ابنتي الغالية حكايات اسما

صرخت بنتي في وشي وقالت: انتِ بقيتي مالكيش لازمة غير انك بتاكلي وتشربي وتعملي نفسك ضحية…قالتلي الجملة دي وهي واقفة قدامي في مطبخ الشقة اللي أنا بنضفه وبخدم فيه بقاله ١٣ سنة…ما صرختش.
ما عيطتش…ولا حتى رديت عليها…فضلت واقفة وماسكة فوطة المواعين المبلولة، وببص لبنتي كأني بشوفها لأول مرة على حقيقتها…مش البنت الصغيرة اللي كنت بشيلها وهي سخنة من الحمى…ولا البنت اللي تعبت عشان تدخل الجامعة بعد ما أبوها مات.
لا…شفت ست سمحت لجوزها وأولادها يعاملوا أمها كأنها خدامة في البيت اللي هي أصلًا شايلاه فوق كتافها…اسمي تهاني عبد الحميد.عندي ٦٢ سنة.
اتولدت في إسكندرية، في بيت بسيط أمي علمتني فيه ٣ حاجات:اصحي بدري.
ما تمديش إيدك لحد….وما تسمحيش لحد يكسر كرامتك…اشتغلت ممرضة أكتر من ٣٥ سنة في الطوارئ…واتعلمت إن أي حاجة مهمة لازم تتكتب…الوقت.
التفاصيل…الكلام بالحرف…عادة صغيرة… لكنها كانت السبب في إن حقي ما يضيعش لما أقرب الناس ليا حاولوا يسرقوا عمري…بنتي دينا طلبت مني أعيش معاها بعد وفاة جوزي.قالتلي وقتها: “بس فترة صغيرة يا ماما لحد ما نقف على رجلينا.”كانت متجوزة محمود، وعندهم طفلين صغيرين.
دخلت البيت بشنطتين، وصندوق خشب فيه صور جوزي الله يرحمه، وقلبي مليان إحساس إني لسه ليا قيمة…في الأول كانوا بيعاملوني بحب.
الأطفال يجروا يحضنوني…ودينا تبوس راسي…وجوزها يقولي: “وجودك بركة يا طنط.”لكن بالتدريج…كل حاجة اتغيرت…بقيت أنا اللي بصحى الفجر أعمل الفطار…أنا اللي بلبس العيال..أنا اللي بوديهم المدرسة.
أنا اللي بطبخ وأنضف وأغسل وأدفع فواتير النت والكهربا والغاز من معاشي.
ولما حد يتعب… أنا اللي أسهر…ما طلبتش منهم جنيه.
كنت فاكرة إن ده اسمه عيلة لكن محمود بدأ يدخل أوضتي بحجج غريبة.
مرة: “بدور على شاحن.”مرة: “فين مفاتيح العربية؟”وكانت نظراته تخليني مش مرتاحة..لما اشتكيت لدينا قالتلي: “يا ماما ما تكبريش الموضوع.”
وبعدين بدأوا يخبوا عني العزومات…يقفلوا باب الصالون ويقولوا: “أصل صحاب محمود مرتاحين أكتر لوحدهم.”وفي عيد الأم من السنين… خرجوا كلهم يتفسحوا وسابوني لوحدي في البيت…وقتها بس… بدأت أكتب.
كل حاجة.كل كلمة.كل موقف.وكل جنيه دفعته.
قبل الليلة دي بأربع شهور، محمود جابلي ورق وقال: “دي إجراءات تأمين بسيطة.”لكن لما قريت كويس…لقيتها توكيل يديه حق التصرف في بيتي القديم اللي في إسكندرية..البيت اللي أنا وجوزي اشتريناه بعد عمر شقى.
رفعت عيني وبصيتله.بتسم وقال: “إجراءات عادية.”
لكن من جوايا… عرفت إن في حاجة غلط.
ومن يومها بدأت أوثق كل حاجة أكتر.
تصوير.
تسجيلات.
إيصالات.وليلة ما بنتي قالتلي: “إنتِ مالكيش لازمة.”طلعت أوضتي بهدوء.
فتحت الدولاب.طلعت الشنطتين اللي جيت بيهم أول مرة.
ولمّيت هدومي.نزلت من غير ما أقول كلمة لكن قبل ما أمشي…
حطيت ظرف في إيد دينا.
بصتلي باستغراب: “إيه ده؟”قولتلها بهدوء: “لما تقريه… هتعرفي أنا كنت إيه فعلًا.”ومشيت.هي مكانتش تعرف…إن الظرف ده كان بداية انهيار البيت كله.
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ مترجم حصري حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
طلعت تهاني من العمارة وهي حاسة إن رجليها شايلين سنين مش مجرد جسمها التعبان الشارع كان زحمة كعادته لكن لأول مرة من سنين كانت ماشية من غير ما تبص وراها ولا تستنى حد ينادي عليها ولا حتى تسأل نفسها هتروح فين كانت ماسكة شنطتها بإيد والملف الأسود اللي فيه كل الورق والتسجيلات بالإيد التانية كأنها شايلة عمرها كله جوه الملف ده ركبت تاكسي وطلبت من السواق يوديها على محطة الرمل وهناك وقفت قدام عمارة قديمة فيها شقة صغيرة كانت بتأجرها زمان لممرضة صاحبتها وبعد ما سافرت الخليج سابتها ليها وقت الحاجة فتحت الباب بالمفتاح القديم ولما دخلت حسّت إن المكان رغم ترابه أحن عليها من بيت بنتها كله قعدت على الكنبة الخشب وسابت نفسها لأول مرة تعيط مش عياط ضعف لكن عياط واحدة أخيرًا فهمت إنها كانت بتضحي بنفسها لناس ما يستاهلوش ضحت بصحتها ووقتها وفلوسها وحتى كرامتها عشان بنتها تعيش مرتاحة وفي الآخر اتعاملت كأنها عبء تقيل لازم يتشال من الطريق
في نفس الليلة دينا فتحت الظرف وهي متعصبة وبتقول لجوزها أكيد أمها عاملة فيها دراما جديدة لكن أول ما شافت الورق وشها اتغير كان أول شيء صورة من التوكيل اللي محمود حاول يخلي تهاني تمضيه وتحته تقرير قانوني من محامي بيأكد إن التوكيل ده كان هيدي محمود حق بيع البيت من غير إذنها بعده صور إيصالات لكل الفواتير اللي تهاني دفعتها طول ١٣ سنة من معاشها من كهربا وغاز ومدارس للأطفال وحتى أقساط عربية محمود وفي آخر الملف فلاشة صغيرة وعليها ورقة مكتوب فيها اسمعوا قبل ما تحكموا محمود حاول ياخد الفلاشة منها لكن دينا شدتها بسرعة وشغلتها على اللابتوب ووقتها خرج صوت محمود واضح وهو بيتكلم مع واحد صاحبه وبيقوله العجوزة دي لازم توقع على البيت بأي طريقة ده حقنا بعد ما خدمتنا السنين دي كلها ولو مرضتش هنخليها تحس إنها تقيلة ومش مرغوب فيها صوت دينا اتكسر وهي بتبص لجوزها اللي حاول يبرر ويقول إنه كان بيهزر لكن التسجيل اللي بعده كان أسوأ صوت محمود وهو بيقول لأحد السماسرة البيت في إسكندرية موقعه حلو ولو خلصنا الورق هنبيعه بمبلغ محترم ونشتري شقة أكبر
دينا قعدت على الأرض وهي حاسة إن الدنيا بتلف بيها لأول مرة تشوف أمها مش الست اللي بتطبخ وتنضف وتسهر على العيال لكن إنسانة اتكسرت جوا بيت بنتها محمود فضل يزعق ويتهم تهاني إنها بتخرب البيت لكن دينا لأول مرة صرخت فيه وقالتله اخرس كانت دموعها نازلة وهي بتفتكر كل مرة أمها اشتكت فيها وكانت هي تسكتها وكل مرة طنشت نظرات جوزها وتصرفاته وكل مرة سابت أمها لوحدها عشان ترضي راجلها الأطفال خرجوا من أوضتهم مرعوبين من الصوت ولما حفيدتها الصغيرة سألت فين تيتة سكتت دينا لأنها ماعرفتش تجاوب
في الصباح كانت تهاني قاعدة في الشقة القديمة بتنضفها بهدوء لما سمعت خبط على الباب فتحت ولقت حفيدها آدم واقف وبيبكي وورا دينا وشها متبهدل من العياط أول ما شافت أمها حاولت تحضنها لكن تهاني رجعت خطوة لورا لأول مرة في حياتها بنتها تحس إن أمها ممكن ترفض لمسها دينا قالت بصوت متقطع أنا غلطت يا ماما لكن تهاني ردت بهدوء متأخر يا دينا الكلمة لما تطلع ما بترجعش دينا فضلت تعيط وتقول إنها ماكنتش شايفة وإنها اتسحبت وسط المسئوليات والكلام والضغوط لكن تهاني سألتها سؤال واحد بس لما كنتوا بتاكلوا وأنا واقفة في المطبخ لوحدي كنتي فعلًا مش شايفة دينا ماعرفتش ترد
مرت الأيام وتهاني بدأت ترتب حياتها من جديد باعت دهب قديم واشترت عفش بسيط للشقة ورجعت تشتغل بشكل جزئي في دار رعاية خاصة كبار السن هناك كانوا يعاملوها باحترام غريب عليها بعد سنين الإهانة كانت كل مرة حد يشكرها على تعبها تحس بغصة لأنها افتكرت إن الغرب قدروها أكتر من بنتها محمود حاول يكلمها كذا مرة لكنها رفضت حتى تسمع صوته وفي يوم وصلها استدعاء من المحكمة اكتشفت إن محمود رفع قضية حجر عليها بحجة إنها كبيرة في السن ومش قادرة تدير أملاكها لكن اللي ماكانش يعرفه إن تهاني كانت مستعدة كويس جدًا
دخلت المحكمة يوم الجلسة لابسة أبيض بسيط ورافعة راسها بثبات بينما محمود واقف مرتبك والمحامي بتاعه بيحاول يثبت إنها غير واعية القاضي سأل تهاني كام سؤال عن حياتها وأملاكها وردت عليهم بدقة وثقة بعدها طلبت الكلمة وطلعت دفتر قديم من شنطتها وقالت للقاضي أنا كنت ممرضة يا سيادة القاضي واتعلمت إن أي حاجة تتكتب عشان الحقيقة ما تضيعش وبدأت تقرأ بالتواريخ كل اللي حصل معاها من أول يوم دخلت فيه بيت بنتها لحد ليلة طردها وقدمت التسجيلات والإيصالات والصور القاعة كلها سكتت ومحمود وشه قلب ألوان والقاضي بقى يبصله بنظرة احتقار
بعد الجلسة انتشرت الحكاية وسط العيلة والجيران الناس اللي كانت فاكرة تهاني ست قاسية اكتشفت الحقيقة بعضهم حاول يعتذر وبعضهم خجل حتى يبص في وشها أما دينا فكانت منهارة تمامًا لأنها فهمت إنها خسرت أمها بإيديها محمود بعد القضية اتفضح في شغله لأن واحد من زملائه شاف التسجيلات المنتشرة وسط العيلة واتفتح تحقيق داخلي معاه بسبب قضايا نصب قديمة كان مستخبي وراها وبعد شهور قليلة خسر شغله واتراكمت عليه الديون وبدأ يبان على حقيقته أكتر وأكتر دينا أخيرًا طلبت الطلاق بعد ما اكتشفت إنه كان بيخونها كمان مع واحدة من معارفهم
في يوم مطر بعد سنة كاملة كانت تهاني قاعدة في البلكونة بتشرب شاي لما سمعت خبط خفيف على الباب فتحت لقت دينا واقفة لوحدها من غير مكياج ولا تصنع باين عليها التعب الحقيقي قالت بهدوء ممكن أدخل دخلت وقعدوا ساكتين شوية قبل ما دينا تطلع ظرف صغير وتحطه قدام أمها وقالت ده عقد تنازل مني عن أي حق في البيت أو الفلوس أنا مش جاية عشان حاجة أنا جاية عشان أقولك إنك كنتي أم عظيمة وأنا كنت بنت فاشلة تهاني بصتلها طويل وشافت في عينيها الندم الحقيقي لأول مرة مش خوف ولا مصلحة دينا كملت وهي بتبكي أنا كل ليلة بفتكر الجملة اللي قولتهالك ومش بعرف أنام أنا قت*لتك بالكلام يا ماما
تهاني سكتت دقيقة كاملة قبل ما تمد إيدها وتمسك كف بنتها لأول مرة من شهور وقالتلها الأم قلبها بيتكسر ألف مرة ويفضل يدق برضه بس اللي اتكسر بينا مش هيرجع زي الأول دينا هزت راسها وقالت عارفة ومش مستنية تسامحيني دلوقتي أنا بس عايزاكي تعرفي إني ندمت تهاني تنهدت وبصت للمطر وقالت أنا مش زعلانة إنك غلطتي يا دينا أنا زعلانة إني ربيتك تستحملي الظلم وتسميه واجب يمكن أنا السبب إني علمتك تدي أكتر ما تاخدي وتسكت حتى لما تتوجع
دينا حضنت أمها وقتها وفضلت تعيط زي طفلة صغيرة وتهاني رغم كل الوجع حضنتها لأن قلب الأم مهما اتكسر بيفضل فيه حتة دافية لولادها لكن المرة دي تهاني كانت مختلفة ماعادتش الست اللي تعيش عشان ترضي الكل على حساب نفسها بقت تصحى الصبح تشرب قهوتها بهدوء وتخرج تتمشى على البحر وتشتري لنفسها هدوم جديدة وتضحك من قلبها مع أصحابها في دار الرعاية ولأول مرة من سنين طويلة حسّت إنها مش مجرد أم أو جدة أو خدامة في بيت حد حسّت إنها تهاني الإنسانة اللي ليها حق تعيش بكرامة وتتحب وتحترم
وفي ليلة هادية كانت قاعدة تقلب في دفترها القديم ففتحت على أول صفحة كتبتها يوم عيد الأم اللي اتسابِت فيه لوحدها وكان مكتوب فيها جملة صغيرة بخط مرتعش أنا مش قليلة ولا عبء ولا ماليش لازمة أنا بس نسيت نفسي وسط خدمة ناس ما عرفوش قيمتي ابتسمت وقتها وقفلت الدفتر لأنها أخيرًا افتكرت قيمتها كويس جدًا
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *