تزوجت عجزه حكايات اسما ×2
الفصل الثاني
الولد دخل الورشة وهو متردد، كأنه متعود إن أي باب بيتفتحله ممكن يتقفل في وشه في أي لحظة.
كان جسمه رفيع زيادة عن اللزوم، وشعره منكوش بطريقة تدل إنه بقاله أيام ما لمسش مية. التيشيرت الرمادي اللي لابسه كان أوسع منه بدرجتين، ومقطوع عند الكتف، وفي رجله شبشب بلاستيك قديم.
وقف عند الباب وهو بيبص حواليه بحذر.
قلتله بهدوء: — اسمك إيه؟
تردد شوية قبل ما يرد: — يوسف.
— جعان؟
هز راسه بسرعة، بس بعزة نفس غريبة.
مشيت ناحية التلاجة الصغيرة اللي في آخر الورشة. ماكانش فيها غير جبنة وطماطم ونص رغيف عيش بايت وزجاجة مية.
عملتله ساندويتشين وحطيتهم قدامه.
الواد بص للأكل كأنه مش مصدق. وبعدين فجأة… خطف أول ساندويتش وبدأ ياكل بسرعة مرعبة.
اللقمة كانت بتقطع نفسه. وشه كله خوف. كأنه مقتنع إن حد هيدخل دلوقتي ياخد الأكل منه.
وقفت أبصله وأنا حاسس بحاجة بتعصر قلبي.
أنا كنت كده زمان.
يمكن أسوأ.
كنت عارف شكل الإنسان لما الجوع يذله.
بعد ما خلص، شرب المية دفعة واحدة ومسح بقه بضهر إيده.
قلتله: — إنت قاعد في الشارع؟
سكت شوية. وبعدين قال: — من شهرين.
— وأهلك؟
عينيه اتحولت لحجر. — ماتوا.
ماعرفتش أقول إيه.
قعدت على الكرسي الخشب قدامه وأنا حاسس بثقل غريب جوا صدري.
الورشة كانت ساكتة إلا من صوت المروحة القديمة اللي بتزيق فوقنا. ريحة الخشب والتراب والدهان القديم مالية الجو.
يوسف بصلي فجأة وقال: — إنت صاحب المكان؟
اتلجلجت للحظة.
أنا نفسي ماكنتش فاهم إذا كنت فعلًا “صاحب” أي حاجة. كل اللي أعرفه إني من يومين بس كنت مستني ست عجوز تموت علشان آخد بيتها.
قلت بهدوء: — تقريبًا.
هز راسه كأنه مش مهتم، وبعدين قال: — هو أنا ممكن أنام هنا الليلة؟
السؤال ضربني بقوة.
لأن دي نفس الجملة اللي قلتها لراجل غريب من سبع سنين لما كنت بنام في مواقف العربيات.
“ممكن أنام هنا الليلة؟”
وقتها الراجل طردني وشتم أمي.
بصيت ليوسف طويل. وبعدين قلت: — ممكن.
الواد ما ابتسمش. بس كتافه نزلت لتحت فجأة… كأن جسمه كله أخيرًا صدق إنه آمن.
اليوم اللي بعده صحيت على صوت حركة خفيفة.
فتحت عيني لقيت يوسف بينضف الورشة.
كان ماسك مقشة قديمة وبيكنس التراب من غير ما يطلب منه حد.
قلتله باستغراب: — بتعمل إيه؟
ارتبك فورًا. — آسف… صحيت بدري فقولت أنضف شوية.
بصيتله كام ثانية. وبعدين لأول مرة من شهور… ابتسمت.
ابتسامة حقيقية.
قلت: — تعالى نفطر الأول.
نزلنا اشترينا فول وطعمية من العربية اللي تحت العمارة. والراجل بتاع الفول كان بيبصلي باستغراب.
يمكن علشان أول مرة يشوفني ماشي مع حد.
أو يمكن علشان شكلي بقى مختلف فعلًا.
بعد الفطار طلعت الورشة تاني، وفضلت أبص حواليا.
المكان كان مليان حياة قديمة.
صور لشريف وهو صغير. خشب متراكم. دواليب صدية. وورق كتير جدًا.
فتحت كرتونة قديمة ولقيت ملفات المشروع.
“بيت الأمان.”
كل صفحة كانت مليانة تفاصيل. إزاي يحولوا العمارة لمكان للشباب اللي مالهمش مأوى. ورش تدريب. أوض نوم. مطبخ صغير. حتى أسماء جمعيات تساعدهم.
قعدت بالساعات أقلب في الورق.
وكل ما أقرا أكتر… كل ما أحس إني بصغر.
شريف كان ابن ناس أغنيا. ومع ذلك كان بيفكر في الناس اللي في الشارع.
وأنا؟ أنا كنت مستعد أبيع روحي علشان أهرب من الشارع.
يوسف كان قاعد في الركن ساكت. وفجأة قال: — إنت هتعمل المكان ده؟
بصيتله.
السؤال خوّفني.
لأني ماكنتش أعرف.
المكان محتاج فلوس. وترميم. وشغل. وأنا أصلًا لسه مديون.
قلت ببطء: — معرفش.
يوسف هز كتفه وقال: — لو اتعمل… ناس كتير هتتبسط.
وبعدين رجع يبص للأرض.
الجملة البسيطة دي فضلت ترن في دماغي طول اليوم.
بعد العصر، سمعت صوت عربية فخمة وقفت قدام العمارة.
بصيت من الشباك… ولقيت بنت نازلة من عربية مرسيدس سودا.
لابسة نضارة شمس كبيرة وبدلة شيك. وشها كان مألوف.
قلبي وقع لما عرفتها.
“داليا.”
بنت أخت نعمات.
اللي خدت الفيلا.
طلعت السلم بالكعب العالي وهي باصة حوالين المكان بقرف واضح.
أول ما دخلت الورشة، شالت النضارة وقالت ببرود: — كنت عارفة إني هلاقيك هنا.
وقفت قدامها وأنا متوتر. — خير؟
بصت ليوسف الأول. وبعدين رجعتلي. — ممكن نتكلم لوحدنا؟
يوسف فهم وسابنا فورًا.
داليا فضلت واقفة تبصلي ثواني. وبعدين قالت: — كنت مستنية تبيع العمارة بسرعة.
ضحكت بسخرية مريرة. — وأنا كنت مستني آخد الفيلا.
ملامحها ما اتحركتش. — طنط نعمات كانت أذكى مننا كلنا.
سكتنا لحظة.
وبعدين قالت: — إنت فاكر إنها ماكنتش عارفة إنك اتجوزتها علشان الفلوس؟
ماقدرتش أبصلها.
قالت بهدوء غريب: — هي قالتلي قبل ما تموت إنك أكتر شخص محتاج الرحمة شافته في حياتها.
الكلمة خبطتني.
“الرحمة.”
أنا؟
الإنسان اللي كان مستني موتها؟
داليا فتحت شنطتها وطلعت ملف. — دي أوراق العمارة. الضرائب متدفعتش بقالها سنين. وفي مقاول عايز يشتريها.
قلبي دق بسرعة. — يعني إيه؟
— يعني لو مش هتدفع المتأخرات خلال شهر… هتخسر المكان كله.
حسيت الأرض بتميد بيا.
— والمبلغ كام؟
قالت الرقم.
وكنت حاسس كأن حد ضربني في بطني.
مبلغ مستحيل بالنسبة ليا.
ضحكت بمرارة ومسحت وشي. — خلاص. يبقى أبيعها.
داليا فضلت باصةلي شوية. وبعدين قالت: — كنت عارفة إنك هتقول كده.
لفت علشان تمشي… لكنها وقفت عند الباب وقالت من غير ما تبصلي: — بس لو بعت المكان… يبقى طنط نعمات كانت غلطانة فيك فعلًا.
وسابتني ومشيت.
فضلت واقف مكاني مدة طويلة.
حاسس إني مخنوق.
أنا طول عمري كنت بجري ورا النجاة. أي فرصة فلوس كنت باخدها. أي مخرج من الفقر كنت بتعلق فيه.
ليه دلوقتي القرار بقى صعب؟
ليه لأول مرة الفلوس مش باينة أهم حاجة؟
بصيت ناحية الركن اللي يوسف قاعد فيه.
كان نايم وهو حاضن شنطة هدومه الصغيرة.
خايف حد يسرقها.
وفجأة… افتكرت نفسي وأنا في سنه.
ونفس الرعشة عدت في جسمي.
في الليل، ماعرفتش أنام.
قعدت على سطح العمارة أبص للقاهرة.
المدينة كانت منورة وزحمة حتى بعد نص الليل. صوت الكلاب. الميكروباصات. ريحة الدخان.
وفجأة حسيت بحاجة غريبة.
وحدة.
وحدة حقيقية.
أول مرة نعمات ما تبقاش موجودة في البيت. ولا صوتها. ولا ريحة القهوة بتاعتها.
غمضت عيني… وافتكرتها وهي بتحطلي الطبق قدامي وتسألني: “أكلت كويس يا كريم؟”
حاجة بسيطة جدًا.
لكن محدش سألني السؤال ده من سنين.
لقيت دموعي بتنزل فجأة.
بسرعة مسحتها بعصبية.
لكن الصوت اللي طلع ورايا جمدني: — البكا على الميت مش عيب.
لفيت بسرعة.
كان عم سيد البواب.
واقف ماسك كوباية شاي.
قعد جنبي بهدوء وقال: — الحاجة نعمات كانت بتحبك أوي.
ضحكت بسخرية موجوعة. — كانت غبية.
هز راسه. — لا. كانت شايفة اللي جواك.
سكت شوية وبعدين قال: — قبل ما تموت بأسبوع، قالتلي: “كريم عامل زي البيت المكسور… الناس شايفة الخراب، بس أنا شايفة إنه لسه واقف.”
الكلمات دخلت جوايا زي السكينة.
عم سيد شرب رشفة شاي وقال: — متضيعش آخر حاجة سابتهالك.
وبعدين قام ونزل.
وسابني لوحدي مع دماغي.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خناق تحت العمارة.
نزلت بسرعة.
ولقيت تلات شباب كبار محاوطين يوسف.
واحد منهم شد الشنطة من إيده وهو بيضحك: — هات اللي سرقته يا ابن الكلب.
يوسف كان مرعوب. — والله ما سرقت حاجة!
جريت ناحيتهم من غير تفكير. — في إيه؟
الواد اللي ماسك الشنطة بصلي باستهزاء. — وإنت مالك؟
يوسف صرخ: — دول تبع المعلم ربيع… عايزين ياخدوني.
قلبي اتقبض.
أنا أعرف النوعية دي.
شباب بيشغلوا الأطفال في السرقة والتسول.
الواد الكبير قرب مني وقال: — اسمع يا باشا… الواد ده عليه فلوس.
قلت بحدة: — طفل عليه فلوس إيه؟
ابتسم ابتسامة قذرة. — كلنا بندفع تمن الأكل والنوم.
يوسف كان بيرتعش.
وفجأة حسيت بحاجة سوداء بتطلع جوايا.
غضب.
غضب قديم جدًا.
مسكت الشاب من قميصه وزقيته بعنف. — غور من هنا.
هو اتصدم ثانية… وبعدين ضربني.
وللحظة… رجعت كريم القديم.
العنيف. المكسور. اللي عاش في الشارع.
الخناقة انفجرت.
لكمات. شتايم. دم.
وفي الآخر الشباب جريوا.
كنت واقف بنهج والدم نازل من شفايفي.
يوسف كان بيبصلي بصدمة.
وقال بصوت صغير: — إنت رجعت علشاني.
الجملة وقفت الزمن للحظة.
لأني طول عمري… ماحدش رجع علشاني.
بصيتله وأنا بحاول أتنفس. وبعدين قلت: — طول ما إنت هنا… محدش هيلمسك.
والغريب؟
إني كنت أقصدها فعلًا.
نهاية الفصل الثاني
