فقدت زوجتي حكـايـات أسمـا
فقدت زوجتي يوم ولادة بناتي التوأم الثلاث… وبعد عشر سنوات، وبعد انتهاء احتفال عيد ميلادهن، وجدنا صندوقًا أمام باب المنزل، مربوطًا ببطاقة صغيرة كُتب عليها: “إلى بناتي الجميلات… مع حبي، ماما.”
منذ عشر سنوات…فقدت حب حياتي في اليوم الذي كان من المفترض أن يكون أسعد يوم في عمرنا.
رحلت زوجتي سارة أثناء ولادة بناتنا الثلاث…لن أنسى أبدًا اللحظة التي خرج فيها الطبيب من غرفة العمليات ونظر إليّ بحزن وقال إن سارة لم تنجُ…في ثانية واحدة…
كنت أستعد لأرى عائلتي الصغيرة المكونة من خمسة أفراد.
وفي الثانية التالية…كنت أحاول استيعاب أنني أصبحت أرملًا… وأبًا لثلاث طفلات حديثات الولادة… في اللحظة نفسها.
كانت الأشهر الأولى ضبابية…كنت غارقًا في حزن لم أكن أتخيل أن الإنسان قادر على تحمله.
لكن في كل مرة كنت أنظر فيها إلى وجوه بناتي…
كنت أقول لنفسي إنهن ما زلن يحتجن إلي..ولحسن الحظ…
لم أكن وحدي تمامًا…أمي…وأختي منى…
وقفتا بجانبي بكل ما استطاعتا…ساعدتاني في إرضاع البنات، وتبديل ملابسهن، والاعتناء بهن عندما أكون في العمل…وكانتا السبب في أنني لم أنهار تمامًا.
ومع مرور الوقت…بدأت الحياة تستقر تدريجيًا.
لكنني لم أتوقف يومًا عن الاشتياق إلى سارة.
حتى بعد مرور سنوات…كنت أشاهد بناتي يضحكن ويلعبن…وأتساءل دائمًا كيف كانت حياتنا ستبدو لو كانت أمهن تقف بجوارهن…أمس…أتمت بناتي عامهن العاشر.
أقمنا لهن حفلة جميلة في حديقة المنزل.حضرتها العائلة.
وكانت هناك تورتة كبيرة…وبالونات ملونة…وألعاب…
وضحكات ملأت المكان…كان الاحتفال الذي انتظرنه منذ شهور…وفي آخر الليل…غادر آخر الضيوف..وكانت البنات مرهقات من كثرة اللعب…وكنت على وشك إغلاق باب المنزل…عندما سمعت صوتًا غريبًا بالخارج.
فتحت الباب..فوجدت صندوقًا مغلفًا بعناية…
موضوعًا أمام عتبة المنزل…لم يكن عليه اسم المرسل.
ولا أي عنوان…فقط بطاقة صغيرة مربوطة بالشريط.
انحنيت والتقطت الصندوق…
وبمجرد أن قرأت الكلمات المكتوبة على البطاقة…اختفى اللون من وجهي تمامًا…كان مكتوبًا عليها:
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الفصل الثاني
تجمدت يدي وأنا ممسك بالبطاقة.
كانت الكلمات مكتوبة بخط أنثوي هادئ:
“إلى بناتي الجميلات… مع حبي، ماما.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
أعدت قراءة الجملة مرة…
ثم مرتين…
ثم عشر مرات.
كنت أعرف خط سارة عن ظهر قلب.
كنت أراه كل يوم في الملاحظات الصغيرة التي كانت تتركها لي قبل زواجنا.
لكن بعد عشر سنوات…
هل يمكن أن يكون هذا خطها فعلًا؟
أسرعت أغلقت باب المنزل.
وضعت الصندوق فوق طاولة السفرة.
بدأت أمي تقترب وهي تلاحظ ارتباكي.
قالت بقلق:
“مالك يا أحمد؟”
ناولتها البطاقة دون أن أتكلم.
قرأت السطر الأول…
وفجأة شحب وجهها.
جلست على أقرب كرسي.
وقالت بصوت مرتعش:
“مين اللي يعمل مقلب بالشكل ده؟”
خرجت أختي منى من المطبخ.
وأخذت البطاقة.
ثم نظرت إليّ باستغراب.
“يمكن حد بيهزر.”
لكن شيئًا داخلي كان يقول إن الأمر أكبر من مجرد مزحة.
كان الصندوق مغلفًا بعناية شديدة.
بنفس اللون الأزرق الذي كانت سارة تحبه.
حتى العقدة في الشريط…
كانت بنفس الطريقة التي كانت تربط بها الهدايا دائمًا.
وقفت عدة دقائق أحدق فيه.
لم أجرؤ على فتحه.
كنت خائفًا مما قد أجده.
وخائفًا أكثر مما قد لا أجده.
في تلك اللحظة…
نزلت بناتي الثلاث من السلم بعدما سمعن أصواتنا.
قالت ليان وهي تفرك عينيها:
“بابا… في إيه؟”
أسرعت أمي وأخفت البطاقة خلف ظهرها.
لكن مريم لمحت الصندوق.
وقالت بابتسامة:
“دي هدية جديدة؟”
أما نور…
فلاحظت ارتباكي.
وسألت بهدوء:
“حضرتك بتعيط؟”
لم أشعر وقتها أن دموعي كانت تنزل.
مسحتها بسرعة.
وقلت بابتسامة متعبة:
“مفيش يا حبيبتي.”
لكن البنات أصررن يعرفن ما بداخل الصندوق.
ترددت للحظات…
ثم بدأت أفك الشريط ببطء.
كل حركة كانت تجعل قلبي ينبض أسرع.
وأخيرًا…
رفعت الغطاء.
وجدنا في الأعلى ثلاث علب صغيرة.
كل علبة مكتوب عليها اسم واحدة من البنات.
ليان.
مريم.
نور.
وتحت العلب…
كان يوجد ظرف أبيض كبير.
مكتوب عليه بخط اليد:
“يُفتح بواسطة أحمد فقط.”
شعرت بأنفاسي تتسارع.
فتحت الظرف بحذر.
كان بداخله خطاب طويل…
وصورة قديمة لم أرها من قبل.
الصورة كانت لسارة…
تحمل بناتها الثلاث داخل حضانة المستشفى.
لكن أكثر ما صدمني…
أن التاريخ المطبوع أسفل الصورة كان بعد يومين كاملين من اليوم الذي قيل لي إنها توفيت فيه.
تجمدت في مكاني.
ونظرت إلى أمي.
وجدتها تحدق في الصورة…
وكأنها رأت شبحًا.
ثم همست بكلمات جعلت الدم يتجمد في عروقي:
“مستحيل…”
“أنا كنت فاكرة إنهم خلّصوا كل الصور دي من زمان…”
الفصل الثالث
بصيت لأمي بصدمة.
“يعني إيه… خلّصوا كل الصور؟”
أول ما خرجت الجملة من بوقي…
عرفت من نظرة عينيها إنها قالت حاجة ما كانتش تقصد تقولها.
حاولت تتدارك الموقف بسرعة.
وقالت وهي بتبلع ريقها:
“قصدي… المستشفى قالت إن أغلب الصور والملفات اتلفت.”
لكن منى كانت بتبصلها باستغراب.
واضح إنها هي كمان أول مرة تسمع الكلام ده.
قلت وأنا برفع الصورة قدامها:
“دي صورة متصورة بعد يومين من تاريخ وفاة سارة.”
“إزاي؟”
ما حدش رد.
البيت كله دخل في صمت ثقيل.
رجعت بصيت للصورة.
كانت سارة مرهقة جدًا…
لكنها كانت مبتسمة.
وعينيها مفتوحتين.
والثلاث بنات نايمين جنبها في الحضانة.
قلبت الصورة.
كان فيه سطر مكتوب بالقلم الأزرق.
“لو وصلتك الصورة… يبقى الحقيقة لسه عايشة.”
اتجمدت.
الخط…
كان هو نفسه خط البطاقة.
فتحت الخطاب بسرعة.
كانت أول صفحة مكتوب فيها:
“أحمد… لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى حد قرر أخيرًا ينفذ وعده ليا.”
حسيت إن إيدي بتترعش.
كملت القراءة.
“أعرف إن اللي هقوله هيقلب حياتك، لكن قبل ما تصدق أي كلمة، لازم تعرف إن كل دليل هتحتاجه موجود في المكان اللي اتفقنا عليه زمان.”
قفلت الورقة فجأة.
أنا وسارة…
ما كانش بينا أي مكان سري.
ولا أي اتفاق بالشكل ده.
إلا…
حاجة واحدة.
المزرعة القديمة اللي كنا بنروحها قبل الجواز.
المكان الوحيد اللي كنا بنسميه بينا “مكاننا”.
رفعت عيني لأمي.
كانت بتراقبني.
وكأنها عرفت أنا بفكر في إيه.
قالت بسرعة:
“إنت مش ناوي تروح هناك، صح؟”
سألتها بهدوء:
“ليه؟”
ارتبكت.
“أصل… المكان مهجور من سنين.”
لكن ردها ما أقنعنيش.
في اللحظة دي…
ليان فتحت واحدة من العلب الصغيرة اللي كان اسمها عليها.
لقيت فيها إسورة فضة صغيرة.
ومن الداخل منقوش تاريخ ميلادها.
أما مريم…
فلقت سلسلة عليها أول حرف من اسمها.
ونور…
كان في علبتها دبوس شعر صغير على شكل فراشة.
وفوق كل هدية…
كانت فيه بطاقة قصيرة.
كل بنت فيهم مكتوب لها رسالة مختلفة.
لكن الثلاث رسائل انتهوا بنفس الجملة:
“افتكروا دايمًا… ماما عمرها ما بطلت تحبكم.”
بدأت البنات يبكوا.
ليان حضنت الهدية.
وقالت بصوت متقطع:
“بابا… دي ماما بجد؟”
ما عرفتش أرد.
لأني لأول مرة من عشر سنين…
بدأت أشك في كل حاجة كنت مؤمن بيها.
وفي الوقت اللي كنت بحاول أستوعب اللي بيحصل…
رن جرس الباب مرة تانية.
بصيت من عين الباب.
ما كانش فيه حد.
لكن كان فيه ظرف جديد.
أصغر من الأول.
ولما فتحته…
لقيت مفتاحًا نحاسيًا قديمًا.
ومعه ورقة مكتوب فيها:
“لو عايز تعرف الحقيقة… روح للمزرعة قبل شروق الشمس. ومتخليش حد يراقبك… حتى أقرب الناس ليك.”
الفصل الرابع
فضلت أبص للمفتاح النحاسي وقت طويل.
كان قديم.
وعليه صدأ خفيف.
لكن أول ما قلبته…
شفت حرفًا صغيرًا محفورًا على طرفه.
S
نفس الحرف اللي كانت سارة بتحطه في آخر كل جواب كانت تكتبه ليا.
رفعت عيني ناحية أمي.
كانت واقفة بعيد.
بتراقبني في صمت.
ولأول مرة من سنين…
حسيت إن فيه حاجة مخبياها عني.
دخلت أوضتي من غير ما أتكلم.
قفلت الباب.
وفرشت الخطاب والصورة والبطاقة والمفتاح قدامي على السرير.
بدأت أربط بينهم.
الصورة بتاريخ بعد إعلان وفاة سارة.
الرسالة بتقول إن الحقيقة لسه مستخبية.
والمفتاح بيطلب مني أروح المزرعة قبل شروق الشمس.
كل حاجة كانت بتقودني لمكان واحد.
لكن السؤال اللي كان بيموتني…
مين بعت الصندوق؟
وليه استنى عشر سنين كاملة؟
—
الساعة كانت اتنين بعد نص الليل.
البنات ناموا وهم حضنين الهدايا الصغيرة.
دخلت أبص عليهم.
نور كانت ماسكة الدبوس وهي نايمة.
ومريم حاطة السلسلة تحت المخدة.
أما ليان…
فكانت محتضنة الإسورة وكأنها خايفة حد ياخدها منها.
وقفت أبصلهم.
ووعدت نفسي…
إن مهما كانت الحقيقة مؤلمة…
لازم أعرفها.
—
خرجت بهدوء.
ما صحيتش حد.
ركبت عربيتي.
وكان الطريق للمزرعة فاضي تمامًا.
كل ما أقرب…
ذكرياتي مع سارة كانت بترجع.
أول مرة اعترفتلي إنها بتحبني.
أول شجرة كتبنا عليها أول حرف من اسمينا.
وأول بيت صغير حلمنا نبنيه هناك بعد ما نخلف.
وصلت قبل الفجر بدقايق.
المكان كان مهجور.
البوابة الحديدية مكسورة.
والحشائش غطت معظم الطريق.
لكن الغريب…
إن فيه آثار عربية حديثة على التراب.
حد كان هنا من وقت قريب.
نزلت من العربية.
ومشيت بحذر.
وصلت للبيت الخشبي الصغير اللي كنا بنقعد فيه.
المفتاح اللي معايا كان شكله قديم.
لكن أول ما قربته من الباب…
اتفاجئت.
الباب أصلًا ما كانش مقفول.
دفعته بإيدي.
صدر صوت صرير طويل.
دخلت.
المكان كله مغطى بالتراب.
إلا…
كرسي واحد.
كان نضيف.
كأن حد كان قاعد عليه من ساعات.
قلبي بدأ يدق أسرع.
ولما بصيت على الترابيزة…
لقيت ظرف أبيض جديد.
مكتوب عليه بخط سارة:
“أحمد… لو وصلت لحد هنا، يبقى لسه عندك الشجاعة اللي حبيتها فيك.”
فتحت الظرف بسرعة.
كان جواه مفتاح تاني…
وخريطة مرسومة بإيدها.
وفي آخر الخريطة علامة حمراء على مكان داخل المزرعة.
وتحتها جملة واحدة:
“هناك بدأت الكذبة… وهناك هتعرف مين اللي غيّر حياتنا للأبد.”
في اللحظة دي…
سمعت صوت خطوات خلفي.
استدرت بسرعة.
لكن ما كانش فيه حد.
وفجأة…
اتقفل باب البيت الخشبي بعنف من ورايا.
الفصل الخامس
لفيت بسرعة ناحية الباب.
جريت أحاول أفتحه.
لكن كان مقفول من بره.
ضربت عليه بإيدي.
“فيه حد؟”
ما جاش أي رد.
وفجأة…
سمعت صوت احتكاك خفيف.
لفيت ناحية مصدره.
كان جاي من ناحية المدفأة الحجرية القديمة.
قربت منها بحذر.
ولقيت ورقة صغيرة خارجة من بين الطوب.
سحبتها.
كانت مطوية بعناية.
ولما فتحتها…
عرفت الخط فورًا.
خط سارة.
كانت كاتبة:
“لو الباب اتقفل…
ما تخافش.
اللي عمل كده مش عدو.”
عقدت حاجبي.
كملت القراءة.
“بص وراك.”
استدرت ببطء.
ما لقيتش حد.
لكن لقيت صورة معلقة على الحائط عمرها ما كانت موجودة زمان.
الصورة كانت ليا ولسارة.
متصورة في نفس البيت ده.
قبل ولادة البنات بشهور.
الغريب…
إن خلف الصورة كان فيه مفتاح صغير جدًا مثبت بشريط لاصق قديم.
نزعته.
وكان معاه ورقة تانية.
مكتوب فيها:
“افتح الدرج السفلي.”
نزلت على ركبتي.
وبدأت أدور في المكتب الخشبي.
أول درج…
فاضي.
الثاني…
فيه أوراق قديمة.
أما الثالث…
فما كانش بيفتح.
جربت المفتاح.
دار بسهولة.
فتح الدرج ببطء.
كان جواه جهاز تسجيل صوتي قديم.
وشاحن.
وكارت ذاكرة.
وفوقهم مظروف.
مكتوب عليه:
“اسمع التسجيل لوحدك.”
وصلت الجهاز بالكهرباء الموجودة في البطارية الاحتياطية اللي كانت معاه.
ضغطت زر التشغيل.
طلع صوت تشويش ثواني.
وبعدين…
سمعت صوت سارة.
واضح جدًا.
كأنها واقفة قدامي.
“أحمد…”
اتجمدت مكاني.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
“لو بتسمعني دلوقتي…
يبقى الخطة نجحت.”
سكتت لحظة.
ثم قالت:
“أنا عارفة إنك طول السنين دي كنت فاكر إني مت.”
“لكن الحقيقة…”
وفجأة…
التسجيل وقف.
الجهاز فصل تمامًا.
حاولت أشغله تاني.
ما اشتغلش.
فتحت الغطاء.
لقيت البطارية متشالة.
وفي مكانها ورقة صغيرة مطوية.
فتحتها بسرعة.
كان مكتوب فيها:
“لو عايز تكمل باقي الرسالة… لازم تلاقي الشخص الوحيد اللي كان موجود في غرفة العمليات غير الأطباء.”
وفي آخر الورقة…
اسم واحد فقط.
“الممرضة هناء.”
تجمدت.
أنا فاكر كل الأطباء…
لكن اسم “هناء”…
عمري ما سمعته قبل كده.
الفصل السادس
خرجت من البيت الخشبي وأنا ماسك جهاز التسجيل بإيدي.
الشمس كانت بدأت تطلع.
لكن جوايا كان ليل طويل.
اسم واحد كان بيلف في دماغي.
هناء.
مين هي؟
وليه سارة ذكرتها بالاسم؟
وليه أنا عمري ما سمعت عنها؟
ركبت العربية ورجعت البيت.
طول الطريق كنت مشغل التسجيل.
كل مرة كان يقف عند نفس الجملة:
“أنا عارفة إنك طول السنين دي كنت فاكر إني مت… لكن الحقيقة…”
وبعدين…
صمت.
كأن حد تعمد يشيل باقي الرسالة.
—
أول ما وصلت البيت…
لقيت أمي قاعدة في الصالون.
واضح إنها ما نامتش طول الليل.
أول ما شافتني قالت:
“كنت فين؟”
بصيت لها.
وسألتها مباشرة:
“مين الممرضة هناء؟”
اتغير لون وشها.
وقعت فنجان القهوة من إيدها.
واتكسر على الأرض.
فضلت ساكتة.
لكن سكوتها كان إجابة.
قربت منها.
وقلت:
“حضرتك تعرفيها.”
قالت بصوت متقطع:
“أنا… أنا سمعت الاسم زمان.”
“فين؟”
حاولت تهرب بعينيها.
لكنها ما قدرتش.
وقالت:
“يوم ولادة سارة.”
شهقت.
“ليه ما قولتيش قبل كده؟”
مسكت دماغها بإيديها.
“لأننا اتطلب مننا ننسى.”
“مين اللي طلب؟”
لكنها ما ردتش.
—
في اللحظة دي…
دخلت منى بسرعة.
كان معاها ظرف أبيض.
وقالت وهي بتلهث:
“ده لسه جه بالبريد.”
أخدته بسرعة.
ما كانش عليه اسم المرسل.
فتحت الظرف.
كان جواه صورة قديمة للمستشفى.
وفي الصورة…
سارة على السرير.
لكن المرة دي…
ما كانتش لوحدها.
كان واقف جنبها شخص لابس بالطوطة الطبية.
وشه متعلم بعلامة حمراء بالقلم.
وتحته مكتوب:
“ابدأ بيه.”
قلبت الصورة.
لقيت عنوانًا.
وأسفل العنوان جملة قصيرة.
“هناء اشتغلت هنا بعد الليلة دي بستة أشهر.”
رفعت موبايلي فورًا.
وبدأت أبحث عن اسم المستشفى.
لكن أول نتيجة ظهرت قدامي خلت قلبي يقف.
المستشفى…
اتقفل من ثماني سنين.
واتهدم بالكامل.
قلت لنفسي:
“يبقى الخيط اتقطع.”
لكن منى مدت إيدها بهدوء.
وقالت:
“لسه لأ.”
“أنا فاكرة حاجة.”
بصيت لها بسرعة.
قالت:
“بعد ما المستشفى اتقفل…”
“كل العاملين فيه اتنقلوا لمستشفى خاص في مدينة نصر.”
قبل ما أتكلم…
رن هاتفي.
رقم مجهول.
رديت فورًا.
وجالي صوت ست كبيرة في السن.
قالت بهدوء:
“أنا هناء.”
اتجمدت.
وكملت:
“استنيت عشر سنين علشان أكلمك.”
“لأن الوعد اللي وعدته لسارة…
انتهى النهارده.”
وقبل ما أسألها أي سؤال…
قالت جملة واحدة هزت كل يقيني:
“زوجتك ما ماتتش في غرفة العمليات…
لكن اللي حصل بعدها…
هو اللي غيّر حياة الجميع.”
الفصل الأخير
وقف قلبي للحظة وأنا أسمع صوت هناء.
قلت بسرعة:
“قوليلي… سارة فين؟”
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت بصوت يملؤه الأسى:
“يا أحمد… سارة رحلت فعلًا.”
أغمضت عيني.
رغم أنني كنت أعرف الحقيقة منذ عشر سنوات…
إلا أن جزءًا مني كان لا يزال يتمنى معجزة.
قالت هناء:
“لكن قبل ما تدخل غرفة العمليات، كانت عارفة إن حالتها خطيرة.”
“طلبت مني طلبًا واحدًا.”
سألتها وأنا أكاد لا أتنفس:
“إيه هو؟”
قالت:
“قالت لي: لو أنا ما عشتش… أوعديني إن بناتي يعرفوا قد إيه كنت بحبهم.”
تنهدت هناء، ثم أكملت:
“في الأيام اللي سبقت الولادة، سارة كتبت عشرات الرسائل.”
“رسالة لكل عيد ميلاد.”
“ورسائل لكل مرحلة من عمر البنات.”
“وصورت فيديوهات قصيرة.”
“واشترت هدايا صغيرة.”
“وطلبت مني أحفظهم عندي.”
سألتها بذهول:
“طيب ليه استنيتي عشر سنين؟”
قالت:
“لأن ده كان شرطها.”
“قالت إنهم لما يتموا عشر سنين هيبقوا كبار كفاية يفهموا معنى الغياب… ومعنى الحب.”
في اليوم التالي…
ذهبت أنا والبنات إلى بيت هناء.
استقبلتنا بابتسامة دافئة، وكانت تحمل صندوقًا خشبيًا أكبر من الذي وجدناه أمام المنزل.
فتحته أمامنا.
كان بداخله عشرة مظاريف.
كل ظرف مكتوب عليه سنة من عمر البنات.
وصندوق صغير لكل واحدة منهن.
وفي الأسفل…
فستان أطفال أبيض كانت سارة قد اشترته قبل الولادة.
ودفتر مذكراتها.
جلست البنات حول الطاولة.
فتحت ليان أول رسالة.
وبدأت تقرأ بصوت مرتجف:
“إلى بناتي الثلاث…
لو وصلتكوا الرسالة دي، يبقى أنا مش معاكوا بجسمي…
لكن بدعائي وحبي معاكوا كل يوم.”
لم تتمالك مريم نفسها.
وارتمت في حضني تبكي.
أما نور…
فضمت الرسالة إلى صدرها وقالت:
“أنا حاسة إن ماما كانت معانا طول السنين.”
ثم أعطتني هناء ظرفًا أخيرًا.
كان مكتوبًا عليه:
“إلى أحمد.”
فتحته وأنا أرتجف.
كانت سارة قد كتبت:
“أعرف إنك هتزعل عليا كتير.”
“بس أوعى تخلي الحزن يسرق منك البنات.”
“كل ضحكة هتضحكها واحدة منهم…
اعتبرها هدية مني.”
“ولما يكبروا…
احكيلهم عني.”
“مش علشان يفتكروا إني مت.”
“لكن علشان يعرفوا إني عشت…
وحبيت أبوهم لآخر نفس.”
أغلقت الرسالة وأنا أبكي.
لكنها كانت أول دموع أشعر بعدها براحة منذ عشر سنوات.
في المساء…
جلسنا نحن الأربعة في حديقة المنزل.
زرعنا شجرة ياسمين، كانت سارة تعشق رائحتها.
دفنا تحتها نسخة من أول رسالة كتبتها.
وقالت ليان وهي تنظر إلى السماء:
“ماما وعدتنا إنها هتفضل معانا.”
ابتسمت رغم دموعي.
وقلت:
“وهي فعلًا معانا.”
“في أخلاقكم.”
“وفي ضحكتكم.”
“وفي كل لحظة حب سابتّها جوانا.”
ومنذ ذلك اليوم…
لم يعد عيد ميلاد بناتي مجرد احتفال بعام جديد.
بل أصبح أيضًا يومًا نتذكر فيه أمًا رحلت مبكرًا…
لكن حبها ظل يكبر مع بناتها عامًا بعد عام.
تمت.
