حسن البدري حكـايات أسمـا
=انا مش عايز زوجة… أنا عايز حد ما يسيبش عيالي يم*وتوا من الجوع.
دي كانت أول جملة قالها “حسن البدري”، الجندي الأرمل صاحب الملامح القاسية، لما وقف قدامي في ساحة قرية “ميت الخولي” ومعاه سبعة أطفال واقفين وراه، بينما أمر رجوعه للجبهة متني جوه جيبه العسكري.
اسمي “مريم عبد التواب”، كان عندي تلاتة وعشرين سنة، وفستانين قدام بس، ودَين عند بقال القرية “عم جابر” بقيت أتهرب حتى أبصله بسببه. أمي ماتت بالحمى، وأبويا سافر يشتغل في إسكندرية ووعدني يرجع قبل العيد.
ما رجعش أبدًا.
كنت بغسل هدوم الناس على الترعة، وأطحن الغلة مقابل شوية جنيهات، وفي أيام كتير كنت أشرب شاي من غير سكر علشان أضحك على إحساس الجوع.
علشان كده… لما حسن طلب يتجوزني، ما فكرتش في الحب.
فكرت في رغيف العيش.
أطفاله كانوا عاملين زي الأشباح. الكبير، “عمر”، عنده تلتاشر سنة، كان بيبصلي كأني جاية أسرق آخر حاجة فاضلة له من أمه. “سلمى” كانت شايلة التوأم “آدم” و”ياسين” كأنها أمهم مش أختهم. أما “محمود” و”فريدة” و”نور”، فكانوا ماشيين حفاة، هدومهم لازقة في جسمهم، وعيونهم أكبر من سنهم بكتير.
قلت له: —إنت عايز زوجة ولا خدامة؟
ما اتضايقش.
رد بهدوء: —عايزهم ياكلوا لحد ما أرجع… لو رجعت.
اتجوزنا بعد تلات أيام.
من غير فرح. من غير زفة. من غير حتى دهب.
نص البلد كانت واقفة قدام الجامع تهمس:
—الجعانة لقت بيت تأكّل فيه.
—بيت إيه؟ ده شغلانة… الراجل اشتراها علشان عياله.
ويمكن كانوا عندهم حق.
لما دخلت بيت البدري، فهمت إن المكان ده مش بيت أصلًا.
كان بيت مستسلم.
أطباق عليها بقايا فول ناشف، مراتب من غير أغطية، هدوم متكومة، وريحتها كتمة وفقر وسكوت موجع أكتر من الصريخ.
“نور”، أصغرهم، استخبت ورا الكرسي أول ما شافتني.
وقالت بصوت ضعيف: —إنتِ كمان هتمشي؟
بلعت الغصة اللي في زوري.
وقلت: —مش النهارده.
في الليلة دي، حسن حط شوية فلوس فوق الترابيزة.
—المبلغ ده يكفي شهرين.
“عمر” ضحك ضحكة مرة: —واضح إنك ما تعرفش إحنا بناكل قد إيه.
حسن حاول يحضنه قبل ما يمشي، لكن الولد بعد عنه.
وقال بعين مليانة وجع: —أمي ماتت وهي مستنياك… إحنا مبقيناش نستنى حد.
حسن خرج من غير ما يرد.
شوفته وهو ماشي في طريق التراب، الشنطة العسكرية على ضهره، والذنب ماشي جنبه كأنه ظله.
وأنا… بقيت لوحدي مع سبعة أطفال بيكرهوني.
أول يوم خبّوا عني الملح.
تاني يوم “ياسين” كبّ حلة العيش.
تالت يوم عمر وقف قدامي وقال: —إنتِ مش أمي… ما تتخيليش نفسك مهمة.
بصيت له وقلت: —وأنا ما جيتش أبقى أمك… أنا جيت علشان محدش فيكم ينام جعان.
بعت حلق النحاس الوحيد اللي كنت بملكه علشان أشتري دقيق.
رقعت هدوم لحد ما صوابعي جرحتني.
عملت شوربة من عضم فراخ، وغسلت، وكنست، وطردت أصحاب الديون، واستحملت “الحاجة وداد” أم حسن… اللي كانت داخلة علينا كل يوم بعباية سودا ولسان يقطع الحجر.
كانت تقول: —ابني ساب بيته في إيد واحدة معدومة.
وأنا واقفة على الفرن أعمل عيش، رديت: —يبقى ادعي إن المعدومة دي تعرف تطبخ.
“سلمى” ضحكت وقتها ضحكة صغيرة مستخبية.
كانت أول ضحكة أسمعها في البيت ده.
لكن الشهور عدت.
والخطابات بطلت تيجي.
والبلد بدأت تقول إن حسن مات.
وفي يوم، الحاجة وداد جابتلي عباية سودا وقالت: —البسيها… على الأقل اعملي نفسك بتحترمي الراجل اللي إدالك سقف.
الليلة دي فضلت أعيط في المطبخ… لأني ما كنتش عارفة هأكّل العيال إيه بكرة.
“عمر” شافني.
ما قالش كلمة.
لكن الصبح رجع شايل حزمة حطب كبيرة على ضهره.
ومن يومها… الأطفال بدأوا يقربوا مني.
سلمى بقت تعجن معايا.
التوأم يلموا البيض.
محمود يهتم بنور.
وعمر… بطل يناديني “بالست دي”.
لحد ليلة مطر شديدة.
الكلاب فضلت تنبح بطريقة غريبة… كأنها عرفت شخص راجع من الم*وت.
فتحت الباب.
ولقيته واقف تحت المطر.
عرجان. هدومه العسكرية مقطعة. وشه غرقان تعب. وعينه فيها حاجة مكسورة.
حسن البدري رجع من الحرب.
لكن أول ما دخل البيت… لاحظ حاجة خلت وشه يتغير بالكامل.
الأطفال كلهم خافوا.
مش فرحوا.
خافوا.
نور استخبت ورا ضهري فورًا.
والتوأم جريوا على أوضتهم.
حتى عمر، اللي كان طول عمره بيتمنى رجوع أبوه… رجع خطوتين لورا كأنه شايف غريب.
حسن بص حواليه بصدمة ووو
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
حسن بص حواليه بصدمة كأنه دخل بيت غلط. عينه راحت على الفرن اللي مولع والريحة الدافية اللي مالية المكان، وعلى البطاطين النظيفة المتطبقة فوق الكنبة، وعلى الصحون اللي مترتبة جنب الحوض بدل ما تكون مرمية زي زمان. حتى الحيطان اللي كانت سودا من الدخان كنت أنا وسلـمى غسلناها بالجير قبل أسبوعين علشان نور كانت بتكح طول الليل.
لكن أكتر حاجة صدمته… كانت عيالـه.
واقفـين بعيد عنه.
خايفين.
مش بيجروا عليه.
مش بيحضنوه.
مش حتى بيقولوا “حمد لله على السلامة”.
بس عيون مترقبة فيها خوف قديم.
حسن بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مبحوح: —مالكوا؟
نور شدت طرف جلابيتي أكتر واستخبت ورايا بالكامل.
أما عمر فكان واقف جامد مكانه، كتافه مشدودة وعينه ثابتة في أبوه كأنه بيحاول يقرر إذا كان يكرهه ولا يعيط.
حسن قرب خطوة.
التوأم اتفزعوا فورًا وجريوا ناحية الأوضة وقفلوها من جوه.
وقتها وش حسن اتكسر فعلًا.
بصلي وقال: —إيه اللي حصل هنا؟
ما عرفتش أرد.
مش علشان خايفة… لكن علشان الإجابة كانت أكبر من الكلام.
الحاجة وداد دخلت في اللحظة دي وهي بتصرخ: —يا ضنايااا! حسن!
جريت عليه تبوس راسه وكتفه وتعيط بصوت عالي لدرجة إن الجيران بدأوا يطلوا من الشبابيك.
لكن حسن ما كانش مركز معاها.
كان مركز مع عيالـه اللي واقفين بعيد.
قال بهدوء: —تعالوا.
ولا واحد اتحرك.
سكت شوية، وبعدها عمر قال أخيرًا: —إنت اتأخرت.
الجملة نزلت على البيت كله زي حجر.
حتى المطر برا سكت لحظة.
حسن فتح بقه كأنه عايز يقول حاجة، لكن ما عرفش.
أما عمر فكمّل وهو بيبصله بعين حمرا: —أمي ماتت وهي مستنياك… وآدم سخن يومين كاملين وما كانش معانا تمن دكتور… ونور كانت بتنام من غير عشا… وإحنا كنا بنستخبى لما صاحب الدَين يخبط على الباب… إنت ما كنتش هنا.
الحاجة وداد صرخت: —عيب يا ولد! ده أبوك!
لكن عمر لف لها بسرعة: —هو كان فين لما كنا بنعيط؟!
الولد كان بيطلع وجع سنين دفعة واحدة.
حسن نزل بعينه للأرض.
ولأول مرة شوفته ضعيف بالشكل ده.
قال بصوت مكسور: —كنت بحارب علشانكم.
ضحك عمر ضحكة مرة: —وإحنا كنا بنحارب برضه… بس من غير س*لاح.
وساب المكان وطلع السطح تحت المطر.
فضل البيت ساكت بعدها بشكل موجع.
الحاجة وداد كانت بتبصلي وكأن كل اللي حصل ذنبي أنا.
أما حسن فكان واقف وسط البيت الغريب اللي سابه منهار ورجع لقاه عايش من غيره.
بعد شوية قلت بهدوء: —اقعد… هحطلك أكل.
رفع عينه ناحيتي لأول مرة بتركيز.
يمكن لأول مرة يشوفني فعلًا مش مجرد ست مأجرة ترعى عياله.
كنت مرهقة، هدومي عليها دقيق، إيدي محروقة من الفرن، وتحت عيني هالات سودا من السهر.
لكن البيت كان واقف.
والعيال شبعانة.
قعد على الكرسي ببطء وأنا حطيتله طبق عدس وعيش سخن.
فضل يبص للأكل كأنه مش مصدق.
ثم قال: —من زمان ما شمتش ريحة أكل كده.
ما رديتش.
الحاجة وداد اتكلمت بسرعة: —ما هي صرفت فلوسك كلها يا حسن… ده حتى باعت دهبها.
بصلي باستغراب: —بعتي دهبك؟
ضحكت ضحكة صغيرة: —كان حلق نحاس يا حاج… مش كنز.
سكت.
وبدأ ياكل.
كان جعان بشكل يخوف.
ياكل بسرعة جندي راجع من المجاعة مش من الحرب.
وفجأة آدم خرج من الأوضة بحذر.
وقف يبص لأبوه شوية، وبعدها قال بصوت صغير: —إنت هتمشي تاني؟
إيد حسن وقفت في نص اللقمة.
بص للولد كأنه اتضرب.
وقال بسرعة: —لا.
لكن الطفل رد فورًا: —أنت قلت كده قبل كده.
الصمت اللي بعد الجملة دي كان أقسى من أي صوت.
في الليلة دي، محدش نام مرتاح.
العيال كانوا متوترين.
وحسن فضل صاحي لحد الفجر قاعد في الصالة يبص للسقف.
وأنا كنت بصحي كل شوية على صوت كوابيسه.
كان بيصرخ بأسامي ناس معرفهاش.
مرة صحيت لقيته قاعد على الأرض بيتنفس بعنف وعرقه مغرق هدومه.
قلت بخضة: —مالك؟
بصلي بعين تايهة وكأنه رجع من مكان بعيد جدًا.
وبعدين همس: —الحرب ما بتخلصش لما الجندي يرجع.
الجملة فضلت ترن في وداني أيام.
بدأت ألاحظ حاجات صغيرة.
حسن ما كانش يقدر يسمع صوت الباب لما يخبط فجأة.
كان يتوتر من أي صوت عالي.
ينام وسكينة تحت المخدة.
ويقعد بالساعات ساكت يبص للفراغ.
لكن الأصعب… إنه ما كانش عارف يرجع أب.
العيال اتعودوا يعيشوا من غيره.
سلمى بقت مسؤولة أكتر من سنها.
عمر بقى راجل البيت.
أما أنا… فبقيت الحضن اللي بيستخبوا فيه لما يخافوا.
وده كان بيوجعه حتى لو ما قالش.
في يوم الصبح، لقيته واقف في المطبخ يراقبني وأنا بعجن.
قال فجأة: —ليه عملتي كل ده؟
رفعت عيني: —إيه؟
أشار حوالين البيت. —دول مش عيالك.
ابتسمت بتعب: —الجوع ملوش أهل يا حسن.
سكت شوية.
وبعدين قال: —أنا كنت فاكر إني لما أرجع هلاقي البيت زي ما هو.
ضحكت بخفة: —البيوت اللي أصحابها بيسبوها ياكلها التراب.
كان في كلام كتير بينا بيتقال من غير صوت.
لكن الحاجة وداد ما كانتش عاجبها الوضع.
بدأت تهمس للناس إني “لفيت” حسن حوالين صباعي.
وإن الست اللي تدخل بيت جاهز ما تصبرش عليه.
وفي ليلة، دخلت عليا المطبخ وقالت: —خدي بالك يا مريم… ابني مش ناقصه واحدة تتعلق برقابته.
بصيتلها وأنا بقلب العيش على الصاج: —لو كنت عايزة أتعلق برقبة حد… كنت اخترت واحد موجود مش غايب.
وشها قلب.
ومن يومها الحرب بينا بدأت.
كانت تحاول تقلب العيال عليا.
تقول لنور: —دي مش أمك الحقيقية.
فترد نور بعفوية: —بس هي اللي بتمشطلي شعري.
تحاول تشحن عمر: —أبوك رجع… خلاص الست دي مالهاش لازمة.
لكن عمر كان يرد ببرود: —إحنا مش عفش علشان نغير اللي شايلنا.
الكلمة دي خلتني أدخل أوضتي أعيط يومها.
لأن لأول مرة حسيت إن الولد قبلني فعلًا.
لكن حسن كان بعيد.
مش بجسمه… بروحه.
يقعد بالساعات برا البيت، أو فوق السطح لوحده.
وفي مرة صحيت بالليل ملقتهوش.
خرجت أدور عليه.
لقيته قاعد جنب الترعة.
بيبكي.
راجل بالحجم ده… بيبكي زي طفل.
ما حسش بيا غير لما قربت.
مسح وشه بسرعة وقال: —ما ينفعش تشوفيني كده.
قعدت جنبه بهدوء.
بعد وقت طويل قال: —أنا شفت ناس بتم*وت كل يوم… بس أكتر حاجة كسرتني إني كنت بعيد لما مراتي ماتت.
كان أول مرة يجيب سيرة زوجته.
كمّل بصوت مبحوح: —كانت بتبعتلي جواب كل أسبوع… آخر جواب وصلني منها قالتلي إنها تعبانة شوية… ولما أخدت الإذن ورجعت… كانت مدفونة.
سكت.
والليل كان بارد حوالينا.
قال بعدها: —عمر بيكرهني علشان ده.
هززت راسي: —لا… عمر موجوع منك.
بصلي باستغراب.
قلت: —في فرق. الكره بيخلي الإنسان يبعد… إنما الوجع بيخليه مستني.
فضل ساكت وقت طويل.
وبعدين سأل: —وإنتِ؟ مستنية إيه؟
السؤال ضربني فجأة.
لأني فعلًا ما كنتش أعرف.
أنا دخلت البيت ده علشان لقمة العيش.
لكن في يوم ما بين عجن العيش، وتغسيل هدوم العيال، والسهر جنب نور لما تسخن، بقيت أخاف عليهم كأنهم لحمي.
ويمكن… يمكن بقيت أخاف على حسن نفسه.
الأيام بعد كده بدأت تهدى شوية.
حسن حاول يقرب من العيال.
يعلم التوأم يعملوا طيارات من الورق.
يجيب لنور عروسة قماش من السوق.
يساعد سلمى في إصلاح السقف.
لكن مع عمر كانت الأمور أصعب.
كان في حاجز كبير بينهم.
لحد يوم السوق.
كنت راجعة شايلة أكياس تقيلة، وفجأة اتنين شباب سكرانين وقفوا طريقي.
واحد منهم قال: —أهو حسن ساب بيته ومراته للغريب.
والتاني ضحك: —واضح إنها لقت راجل يصرف عليها.
اتجمدت مكاني.
قبل ما ألحق أتكلم، ظهر عمر فجأة.
ضرب واحد فيهم بالحجر على وشه.
والتاني مسكه من هدومه وهو بيصرخ: —لو جبتوا سيرتها تاني هق*تلكوا!
الناس جريت تفصل بينهم.
وأنا سحبت عمر بالعافية.
كان بيتنفس بعنف وعينه مليانة نار.
قلت بخضة: —إنت اتجننت؟!
صرخ فيا: —مش هخلي حد يغلط فيكي!
وساعتها… لأول مرة… حضنته.
الولد اتجمد في حضني ثواني.
وبعدين انفجر عياط.
عياط سنين كاملة.
رجعنا البيت متأخر.
وحسن لما شاف وش عمر المتبهدل فهم إن في حاجة حصلت.
ولما عرف التفاصيل، فضل ساكت شوية.
ثم قرب من عمر وقال: —كنت راجل النهارده.
عمر رد بعصبية: —أنا راجل من زمان… غصب عني.
الكلمة وجعت حسن أكتر من أي حاجة.
لكن بعدها بأيام حصل اللي قلب كل شيء.
الحكومة بعتت جواب.
حسن لازم يرجع الجبهة تاني.
أنا اللي قريت الجواب.
وإيدي كانت بتترعش.
أما حسن فكان وشه جامد بشكل مخيف.
نور بدأت تعيط أول ما فهمت.
التوأم اتشبثوا فيه.
حتى سلمى وشها اصفر.
أما عمر فطلع برا البيت من غير كلمة.
في الليلة دي، حسن قعد معايا لوحدنا لأول مرة.
قال: —لو مرجعتش…
قاطعته بعصبية: —متقولش كده.
بصلي طويل.
وقال بهدوء: —لو مرجعتش… خليكي معاهم.
حسيت قلبي بيتقبض.
همست: —إنت بتتكلم كأنك مودع.
ضحك ضحكة تعبانة: —الجندي طول عمره بيودع يا مريم.
وبعدين عمل حاجة عمري ما هنساه.
مد إيده ببطء وحطها فوق إيدي.
وقال: —أنا عمري ما شكرتك.
دموعي نزلت وقتها رغمًا عني.
لأني لأول مرة حسيت إننا بقينا عيلة فعلًا.
لكن القدر كان مخبي لنا ضربة تانية.
قبل سفره بيومين… الحاجة وداد اختفت.
ومعاها كل الفلوس اللي كنا محوشينها للعيال.
ولما عرفنا راحت فين… حسن فقد أعصابه لأول مرة.
حسن خرج يدور عليها كالمجنون.
لف البلد كلها من أول السكة الزراعية لحد بيت أختها في القرية اللي جنبنا، لكن محدش كان راضي يقول مكانها. الناس كانت تبصله بشفقة وتسكت، كأن الكل عارف حاجة وإحنا آخر من يعلم.
رجع قبل الفجر ووشه متغير.
كان فيه انكسار جديد اتضاف فوق كل اللي الحرب عملته فيه.
دخل البيت بهدوء، وأنا كنت قاعدة على الأرض أحاول أهدّي نور اللي نامت وهي بتعيط.
بصلي وقال: —أمي خدت الفلوس علشان تسدد ديون ابن خالتي.
ما استوعبتش. —كلها؟
هز راسه. —كل حاجة.
حسيت الأرض بتميل تحت رجلي.
الفلوس دي كانت أكل الشهور الجاية. كانت تمن علاج نور لو تعبت. كانت تمن الكتب اللي سلمى نفسها ترجع المدرسة علشانها. كانت الأمان الوحيد اللي عندنا.
لكن اللي ق*تلني فعلًا… إن حسن ما دافعش عنها.
ما قالش “دي أمي”.
ما حاولش يبرر.
بس قعد على الكرسي ودفن وشه بين إيديه كأنه أخيرًا تعب.
الصبح، عمر دخل البيت شايل شوال بطاطس صغير.
حطه على الترابيزة وقال: —اشتغلت مع المعلم سيد الفجر كله.
بصله حسن بحزن. —إنت مش المفروض تشيل هم البيت.
عمر رد بهدوء أكبر من سنه: —بس البيت بيقع لو محدش شاله.
الولد ده كان بيكبر كل يوم عشر سنين.
أما سلمى فباعت إسورة أمها القديمة من غير ما تقول لحد، وجابت بيها دقيق وزيت. ولما عرفت، زعقتلها: —ليه تعملي كده؟ دي الحاجة الوحيدة اللي فاضلالك من أمك!
قالت وهي بتحاول متعيطش: —وإيه فايدتها لو إحنا جعانين؟
البيت كله كان بيتحول لحاجة واحدة.
مش ناس عايشين تحت سقف.
ناس بتحارب علشان بعض.
وفي وسط كل ده، حسن كان بيتفتت.
كنت أصحى أحيانًا ألاقيه واقف يبص للعيال وهم نايمين.
كأنه خايف يحفظ ملامحهم وينساهم.
وفي ليلة قبل سفره بيوم واحد، سمعته بيتخانق مع نفسه برا.
خرجت لقيته واقف في الضلمة ماسك ورقة السفر بإيد مرتعشة.
قال من غير ما يبصلي: —لو روحت المرة دي… غالبًا مش هرجع.
قلبي اتقبض. —بلاش تقول كده.
ضحك بمرارة: —أنا عارف الحرب كويس.
سكت شوية، وبعدين بصلي لأول مرة بالشكل ده.
نظرة راجل شاف الم*وت كتير لدرجة بقى يخاف من الحياة أكتر.
قال: —أنا كنت أناني لما اتجوزتك.
ما رديتش.
كمّل: —جبتك هنا علشان عيالي… من غير ما أسألك إنتِ عايزة إيه.
بلعت ريقي بصعوبة. —وأنا وافقت علشان الجوع.
ابتسم بحزن. —بس الموضوع مبقاش كده.
الهواء نفسه وقف بينا.
وحسيت قلبي بيدق بعنف.
قال بهدوء: —أنا بقيت بخاف عليهم علشانك… مش علشاني.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
لكن قبل ما أي كلمة تخرج مني، سمعنا صوت خبطة قوية على الباب.
فتحنا.
ولقينا الحاجة وداد.
كانت حالتها صعبة بشكل مرعب.
عبايتها متبهدلة، وشها شاحب، وعينيها مليانة رعب حقيقي.
أول ما شافت حسن وقعت على الأرض وهي بتصرخ: —الحقني يا ضنايا… هيق*تلوني!
دخلناها بسرعة.
طلعت إن ابن خالته اللي ادته الفلوس كان داخل في تجارة قذرة، والرجالة اللي شغال معاهم اكتشفوا إنه هرب بالفلوس وسابها في وشهم.
وكانوا فاكرين إن الباقي عند الحاجة وداد.
الست اللي طول عمرها قوية ولسانها طويل كانت بترتعش زي الأطفال.
حسن فضل ساكت يسمع.
وبعدين قال بهدوء مرعب: —الفلوس راحت فين؟
عيطت: —خدها كلها وهرب.
قعدت على الأرض أراقبهم وأنا حاسة إن الدنيا بتلف.
يعني إحنا اتسرقنا… واتبعنا… وفي الآخر الفلوس راحت لواحد هرب بيها؟
لكن المصيبة الأكبر كانت لسه جاية.
بعد ساعة، سمعنا صوت خبط عنيف على الباب.
العيال اتفزعوا فورًا.
نور استخبت في حضني.
أما حسن فقام بهدوء العسكري اللي عمره ما بينسى الخطر.
فتح الباب بحذر.
كان تلات رجالة.
وشوشهم ما تعرفش الرحمة.
واحد منهم قال: —الحاجة وداد عندكم؟
حسن وقف قدام الباب كله. —عايزين منها إيه؟
الراجل بصله من فوق لتحت. —فلوسنا.
الحاجة وداد بدأت تعيط هستيري من جوه: —قولهم مش عندي!
لكنهم كانوا سامعين.
الراجل زق الباب برجله وقال: —إحنا مش هنمشي غير لما ناخد حقنا.
في اللحظة دي شفت حسن يتحول لشخص تاني.
الهدوء اختفى.
عينيه بقت جامدة بشكل يخوف.
قال بصوت منخفض: —في عيال جوه البيت… امشوا دلوقتي.
لكن الراجل ضحك.
وده كان أغبى قرار أخده في حياته.
في ثانية، حسن مسك إيده ولوى ذراعه بعنف لدرجة إن صوته طقطق.
الباقيين هجموا عليه.
والبيت اتقلب جحيم.
العيال بيصرخوا.
نور بتعيط.
وأنا بحاول أبعدهم.
لكن حسن… كان بيحارب كأنه رجع الحرب فعلًا.
ضرباتهم كانت عنيفة، لكنه كان أشرس.
وفي الآخر، الجيران اتجمعوا والرجالة هربوا.
لكن حسن وقع على الأرض بعدها مباشرة.
الدم كان نازل من جنبه.
صرخت وجريت عليه.
فتح عينه بالعافية وقال: —متخافيش… خدش بسيط.
كداب.
الجرح كان عميق.
قضينا الليلة كلها نحاول نوقف النزيف، والدكتور جه الفجر وخاط الجرح في البيت علشان حسن مطلوب يرجع المعسكر وما ينفعش حد يعرف اللي حصل.
بعد ما الكل نام، قعدت جنبه.
كان تعبان جدًا.
وشه شاحب.
لكن عينه ثابتة عليا.
همس: —لو كنت مت… كنتِ هتكملي؟
شهقت: —متقولش كده تاني.
ابتسم ابتسامة ضعيفة. —جاوبي.
بصيتله طويل.
وقلت الحقيقة لأول مرة: —أيوه… كنت هكمّل. علشان دول بقوا عيالي… وإنت بقيت راجل البيت اللي قلبي متعلق بيه حتى لو عمري ما اعترفت.
عينيه لمعت.
ولأول مرة… حسن البدري ابتسم.
ابتسامة حقيقية.
صغيرة ومتعبة… لكنها حقيقية.
مد إيده ومسح دموعي بإبهامه.
وفي اللحظة دي حسيت إن كل الجوع، والتعب، والخوف، والحرب… كانوا مجرد طريق للحظة دي.
لكن الصبح وصل أسرع من اللازم.
العربية العسكرية جت تاخده.
العيال كانوا متجمعين حوالينه.
نور متعلقة في رقبته.
التوأم بيعيطوا.
سلمى بتحاول تبان قوية.
أما عمر… فكان واقف ساكت.
قبل ما حسن يركب، قرب عمر منه أخيرًا.
ولأول مرة من سنين… حضنه.
حضنه جامد.
وقال بصوت مكسور: —ارجع المرة دي.
حسن غمض عينه كأنه بيتشبث بالكلمة.
ثم همس: —هحاول يا بطل.
وركب العربية.
فضلنا واقفين نبص عليها لحد ما اختفت في آخر الطريق.
مرت الأيام بعدها تقيلة بشكل يوصفش.
لكن الغريب إننا بقينا أقوى.
الحاجة وداد اتغيرت.
يمكن الخوف كسرها.
بقت تساعدني في البيت وتسكت كتير.
وفي مرة لقيتها بتبصلي وأنا بخبز وقالت: —أنا ظلمتك يا بنتي.
بصيتلها مصدومة.
دي أول مرة تعترف بحاجة.
قالت وهي بتمسح دموعها: —إنتِ اللي ربيتي العيال… وإنتِ اللي حفظتي البيت.
ومن يومها بقت تناديني “يا بنتي” فعلًا.
أما حسن…
فغاب شهور.
لكن الخطابات رجعت.
كل أسبوع جواب.
بخطه الخشن.
“مريم… حافظي على نفسك.”
“مريم… سلمى لازم ترجع المدرسة.”
“مريم… قولي لعمر إني فخور بيه.”
وفي آخر كل جواب جملة واحدة: “وحشتيني.”
كنت أقرأها كل ليلة وأضم الورقة لصدري كأنها حضنه.
لحد يوم المغرب.
سمعنا صوت عربية عسكرية قدام البيت.
قلبي وقف.
الجيران بدأوا يبصوا.
الحاجة وداد قعدت على الأرض تصرخ قبل حتى ما الباب يتفتح.
وأنا…
كنت متجمدة.
الضابط دخل شايل شنطة حسن العسكرية.
وفي اللحظة دي حسيت الدنيا اسودت.
لكن قبل ما يتكلم…
اتفتح الباب وراه.
وحسن دخل.
عرجان أكتر من قبل.
لكن حي.
نور صرخت وجريت عليه.
التوأم اتعلقوا فيه.
حتى سلمى عيطت.
أما عمر فوقف يبصله ثواني… وبعدها حضنه وهو بيضحك ويعيط في نفس الوقت.
وأنا؟
أنا ما قدرتش أتحرك.
كنت واقفة أبصله كأني خايفة يكون حلم.
حسن قرب مني ببطء.
وقال قدام الكل: —المرة دي رجعت علشانكم… مش علشان الحرب.
وبعدين طلع من جيبه حاجة صغيرة.
خاتم بسيط من الفضة.
وقال بصوت مرتعش: —المرة الأولى اتجوزتك علشان العيال… ينفع نتجوز المرة دي علشاننا إحنا؟
انفجرت دموعي.
والعيال كلهم بقوا يضحكوا ويعيطوا حوالينا.
أما الحاجة وداد فكانت تبكي وهي تردد: —الحمد لله… الحمد لله إن البيت ده رجع بيت من تاني.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة واحدة.
إن العيلة مش دم وبس.
العيلة… ناس اختاروا كل يوم يقفوا جنب بعض رغم الجوع والخوف والحرب والخذلان.
وناس… لما الدنيا كلها تمشي منهم، يفضلوا هما ثابتين.
تمت