اهلي دفعوا حكـايـات أسمـا ×3

الفصل الرابع

 

فضلت أبص في الأوراق أكتر من مرة.

 

وأكتر من مرة.

 

وأكتر من مرة.

 

يمكن علشان كنت مستنية ألاقي غلطة.

 

رقم غلط.

 

اسم متشابه.

 

أي حاجة.

 

لكن كل ما أراجع.

 

كانت الحقيقة أوضح.

 

…

 

الحساب كان حقيقي.

 

والأموال كانت حقيقية.

 

والتوقيعات كمان كانت حقيقية.

 

…

 

رفعت عيني ناحية داليا.

 

وقلت:

 

“جبتي الأوراق دي منين؟”

 

…

 

قالت:

 

“بالصدفة.”

 

…

 

ثم أخذت نفسًا عميقًا.

 

وقالت:

 

“من شهر تقريبًا.”

 

“كنت بدور على أوراق قديمة تخص السفر.”

 

“ولقيت صندوق حديدي في مكتب بابا.”

 

…

 

سكتت لحظة.

 

ثم أكملت:

 

“الصندوق كان مقفول.”

 

“لكن المفتاح كان جوه الدرج.”

 

…

 

ابتسمت بسخرية.

 

لأن دي كانت أول مرة أشوف فيها أبويا يغلط.

 

طول عمره كان حريص بشكل مبالغ فيه.

 

…

 

قالت داليا:

 

“في الأول ما فهمتش حاجة.”

 

“لكن لما بدأت أقرأ.”

 

“اكتشفت إن فيه حساب اتفتح وأنا وإنتِ عندنا خمس سنين.”

 

…

 

نزلت بعيني على التاريخ.

 

…

 

وكان فعلًا قديم جدًا.

 

…

 

وقالت:

 

“المفروض الفلوس دي تتقسم بينا بالتساوي.”

 

…

 

ثم همست:

 

“لكن ده ما حصلش.”

 

…

 

بدأت أراجع كشوف السحب.

 

…

 

كل سنة.

 

كل سنة تقريبًا.

 

كان فيه مبلغ بيتسحب.

 

…

 

وفي النهاية.

 

اختفى معظم الرصيد.

 

…

 

سألتها:

 

“أمك تعرف؟”

 

…

 

هزت رأسها.

 

…

 

وقالت:

 

“ماعرفش.”

 

“لكن أعتقد إنها كانت فاكرة إن الفلوس بتاعت بابا.”

 

…

 

سكتنا.

 

…

 

ولأول مرة من سنين طويلة.

 

لقيت نفسي مش غاضبة من داليا.

 

…

 

كانت ضحية بشكل مختلف.

 

لكنها برضه ضحية.

 

…

 

هي أخدت الفلوس.

 

صح.

 

لكن عمرها ما كانت تعرف مصدرها الحقيقي.

 

…

 

وفجأة.

 

رن هاتفي.

 

…

 

اسم المتصل ظهر على الشاشة.

 

…

 

أبويا.

 

…

 

أنا وداليا بصينا لبعض.

 

…

 

واضح إنه عرف.

 

…

 

رديت.

 

…

 

وجالي صوته فورًا.

 

“إنتِ فين؟”

 

…

 

قلت بهدوء:

 

“خير؟”

 

…

 

قال:

 

“إنتِ مع داليا؟”

 

…

 

سكت.

 

…

 

فأكمل بسرعة:

 

“سيبوا اللي في إيديكم وتعالوا البيت.”

 

…

 

نبرة صوته ما كانتش طلب.

 

كانت أمر.

 

…

 

لكن لأول مرة في حياتي.

 

الأمر ده ما كانش ليه أي تأثير.

 

…

 

قلت:

 

“ليه؟”

 

…

 

سكت ثانية.

 

ثم قال:

 

“علشان فيه حاجات إنتوا مش فاهمينها.”

 

…

 

ضحكت.

 

…

 

وقلت:

 

“بقالنا سنين ما بنفهمش.”

 

“يمكن جه وقت نفهم.”

 

…

 

وأقفلت الخط.

 

…

 

بعد ساعة.

 

كنا أنا وداليا داخلين البيت.

 

أول مرة أرجع بعد أربع سنين.

 

…

 

كل حاجة كانت زي ما هي.

 

…

 

نفس الصور.

 

نفس الأثاث.

 

نفس السجادة.

 

…

 

لكن الإحساس مختلف.

 

…

 

زمان كنت داخلة البيت كابنة.

 

…

 

دلوقتي داخلة كحد بيدور على الحقيقة.

 

…

 

أبويا كان مستنينا في المكتب.

 

…

 

وأمي قاعدة جنبه.

 

…

 

أول ما دخلنا.

 

شفت التوتر على وشه.

 

…

 

توتر ما شفتوش قبل كده.

 

…

 

حطيت الملف على المكتب.

 

وقلت:

 

“عايز تشرح؟”

 

…

 

بص للأوراق.

 

…

 

ثم أغمض عينيه.

 

…

 

كأنه كان عارف إن اليوم ده هييجي.

 

…

 

وأخيرًا قال:

 

“أيوه.”

 

…

 

أنا وداليا بصينا لبعض.

 

…

 

لأن دي أول مرة يعترف من غير إنكار.

 

…

 

ثم قال:

 

“الفلوس كانت ليكم.”

 

…

 

الصمت نزل على الغرفة.

 

…

 

وأمي بصت له بصدمة.

 

واضح إنها هي كمان ما كانتش تعرف.

 

…

 

أما هو فأكمل:

 

“وجدكم قبل ما يموت.”

 

“باع جزء من أرض كبيرة كانت عنده.”

 

“وعمل صندوق استثماري ليكم.”

 

…

 

قلبي بدأ يدق أسرع.

 

…

 

لأن جدي كان أكتر شخص حنون في حياتي.

 

…

 

وأول شخص آمن بيا.

 

…

 

لكن مات وأنا صغيرة.

 

…

 

أبويا أكمل:

 

“المفروض الفلوس تتقسم بينكم.”

 

…

 

ثم سكت.

 

…

 

وساعتها سألت السؤال اللي مستنية إجابته من سنين.

 

…

 

“إذن ليه؟”

 

…

 

ليه أخدت حقي؟

 

…

 

ليه ساعدت داليا وأنا لا؟

 

…

 

ليه كنت شايفها مستقبل وأنا لا؟

 

…

 

ليه قلتلي إني ما استاهلش؟

 

…

 

لأول مرة.

 

نزلت عينيه للأرض.

 

…

 

وقال بصوت منخفض:

 

“لأني كنت غلط.”

 

…

 

الجملة وقعت غريبة.

 

…

 

لأن عمري ما سمعته يقولها.

 

…

 

ولا مرة.

 

…

 

ثم رفع رأسه.

 

…

 

لكن اللي قاله بعدها كان أغرب.

 

…

 

قال:

 

“أنا ما كنتش بفضل داليا عليكي.”

 

…

 

“أنا كنت بخاف منك.”

 

…

 

أنا وداليا وأمي اتجمدنا.

 

…

 

قلت:

 

“بتخاف مني؟”

 

…

 

هز رأسه ببطء.

 

…

 

وقال:

 

“لأنك من يوم ما كنتِ طفلة.”

 

“كنتي أقوى مني.”

 

…

 

“وأذكى مني.”

 

…

 

“وكل ما أكبر.”

 

“كنت أشوف فيكي حاجات أنا عمري ما قدرت أعملها.”

 

…

 

سكت.

 

…

 

ثم أكمل:

 

“وكنت بغلط.”

 

…

 

“كل ما أنجح في حاجة.”

 

“كنت أخاف تنجحي أكتر.”

 

…

 

“كل ما تكبري.”

 

“كنت أحس إني بصغر.”

 

…

 

وأخيرًا.

 

قال الجملة التي لم يتوقعها أحد.

 

…

 

“أنا ما ظلمتكيش علشان ما بحبكيش.”

 

…

 

“أنا ظلمتكي لأن عندي غيرة منك.”

 

…

 

وفجأة.

 

بدأت أمي تبكي.

 

…

 

أما داليا فجلست مصدومة.

 

…

 

وأنا؟

 

…

 

أنا لأول مرة في حياتي.

 

فهمت إن بعض الجروح مش سببها الكراهية.

 

…

 

سببها ضعف أصحابها.

 

…

 

لكن الحقيقة الكاملة لسه ما ظهرتش.

 

…

 

لأن أمي فجأة وقفت.

 

…

 

وبصت لأبويا.

 

…

 

وقالت:

 

“يبقى قولهم الحقيقة كلها.”

 

…

 

وجه أبويا شحب.

 

…

 

أما أنا فشعرت أن في سر أكبر.

 

سر أخفاه حتى الآن.

 

…

 

ثم قالت أمي:

 

“قولهم مين صاحب الفيلا اللي وقفت داليا قدامها النهارده أصلًا.”

 

…

 

الصمت ملأ الغرفة.

 

…

 

وأبويا أغلق عينيه.

 

…

 

لأن السر الذي أخفاه سنوات طويلة…

 

كان أخطر من الفلوس كلها.

 

يتبع…

الفصل الخامس

 

الغرفة كلها سكتت.

 

حتى صوت الساعة اللي على الحائط كان مسموع.

 

…

 

أمي كانت واقفة.

 

وعينيها ثابتة على أبويا.

 

…

 

أما هو.

 

فكان باصص للأرض.

 

كأنه بيحارب حاجة جواه.

 

…

 

قلت بهدوء:

 

“إيه الحقيقة؟”

 

…

 

محدش رد.

 

…

 

فكررت السؤال.

 

“إيه اللي تعرفوه وأنا ما أعرفوش؟”

 

…

 

أمي مسحت دموعها.

 

وقالت:

 

“سارة…”

 

“الفيلا اللي اشتريتيها.”

 

“ما كانتش أول مرة اسمك يرتبط بيها.”

 

…

 

اتجمدت.

 

…

 

قلت:

 

“يعني إيه؟”

 

…

 

بصت لأبويا.

 

ثم قالت:

 

“احكيلهم.”

 

…

 

أبويا أخيرًا رفع رأسه.

 

…

 

وقال بصوت متعب:

 

“فاكرة جدك؟”

 

…

 

ابتسمت بحزن.

 

“طبعًا.”

 

…

 

قال:

 

“جدك كان بيحبك بشكل مختلف.”

 

…

 

ضحكت.

 

“دي أعرفها.”

 

…

 

قال:

 

“لا.”

 

“في حاجة ما تعرفيهاش.”

 

…

 

ثم فتح درج المكتب.

 

…

 

وأخرج ملفًا قديمًا جدًا.

 

…

 

ملف أصفر.

 

أطرافه مهترئة.

 

…

 

ووضعه أمامي.

 

…

 

فتحت الملف.

 

…

 

وكان أول شيء شفته.

 

وصية.

 

…

 

وصية جدي.

 

…

 

يدي بدأت ترتعش.

 

…

 

وبدأت أقرأ.

 

…

 

في البداية كانت وصية عادية.

 

أملاك.

 

أراضٍ.

 

استثمارات.

 

…

 

لكن في الصفحة الأخيرة.

 

…

 

كان فيه بند مكتوب بخط مختلف.

 

…

 

“تؤول ملكية شركة الشاذلي للتطوير العقاري إلى حفيدتي سارة عند بلوغها الثلاثين عامًا إذا أثبتت قدرتها على الاعتماد على نفسها.”

 

…

 

شهقت.

 

…

 

داليا شهقت.

 

…

 

حتى أمي بدأت تبكي من جديد.

 

…

 

أما أنا ففضلت أعيد قراءة السطر.

 

مرة.

 

واثنين.

 

وثلاثة.

 

…

 

شركة الشاذلي للتطوير العقاري.

 

…

 

واحدة من أكبر الشركات اللي جدي أسسها.

 

…

 

الشركة اللي كنت فاكرة إن أبويا ورثها بالكامل.

 

…

 

رفعت رأسي بسرعة.

 

…

 

وقلت:

 

“إيه ده؟”

 

…

 

أبويا قال:

 

“الحقيقة.”

 

…

 

ثم أكمل:

 

“الشركة كانت باسمك من زمان.”

 

…

 

“لكن جدك اشترط شرط واحد.”

 

…

 

“إنك توصلي لوحدك.”

 

…

 

ما قدرتش أتكلم.

 

…

 

لأن كل حاجة بدأت تتركب قدام عيني.

 

…

 

ليه جدي كان دايمًا يشجعني.

 

…

 

ليه كان بيقولي وأنا صغيرة:

 

“اعملي اسمك بنفسك.”

 

…

 

ليه كان مختلف.

 

…

 

لكن السؤال الأهم كان لسه موجود.

 

…

 

قلت:

 

“وأنت ليه ما قلتليش؟”

 

…

 

هنا سكت.

 

…

 

ثم قال:

 

“في الأول علشان الوصية.”

 

…

 

“وبعدين علشان نفسي.”

 

…

 

ضحك بمرارة.

 

…

 

وقال:

 

“كل سنة كنت أقول هقولك السنة الجاية.”

 

…

 

“ولما الشركة كبرت.”

 

…

 

“خفت.”

 

…

 

“خفت أخسرك.”

 

…

 

“وخفت أخسر السلطة.”

 

…

 

“وخفت أخسر المكان اللي أنا فيه.”

 

…

 

أول مرة في حياتي أشوفه بالشكل ده.

 

…

 

راجل مكسور.

 

…

 

مش متسلط.

 

…

 

مش متحكم.

 

…

 

مجرد إنسان أخطأ.

 

وأخطأ كثيرًا.

 

…

 

داليا كانت ساكتة.

 

…

 

ثم قالت فجأة:

 

“يعني سارة ما خدتش حاجة منكم أصلًا؟”

 

…

 

أبويا هز رأسه.

 

…

 

“ولا جنيه.”

 

…

 

“كل اللي عملته بنفسها.”

 

…

 

داليا بدأت تبكي.

 

…

 

وقالت:

 

“وأنا طول عمري فاكرة إني أحسن منها.”

 

…

 

نظرت لها.

 

…

 

لأول مرة.

 

ما كانش فيه غضب.

 

…

 

ولا غيرة.

 

…

 

ولا وجع.

 

…

 

كان فيه حزن فقط.

 

…

 

على سنين ضاعت.

 

…

 

بسبب مقارنة ما كانش ليها أي معنى.

 

…

 

وفجأة.

 

مدت داليا يدها.

 

…

 

ومسكت إيدي.

 

…

 

وقالت:

 

“أنا آسفة.”

 

…

 

كانت أول مرة تعتذر لي.

 

…

 

وأول مرة أحس إنها أختي فعلًا.

 

…

 

مش منافستي.

 

…

 

ولا المفضلة.

 

…

 

أختي.

 

…

 

بعد أسابيع.

 

…

 

تم تنفيذ الوصية رسميًا.

 

…

 

وأصبحت الشركة باسمي.

 

…

 

لكن أول قرار أخدته.

 

كان مفاجأة للجميع.

 

…

 

رفضت طرد أبويا.

 

…

 

ورفضت الانتقام.

 

…

 

ورفضت حتى أحرجه.

 

…

 

بل عينته مستشارًا فقط.

 

…

 

بعقد واضح.

 

وصلاحيات محددة.

 

…

 

لأنه لازم يتحمل نتيجة أفعاله.

 

لكن من غير إذلال.

 

…

 

أما أمي.

 

فبدأت تحاول تصلح السنين اللي ضاعت.

 

…

 

وأما داليا.

 

فرفضت أي تمويل جديد.

 

…

 

وأصرت تبدأ مشروع صغير جدًا من الصفر.

 

…

 

وقالت جملة عمري ما هنساها:

 

“نفسي أعرف شعور سارة وهي بتبني حاجة بإيديها.”

 

…

 

بعد شهور.

 

…

 

كنت واقفة في الدور التاني من الفيلا.

 

…

 

نفس الشباك.

 

…

 

نفس المكان.

 

…

 

وشفت عربية داليا تقف قدام البوابة.

 

…

 

لكن المرة دي ما كانتش بتعيط.

 

…

 

نزلت من العربية.

 

…

 

وبصت للفيلا.

 

…

 

ثم رفعت رأسها ناحيتي.

 

…

 

ولوحت بإيدها وهي بتضحك.

 

…

 

ونزلت من العربية تحمل أول مجموعة تصميمات صنعتها بنفسها.

 

…

 

ومن غير ملايين.

 

…

 

ومن غير واسطة.

 

…

 

ومن غير حد يشيلها على كتفه.

 

…

 

وفي اللحظة دي.

 

فهمت حاجة مهمة.

 

…

 

أكبر انتصار في حياتي ما كانش الفيلا.

 

…

 

ولا الشركة.

 

…

 

ولا الثروة.

 

…

 

أكبر انتصار…

 

إني ما بقيتش محتاجة أثبت لأي حد إني أستحق.

 

…

 

لأن قيمتي عمرها ما كانت محتاجة موافقة أحد.

 

…

 

حتى لو كان أبي نفسه.

 

تمت ❤️

 

حكـايـات أسمـا السـيد ✨

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *