة مفتوحة أمامها، وليان نائمة بجوارها بسلام. ظنت أنها تجاوزت مرحلة الصدمات. لكنها اكتشفت أن الماضي لم ينته بعد. كان فقط ينتظر اللحظة المناسبة ليطرق الباب من جديد.
تمت
