توام بنات اسما السيد

رفض جوزي يدفع ثمن حفاضات توأمنا حديثي الولادة لأنه “كان عايز طفل واحد بس”، وقال لي أرجع أشتغل فوافقت، لكن بشرط واحد.
أنا وجوزي “كريم” كنا مخططين نخلف طفل، واتفقنا من البداية إني أسيب شغلي فترة علشان أتفرغ للبيبي.
ولما حملت، عرفنا إن اللي في بطني توأم بنات. أنا كنت فرحانة بشكل مايتوصفش، لكن كريم كان باين عليه القلق. وقتها افتكرت إنه خايف من مسؤولية الأبوة لأول مرة وبس.
بعد ولادة التوأم، سبت شغلي فعلًا. في البداية الدنيا كانت هادية، لكن بعد كام شهر كريم بدأ يتضايق من أي حاجة تخص البنات.كل شوية يقول: “هو إحنا هنفضل نصرف كده كتير؟ مش تعرفي توفري شوية؟” “بجد لازم نجيب ببرونات جديدة؟ هما بيستهلكوا قد إيه يعني؟”
تقريبًا كل مرة أشتري حاجة للبنات كان يشتكي ويتكلم عن المصاريف، رغم إنه كان بيقبض مرتب كبير، وأنا أصلًا ماكنتش بجيب غير الضروريات.
أمس نزلنا نجيب طلبات البيت من هايبر في القاهرة الجديدة. كريم كان طول الوقت ماسك موبايله وماشي بعيد، وأنا اللي بدفع العربية وفيها البنات وبجمع الطلبات لوحدي.
ولما وصلنا للكاشير، الموظفة حسبت كل حاجة وقالت: “الحساب طلع ٥٨٩٠ جنيه.”
فجأة كريم اتعصب وقال بصوت عالي قدام الناس:
— “إيه المصاريف المبالغ فيها دي تاني؟ مش قولتلك توفري؟”
وبدأ يطلع الحاجات من على السير لحد ما مسك كيس الحفاضات وقال للكاشير: “شيلي ده.”
بصيتله بذهول وقلت: “بس الحفاضات للبنات… دي حاجة أساسية.”
رد بعصبية وهو رافع صوته: “يبقى انزلي اشتغلي وهاتي اللي إنتِ عايزاه من فلوسك!”
في اللحظة دي حسيت بإهانة عمري ما هنساه. الناس كلها كانت باصة علينا، واضطريت أسيب الحفاضات فعلًا ونرجع البيت.
بالليل حاولت أتكلم معاه بهدوء، وفكرته باتفاقنا قبل الجواز، لكنه قال ببرود: “أنا كنت موافق على طفل واحد… مش اتنين. دلوقتي لازم نقسم المصاريف بالنص.”
الكلام نزل على قلبي كالصاعقة.
لكن الحقيقة إني وقتها كنت بالفعل أخدت قراري.
ابتسمت بهدوء وقلتله:
— “عارف يا كريم؟ عندك حق… هرجع أشتغل فعلًا. لكن عندي شرط واحد.” ولما سمعه …
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
ابتسمت بهدوء وأنا ببصله مباشرة وقلت: — “هرجع أشتغل فعلًا… لكن من اللحظة اللي أنزل فيها الشغل، البنات هيبقوا مسؤوليتك بالنص. نص حقيقي… مش بالكلام.”
كريم رفع حاجبه باستغراب وقال بسخرية: — “يعني إيه؟”
قلت وأنا محافظة على هدوئي بالعافية: — “يعني هتصحى معاهم بالليل زيي. وهتغير حفاضات. وهتوديهم الحضانة. ولو واحدة سخنت وإحنا في الشغل، هتاخد أنت إذن زي ما أنا هاخد. ولو فيه دكتور أو تطعيم، هنتقسم الأيام. لأن بما إنك شايف إنهم مسؤولية مشتركة بالحساب… يبقى التربية كمان بالحساب.”
سكت.
لأول مرة من شهور، كريم ماكانش عنده رد سريع.
كان باصصلي كأني شخص غريب عنه.
لكن الحقيقة إن الشخص الغريب ماكنتش أنا… الغريب كان الإهانة اللي بدأ يعاملني بيها من بعد الولادة.
كملت وأنا ببص في عينه: — “أنا مش خدامة عندك يا كريم. ومش هقبل إن بناتي يتحاسبوا كأنهم غلطة زيادة عن العدد المطلوب.”
قال بعصبية: — “إنتِ مكبرة الموضوع.”
ضحكت ضحكة قصيرة باردة: — “الحفاضات بقت رفاهية يا كريم؟”
اتنهد بضيق وقال: — “أنا مضغوط.”
قلت فورًا: — “وأنا؟ أنا بنام كام ساعة في اليوم؟ أنا آخر مرة أكلت وأنا قاعدة إمتى؟ آخر مرة دخلت الحمام لوحدي من غير طفلة بتعيط كانت إمتى؟”
ما ردش.
لف ضهره ونام.
لكن أنا ما نمتش.
فضلت طول الليل باصة للبنتين وهم نايمين جنبي. “ليلى” كانت حاطة إيدها الصغيرة على خد أختها “لارا”، وكأنهم مطمنين لبعض حتى وهم نايمين.
أما أنا… فكنت حاسة إني لو فضلت ساكتة أكتر من كده، هضيع نفسي.
الصبح صحيت بدري جدًا.
حضرت فطار كريم كعادتي، ولبست البنات وغيرتلهم، وبعدها فتحت اللابتوب لأول مرة من شهور.
دخلت على بريدي القديم.
كان عندي عشرات الرسائل من زمايل شغل قدام، وبعض عروض العمل اللي كنت متجاهلاها.
فضلت أبص للشاشة ثواني… وبعدها بدأت أرد.
بعد أسبوعين، كنت بالفعل رجعت شغلي القديم أونلاين مع شركة تسويق كنت شغالة معاها قبل الحمل.
المرتب ماكانش خرافي، لكنه محترم جدًا.
أول مرتب نزل، اشتريت حفاضات تكفي شهر كامل.
مش علشان كريم مايدفعش.
لكن علشان ماحدش يذل بناتي تاني.
الغريب إن كريم أول ما حس إني بقيت مستقلة شوية… بدأ يتغير بطريقة غريبة.
بقى يسأل: — “قبضتي كام؟” — “الشركة دي مستقرة؟” — “هتفضلي تشتغلي لحد إمتى؟”
في الأول كنت برد عادي.
لكن مع الوقت بدأت أحس إن اهتمامه مش بيا… اهتمامه بالفلوس.
وفي يوم، كنت قاعدة بشتغل والبنات بيلعبوا على الأرض، لقيته داخل عليا وقال: — “بما إنك رجعتي الشغل، يبقى تشيلي إنتِ مصاريف البنات كلها.”
رفعت عيني ببطء.
افتكرت الكاشير.
افتكرت الحفاضات اللي اتشالت من على السير.
افتكرت نظرات الناس.
وقتها حاجة جوايا بردت تمامًا.
قلت بهدوء: — “يعني إيه؟”
قال وهو بيقعد: — “ما هو أنا شايل البيت والإيجار والأكل.”
ضحكت بسخرية: — “الأكل اللي أنا بطبخه؟ البيت اللي أنا بنضفه؟ البنات اللي أنا بربيهم؟”
قال ببرود: — “ما دي مسؤوليتك كأم.”
بصيتله ثواني طويلة.
ولأول مرة… حسيت إن الحب فعلًا ممكن يموت.
مش بخيانة.
ولا بضربة.
لكن بالإهمال والقسوة الصغيرة المتكررة.
قلت: — “وأنت مسؤوليتك كأب إيه بالظبط يا كريم؟”
اتعصب وقال: — “أنا بشتغل طول اليوم!”
قلت: — “وأنا؟”
زعق: — “شغلك من البيت أصلًا!”
في اللحظة دي “لارا” بدأت تعيط.
كنت هقوم أشيلها، لكنه سبقني وقال بعصبية: — “خلاص بقى! العيال دي ما بتبطلش عياط؟!”
العيال دي.
مش بناته.
العيال دي.
حضنت لارا بسرعة وأنا قلبي بيتكسر.
ليلى بدأت تعيط هي كمان من الصوت العالي.
وقتها حسيت إن البيت كله مخنوق.
كريم قام وخرج من الأوضة وهو بيخبط الباب وراه.
أما أنا… فقعدت على الأرض، وبنتين صغيرين في حضني، وبعيط بصمت.
في الليلة دي، بعد ما نام، فتحت موبايله.
عمري ما كنت من النوع اللي يفتش.
لكن قلبي كان بيصرخ إن في حاجة غلط.
وبالفعل… لقيت.
رسائل.
مع واحد صاحبه.
كان بيشتكي مني.
في رسالة بيقول: “أنا أصلًا ماكنتش عايز غير طفل واحد. حياتي اتدمرت.” ورسالة تانية: “هي اللي فرحت بالتوأم. تشيل بقى.”
لكن الرسالة اللي كسرتني فعلًا كانت: “حاسس إني بقيت ماكينة صرف.”
قفلت الموبايل بهدوء.
وبصيتله وهو نايم.
الراجل اللي كنت فاكرة إنه سندي… كان شايف بناته عبء.
تاني يوم، كلمت أمي.
وأول ما سمعت صوتي، قالت: — “مالك يا حبيبتي؟”
وانهرت.
حكيت كل حاجة.
كل كلمة.
كل إهانة.
حتى الحفاضات.
أمي سكتت شوية… وبعدها قالت جملة عمري ما هنساها: — “الراجل اللي يحسسك إن ولادك تقال… هيكسرك يوم ورا يوم.”
بعد يومين، أمي جت تقعد معايا كام يوم.
وكريم ماعجبوش الوضع.
كان داخل خارج متضايق.
وفي مرة قال: — “هو البيت بقى فندق؟”
أمي ردت بهدوء: — “وأنت البيت عندك إيه؟ شركة مساهمة؟”
بص لها بضيق وسكت.
لكن التوتر بقى مالي المكان.
وفي ليلة، كنت في المطبخ بحضر ببرونات البنات، ولقيته داخل وقال: — “أمك هتقعد كتير؟”
قلت: — “لحد ما أقدر أتنفس شوية.”
قال بسخرية: — “يعني أنا السبب؟”
لفيت ناحيته ببطء.
وقلت: — “أيوه يا كريم. أنت السبب.”
اتصدم.
يمكن لأول مرة يسمعها صريحة.
قلت وأنا بحاول أمسك دموعي: — “أنا بقيت بخاف أطلب حفاضات لبناتي. بقيت أحسب كل معلقة لبن علشان ماتقولش غالية. بقيت حاسة إني قاعدة بستجدى حقهم منك.”
قال بعصبية: — “إنتِ بتلعبي دور الضحية.”
ضحكت بوجع: — “لا. الضحية مبتبقاش عارفة إنها ضحية.”
سكتنا.
وبعدين قال جملة خلصت كل حاجة جوايا: — “لو الحمل كان بطفل واحد، كان زمان حياتنا أحسن.”
حسيت إن حد خبطني على صدري.
بصيت ناحية أوضة البنات.
وقلت بهدوء مرعب: — “اخرج.”
قال: — “إيه؟”
صرخت لأول مرة: — “بقولك اخرج!”
أمي خرجت مفزوعة من الأوضة.
وكريم وقف مصدوم.
عمري ما عليت صوتي عليه بالشكل ده.
قلت وأنا بترعش: — “إنت مش من حقك تبص لبناتي كأنهم مشكلة. دول نعمة… ولو إنت مش شايف ده، تبقى المشكلة فيك أنت.”
حاول يتكلم، لكني قاطعته: — “اطلع برا الأوضة حالًا.”
خرج فعلًا.
وفي الليلة دي… نام على الكنبة.
أما أنا، فنمت جنب البنات وحضناهم كأني بحميهم من العالم كله.
الأيام اللي بعد كده بقت أبرد.
كلام قليل.
تجاهل.
كل واحد عايش في ناحية.
لكن الغريب إن البنات كانوا بيتعلقوا بيا أكتر، وكأنهم حاسين.
وفي يوم، كنت عند دكتور الأطفال، والدكتور قال وهو بيضحك: — “واضح إن بابا البنات مدلّعهم.”
ماعرفتش أرد.
بس كريم رد بسرعة: — “لا لا… أمهم هي اللي شايلة كل حاجة.”
الدكتور بصله باستغراب وقال: — “طيب ساعدها… التوأم مرهق جدًا.”
كريم ضحك ضحكة مصطنعة: — “بحاول.”
لكن وأنا خارجة من العيادة، اكتشفت حاجة غريبة.
سكرتيرة الدكتور نادتني وقالت: — “مدام مريم… معلش هو حضرتك محتاجة دعم نفسي؟”
اتوترت وقلت: — “ليه؟”
قالت بتردد: — “لأنك شكلك مرهقة جدًا… وإحنا عندنا جروب دعم للأمهات بعد الولادة.”
ابتسمت بالمجاملة ومشيت.
لكن كلامها فضل يرن في ودني.
أنا فعلًا كنت منهارة.
مش جسديًا بس.
روحي كلها كانت تعبانة.
وفي الليلة دي، بعد ما البنات ناموا، قعدت أبص لنفسي في المراية.
شعري واقع.
الهالات سودا.
وجهي شاحب.
فين البنت اللي كانت بتضحك بسهولة؟
فين الست اللي كريم كان بيقولها كل يوم إنها أجمل واحدة في الدنيا؟
قعدت أعيط بهدوء.
وفجأة… لقيت كريم واقف عند الباب.
كان ساكت.
باصصلي بس.
وبعدين قال بصوت واطي: — “إنتِ فعلًا تعبانة كده؟”
ضحكت بمرارة: — “إنت أول مرة تلاحظ؟”
قرب شوية.
وقال: — “أنا… أنا مضغوط فعلًا.”
قلت: — “وأنا غرقت يا كريم.”
سكت.
ولأول مرة، ملامحه كان فيها ندم حقيقي.
قعد على طرف السرير وقال: — “أنا خفت.”
بصيتله باستغراب.
قال وهو باصص في الأرض: — “لما عرفت إنهم اتنين… حسيت إني مش هعرف. كل حاجة بقت أكبر. مسؤولية ومصاريف وخوف. وكل ما كانوا بيعيطوا كنت بحس إني بفشل.”
قلبي وجعني… لكن وجعي منه كان أكبر.
قلت: — “الخوف مش مبرر للقسوة.”
هز راسه ببطء.
وقال: — “عارف.”
وبعدين لأول مرة من شهور… بكى.
كريم اللي عمره ما كان بيعيط.
قال بصوت مكسور: — “أنا كنت فاكر إن الفلوس هي المشكلة… لكن الحقيقة إني كنت خايف أبقى أب وحش.”
بصيتله طويلًا.
وفي اللحظة دي فهمت إن في فرق بين راجل قاسي لأنه أناني… وراجل ضايع لأنه خائف.
لكن ده ماكانش كفاية علشان كل حاجة ترجع زي الأول.
قلت بهدوء: — “لو عايز تصلح… يبقى بالفعل. مش بالكلام.”
ومن اليوم ده، بدأ التغيير ببطء.
مش سحر.
مش فجأة.
لكن خطوة خطوة.
أول مرة صحي بالليل وغير حفاضة بنفسه، كنت متفاجئة.
أول مرة خرج اشترى حفاضات من غير ما أطلب، فضلت باصة للكيس بإحساس غريب.
أول مرة شال ليلى وهي بتعيط ومشي بيها نص ساعة كاملة علشان أنام… عيطت وأنا مغمضة عيني.
وفي يوم، رجع البيت ومعاه لعبتين صغيرين متشابهتين.
قال بتوتر: — “جبت دي لليلى… ودي للارا علشان محدش يزعل.”
ضحكت غصب عني لأول مرة من شهور.
لكن أكتر لحظة لمست قلبي كانت بعدها بأسبوع.
كنا في نفس الهايبر.
نفس المكان.
ونفس الكاشير تقريبًا.
المرة دي العربية كانت مليانة حفاضات ولبن وألعاب.
بصيتله بخوف قديم جوايا.
لكنه مد كارت الفيزا للكاشير وقال بهدوء: — “حاسبي كل حاجة.”
وبعدين بصلي قدام الناس كلها وقال: — “هاتوا أي حاجة البنات محتاجينها.”
الكلمة كانت بسيطة.
لكن بالنسبة لي… كانت اعتذار متأخر قد الدنيا.
ولما رجعنا البيت، لقيته داخل أوضة البنات، قعد بينهم على الأرض، وكل واحدة ماسكة صباع من إيده.
وقف يبصلهم شوية.
وبعدين بصلي وقال بابتسامة باهتة: — “تخيلي… أنا كنت عايز واحدة بس.”
حضنت البنات بقوة.
وقلت بهدوء: — “ربنا كان عارف إن قلبك محتاج اتنين علشان يتربى.”
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *