خادمة قلبي اسما السيد-2

كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا، والمستشفى غارقة في هدوء أبيض بارد، لكن كريم السيوفي لم يشعر يومًا في حياته بكل هذا الدفء.
كان جالسًا على الكرسي بجوار سرير ليلى، يحمل ابنته الصغيرة بين ذراعيه بحذر مضحك، كأنه يخشى أن تتفكك لو تنفس بقوة.
أما ليلى… فكانت تراقبه بصمت.
طوال سنوات زواجهما، لم ترَ كريم ينظر لأي شيء بهذه الطريقة.
ليس لصفقة. ولا لمال. ولا حتى لنفسه في المرآة.
كان ينظر إلى الطفلة كأنها معجزة.
وفجأة، ابتسمت رغم تعبها.
لاحظ كريم ابتسامتها فرفع عينيه إليها.
لثوانٍ… عاد الصمت القديم بينهما.
لكن هذه المرة لم يكن صمتًا باردًا.
كان ممتلئًا بأشياء كثيرة لم يعرفا كيف يقولاها.
قال أخيرًا بصوت خافت: — ليه ما قولتيليش؟
خفضت ليلى عينيها نحو البطانية الصغيرة: — كنت خايفة.
— مني؟
هزت رأسها ببطء: — من اللي هنبقى عليه.
تنهد كريم طويلًا، ثم أسند ظهره للكرسي.
— كنتِ شايفاني وحش للدرجة دي؟
ضحكت ضحكة صغيرة متعبة: — لا… المشكلة إنك ماكنتش شايفني أصلًا.
الكلمة وجعته رغم هدوئها.
لأنه يعرف أنها حقيقية.
في أول سنتين من جوازهم كان يحبها بطريقة مرعبة. كان يشتري لها الورد بلا سبب. يسحبها فجأة في نص الليل ويسافروا إسكندرية علشان تاكل آيس كريم من المكان اللي بتحبه. كان يغار عليها حتى من الوقت.
ثم بدأت الشركة تكبر.
والطموح يكبر.
والقسوة تكبر.
وفي يوم ما… نسي كيف يكون زوجًا.
أصبح فقط رجلًا يطارد النجاح وكأنه يحاول ملء حفرة سوداء داخله.
حتى ليلى نفسها… تحولت بالتدريج إلى شيء “مضمون”. شيء يظن أنه سيبقى مهما أهمله.
اقترب من السرير ببطء.
ثم جلس على الحافة المقابلة لها.
قال بصوت أجش: — أنا كنت فاكر إني بعمل كل ده علشانك. علشان أديكي حياة أحسن. قصر. عربيات. سفر.
رفعت عينيها نحوه أخيرًا: — وأنا كنت محتاجاك إنت… مش الحاجات دي.
ساد الصمت ثانية.
ثم نظرت إلى ابنتهما الصغيرة وهمست: — كنت كل ليلة أكلمها وهي في بطني وأقولها يا رب ما يطلعش قلبها وحيد زي قلبي.
أغمض كريم عينيه بقوة.
لأول مرة منذ سنين… شعر بالخجل من نفسه.
ليس من فشله كرجل أعمال. بل من فشله كرجل أحبته امرأة بصدق ولم يعرف كيف يحتفظ بها.
مد يده ببطء نحو يدها فوق السرير.
تردد لحظة.
ثم أمسكها.
ليلى تجمدت.
لأن كريم السيوفي… الرجل الذي لم يكن يعتذر أبدًا… قال بصوت مكسور: — أنا آسف.
نزلت دمعة هادئة من عينها فورًا.
— آسف إني سيبتك لوحدك. آسف إني خليتك توصلي لدرجة إنك تهربي مني حامل. آسف إني ماكنتش الأب والزوج اللي تستحقيه.
كانت تسمعه وقلبها يرتجف.
لأن جزءًا منها… انتظر هذه الكلمات طويلًا جدًا.
قال بعدها بصوت خافت: — بس أقسم بالله يا ليلى… أنا عمري ما بطلت أحبك.
انكسرت آخر مقاومة داخلها.
بدأت تبكي بصمت وهي تغطي وجهها بيدها الحرة.
فترك الطفلة برفق في السرير الصغير المجاور، ثم عاد إليها فورًا.
احتضنها.
ولأول مرة منذ شهور طويلة… شعرت بالأمان.
ليس أمان المال. ولا القصر. ولا الاسم.
أمان أن هناك شخصًا أخيرًا يراها.
دفنت وجهها في صدره وهي تبكي: — كنت موجوعة أوي يا كريم.
ضمها أقوى.
— عارف. والله عارف… حتى لو فهمت متأخر.
بعد أسبوعين…
كانت الشمس الذهبية تغرق شرفات قصر السيوفي من جديد، لكن المكان لم يعد كما كان.
أصبح حيًا.
ضحكات الممرضات. صوت البيبي الصغيرة. رائحة الحليب الدافئة. وخطوات كريم السريعة كلما سمع ابنته تبكي.
الخدم أنفسهم كانوا يتبادلون النظرات بدهشة.
رئيسهم المتجمد البارد… أصبح يحمل طفلته بنفسه في الثالثة صباحًا ويهزها داخل الممرات.
وفي صباح هادئ، كانت ليلى جالسة في الحديقة تحمل الصغيرة بين ذراعيها حين سمعت صوت خطوات خلفها.
رفعت رأسها.
كريم.
لكنه لم يكن مرتديًا بدلة هذه المرة.
بل بنطالًا منزليًا وقميصًا بسيطًا، وشعره مبعثر قليلًا من النوم.
اقترب وهو يحمل كوبين قهوة.
قال: — واحدة بس من غير كافيين للدكتورة العصبية.
ضحكت بخفة.
ناولها الكوب ثم جلس بجوارها على المقعد الخشبي.
كانت الصغيرة نائمة بسلام.
ظل كريم يراقبهما طويلًا.
ثم قال فجأة: — تعرفي إنك خوفتيني؟
ابتسمت: — لما هربت؟
هز رأسه: — لا… لما حسيت إني ممكن أخسرك بجد.
نظرت إليه بهدوء.
فأكمل: — يوم المستشفى… وأنا واقف بره أوضة العمليات… أول مرة في حياتي فهمت إن الفلوس ما تقدرش تعمل أي حاجة.
سكت قليلًا ثم ابتسم بسخرية من نفسه: — أنا اشتريت أبراج وشركات… بس ما عرفتش أشتري دقيقة واحدة أضمن فيها إنكم هتكونوا بخير.
مدت يدها ببطء فوق يده.
— بس إحنا بخير أهو.
لف يده حول أصابعها فورًا كأنه يخشى أن تختفي.
ثم قال فجأة: — اتجوزيني.
انفجرت ضاحكة بصدمة: — نعم؟!
ابتسم لأول مرة بتلك الخفة القديمة التي وقعت في حبها منذ سنوات.
— المرة الأولى كانت غلطة. كنت فاكر إن الجواز ورقة وخاتم وبيت كبير. عايز أتجوزك صح المرة دي.
شعرت بحرارة في وجهها.
همست: — وإيه تعريفك للجواز الصح؟
اقترب منها ببطء.
ثم وضع جبينه على جبينها وهمس: — إنك تبقي أول حاجة أفكر فيها وآخر حاجة أخاف أخسرها.
أغلقت عينيها.
وكان قلبها يذوب ببطء.
فجأة سمعوا صوتًا صغيرًا غاضبًا.
ابنتهما بدأت تبكي.
ضحك كريم فورًا: — واضح إن الآنسة معترضة على الرومانسية.
حملها بحنان غريب عليه، ثم بدأ يهزها بخفة.
ليلى ظلت تراقبه طويلًا.
الرجل الذي كان يخاف حتى من فكرة الأبوة… أصبح متعلقًا بابنته بشكل مرعب.
بل وأكثر من ذلك…
أصبح إنسانًا مختلفًا.
وفي تلك الليلة، بعد أن نامت الصغيرة أخيرًا، خرج كريم إلى الشرفة فوجد ليلى واقفة تحت ضوء القمر.
كانت ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا، وشعرها الطويل يتحرك مع الهواء.
تجمد للحظة وهو يراها.
ثم اقترب ببطء.
لف ذراعيه حول خصرها من الخلف وأسند ذقنه على كتفها.
همس: — وحشتيني.
ابتسمت وهي تميل عليه: — أنا قدامك أهو.
— لا… وحشتيني بجد. وحشتيني زي زمان. لما كنتِ بتضحكي أول ما تشوفيني داخل البيت.
صمتت لحظة.
ثم استدارت داخل حضنه.
— وأنا كمان اشتقتلك. للنسخة اللي كانت بتحبني بصوت عالي.
رفع يده ببطء ولمس خدها.
كأنها شيء يخشى كسره.
ثم قال: — أوعدك ما ترجعيش تحسي إنك لوحدك تاني.
كانت عيناه صادقتين بشكل أخافها.
لأنها تعرف… كريم لا يقول كلامًا لا يعنيه.
همست: — وأنا أوعدك ما أهربش منك تاني.
ابتسم أخيرًا.
ثم قبّل جبهتها برفق طويل.
لكنها رفعت وجهها نحوه أكثر.
وكأنها تطلب شيئًا آخر.
فهم فورًا.
اقترب ببطء… وقبّلها.
قبلة هادئة. عميقة. ممتلئة بكل الشوق الذي ضاع بينهما.
كل الألم. كل الغياب. كل الليالي الباردة.
ذاب داخل تلك اللحظة.
وحين ابتعد عنها أخيرًا، كانت عيناها تلمعان بالدموع.
ضحك بخفة وهو يمسح دمعة هربت منها: — لسه بتعيطي بسرعة.
همست بابتسامة مرتجفة: — ولسه بحبك بسرعة.
شدها نحوه أكثر وكأن العالم كله لا يعنيه.
وفي الداخل… كانت طفلتهما الصغيرة نائمة بأمان.
بينما لأول مرة منذ سنوات طويلة…
عاد هذا البيت بيتًا فعلًا.
بيتًا فيه حب. وضوضاء. ووعود جديدة.
أما كريم السيوفي… الرجل الذي ظن يومًا أن المشاعر ضعف…
فاكتشف أخيرًا أن أقوى شيء في العالم…
هو أن تجد قلبًا يعود إليك… حتى بعد كل ما كُسر فيه.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *