فستان تخرج حكايات اسما

ابويا حول فستان فرح أمي المـ,ـتـ,ـو.فية لفستان حفلة تخرجي لكن مدرسة في المدرسة سـ,ـخرت مني قدام الكل. لكن بعد دقائق، دخل ظابط شرطة القاعة… واللي قاله لها خلى لون وشها يختفي تمامًا…

_______

بعد ما ماتت أمي بالسرطان وأنا عندي خمس سنين، بقينا أنا وأبويا لوحدنا في الدنيا.

ماكناش أغنيا أبدًا. أبويا عم حسن كان سباك بسيط، بيشتغل ليل نهار ويقبل أي شغل إضافي علشان يوفرلي كل اللي أحتاجه.

ولما قرب حفل التخرج في المدرسة، البنات بقوا يتكلموا عن الفساتين الجديدة والماركات والكوافيرات… وأنا كنت عارفة إن ده مستحيل بالنسبة لينا.

أقصى أحلامي كان فستان مستعمل أو حاجة مستأجرة.

لكن أبويا بصلي بثقة وقال: سيبي الموضوع عليا يا نور.

كل ليلة لمدة شهر تقريبًا، كان يقعد في الصالة بعد ما أخلص مذاكرة، يخيط بهدوء وكأنه بيخبي سر كبير.

ولما خلص… ناداني…طلعلي فستان خلاني أعيط أول ما شوفته.

كان فستان رقيق بلون أوف وايت، مطرز بورود زرقا صغيرة، وكل غرزة فيه معمولِة بحب.

أبويا كان حول فستان فرح أمي لفستان حفلة تخرجي.

وقتها قال بصوت مكسور: امك كانت نفسها تشوفك في اليوم ده… فخلي جزء منها يبقى معاكي…روحت الحفلة وأنا حاسة إن أمي فعلاً جنبي.

أول ما دخلت القاعة، الناس بصتلي بإعجاب… لأول مرة حسيت إني مميزة.

لكن في نص القاعة ظهرت مدرسة اللغة الإنجليزية الأستاذة سامية..

الست دي عمرها ما حبتني… كانت دايمًا تنتقد لبسي ودرجاتي وحتى طريقة كلامي.

بصتلي من فوق لتحت وقالت بسخرية قدام الكل: إيه الخيشه اللي انتي لابساها دي؟ وإنتي فاكرة نفسك هتدخلي مسابقة ملكة الحفل بالفستان ده؟

اتجمدت مكاني.

ضحكتها كانت عالية، وبعض الطلبة بدأوا يهمسوا ويبصوا عليا.

حسيت بالإهانة… وكنت على وشك أعيط.وفجأة…باب القاعة اتفتح.

ودخل ظابط شرطة..القاعة كلها سكتت.

الظابط مشي بخطوات ثابتة لحد ما وقف قدام الأستاذة سامية وقال:

لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد.”

رجعت الأستاذة سامية خطوة لورا وهي بتحاول تتماسك قدام الطلبة، لكن ارتباكها كان واضح في عينيها بطريقة عمرنا ما شوفناها قبل كده. الست اللي كانت دايمًا تتكلم بثقة وتكسر أي طالب بكلمة، وقفت فجأة كأن الأرض بتسحبها لتحت. الضابط كرر بهدوء حازم: “حضرتك لازم تيجي معانا حالًا.”

كل العيون كانت عليها.

القاعة اللي من ثواني كانت مليانة ضحك ومزيكا بقت ساكتة بشكل مخيف.

أنا نفسي نسيت إحراجي للحظة وأنا ببص عليها. جزء جوايا كان فرحان… وجزء تاني كان مصدوم إن اللي بيحصل حقيقي.

الأستاذة سامية حاولت تضحك ضحكة باهتة وقالت: “أكيد في سوء تفاهم.”

لكن الضابط فتح ملف صغير بإيده وقال: “التحقيقات أثبتت إن في تحويلات مالية من أولياء أمور مقابل تسريب الامتحانات النهائية، وفي تسجيلات كمان.”

واحدة من البنات شهقت بصوت عالي.

ولد من آخر القاعة همس: “معقول؟”

وفجأة الناس بدأت تبعد عنها بنفس الطريقة اللي كانت الناس بتبعد بيها عن أي حد هي تختاره للسخرية.

حسيت بحاجة غريبة وقتها… مش شفقة… لكن إحساس إن الدنيا فعلًا بتلف.

الأستاذة سامية بصت حوالين القاعة وكأنها بتدور على أي حد ينقذها، لكن محدش اتحرك.

ولا حتى المدرسين.

كانت لوحدها.

ولأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عيونها.

قبل ما تمشي، بصتلي بنظرة مليانة كراهية وقالت: “متفرحيش أوي… الناس أمثالكم عمرهم ما بيبقوا حاجة.”

الكلمات جرحتني للحظة، لكن قبل ما أتكلم، سمعت صوت أبويا من بعيد: “البني آدم بأصله… مش بفلوسه.”

كل الناس بصت ناحية الباب.

أبويا كان واقف هناك متوتر، واضح إنه دخل بعد ما سمع الصوت العالي. كان لابس بدلته القديمة اللي بيطلعها في المناسبات المهمة، البدلة اللي رغم إنها بسيطة لكنها متكوية بعناية.

إيده كانت خشنة ومتشققة من الشغل، لكن عينيه كانوا مليانين فخر.

الأستاذة سامية ضحكت بسخرية وقالت: “آه طبعًا… السباك جه يدافع عن بنته.”

ساعتها حصل اللي عمري ما هنساه.

الضابط لف ناحيتها وقال بحدة: “احترمي نفسك. الراجل ده أشرف من ناس كتير معاهم شهادات.”

سكتت تمامًا.

الطلبة بقوا يبصوا لأبويا بطريقة مختلفة… مش الراجل البسيط اللي بييجي ياخد بنته بعربيته القديمة… لكن أب ضحى بكل حاجة علشان بنت واحدة.

الضابط أخد الأستاذة سامية وخرج بيها من القاعة وسط صـ,ـدمة الكل.

وأول ما الباب اتقفل، ساد صمت غـ,ـريب.

بعدها فجأة بنت من البنات بدأت تسقف.

وبعدها واحدة تانية.

وفجأة القاعة كلها انفجرت تصفيق.

مش للأستاذة وهي ماشية…

ليا.

حسيت دموعي بتنزل وأنا واقفة مكاني.

أبويا قرب مني ببطء وقال: “متعيطيش يا نور… النهارده أمك فخورة بيكي.”

حضنته وسط القاعة، ومكنتش فارقة معايا الميكب اللي باظ ولا الناس اللي بتتفرج.

لأول مرة من سنين حسيت إني مش أقل من حد.

بعد شوية، منظم الحفل أعلن بداية مسابقة ملك وملكة الحفل. كنت ناوية أرفض أصلًا بعد اللي حصل، لكن صاحبتي مريم شدت إيدي وقالت: “لا… هتدخلي.”

قلت بتوتر: “مستحيل أكسب.”

ضحكت وقالت: “إنتي كسبتي من قبل ما المسابقة تبدأ.”

دخلت وأنا قلبي بيرتعش.

البنات حواليا كانوا لابسين أفخم الفساتين، شعرهم متظبط، وكل حاجة فيهم كاملة… لكن لأول مرة ماحسيتش بالنقص.

لأن فستاني كان فيه روح أمي.

وكان معمول بحب.

بدأ التصويت، والناس تكتب أسماء على ورق صغير.

وأنا واقفة، افتكرت كل ليلة شفت فيها أبويا نايم على الكنبة من التعب بعد الشغل، وكل مرة كان يقول إنه كويس رغم إنه كان مرهق.

افتكرت لما كنت صغيرة وأصحابي يسألوني: “فين مامتك؟”

وأرجع البيت أعيط.

وافتكرت أبويا وهو بيتعلم يسرح شعري من فيديوهات على يوتيوب علشان ماحسش إني ناقصني أم.

كان بيحرق الأكل أحيانًا.

وكان ينسى مواعيد المدرسة أحيانًا.

لكن عمره ما نسيني أنا.

وفجأة سمعت اسمي في السماعات.

“ملكة الحفل لهذه السنة… نور حسن!”

القاعة انفجرت تصفيق تاني.

حطوا التاج فوق راسي، لكني بصيت مباشرة على أبويا.

كان بيعيط.

أول مرة أشوفه بيعيط بالشكل ده.

الراجل اللي استحمل موت مراته، والشغل المضاعف، وتربية بنت لوحده… كان واقف يعيط وسط الناس بدون خجل.

قربت منه وأنا ماسكة التاج وحطيته فوق راسه أنا.

الناس ضحكت وصفقت.

قلت وأنا بعيط: “الملك الحقيقي هنا.”

حتى المدرسين اللي كانوا بيتجاهلوه طول السنين، قربوا يسلموا عليه.

مديرة المدرسة قالتله: “حضرتك ربيت بنت محترمة فعلًا.”

ابتسم بخجل وقال: “أنا بس حاولت أعوضها.”

بعد الحفلة، وأنا راجعة معاه بالعربية القديمة، كنت حاسة إن الدنيا أخف.

شغل الكاسيت القديم اللي دايمًا يسمعه، وكانت أغنية بتحبها أمي شغالة.

بصلي وهو سايق وقال: “مبسوطه؟”

ضحكت وسط دموعي: “أوي.”

سكت شوية، وبعدين قال: “عارفة… أمك كانت بتخيط برضه.”

بصيتله بسرعة.

قال بابتسامة صغيرة: “أنا اتعلمت منها علشان كده قدرت أعمل الفستان.”

حسيت قلبي وجعني ودفاني في نفس اللحظة.

سألته: “لسه بتفتكرها كل يوم؟”

رد بدون تردد: “كل دقيقة.”

بعدين ضحك بخفة وقال: “بس هي كانت أقوى مني… كانت تعرف تعمل الأكمام أحسن.”

ضحكت لأول مرة من قلبي.

لما وصلنا البيت، لقيت باقة ورد صغيرة قدام الباب.

كان عليها كارت مكتوب فيه: “الفستان كان الأجمل الليلة… لأن اللي عمله أب عظيم.”

مفيش اسم.

لكن دموعي نزلت تاني.

بعد أيام، قصة الأستاذة سامية بقت حديث المدرسة كلها. اتوقفت عن العمل، والتحقيقات كبرت أكتر مما الناس كانت متخيلة.

لكن الغريب إن كل ده ما بقاش أهم حاجة بالنسبالي.

الأهم كان حاجة تانية.

في الأسبوع اللي بعد الحفلة، الجامعة اللي كنت بحلم أدخلها بعتتلي جواب قبول… ومعاه منحة جزئية.

كنت فرحانة جدًا، لكن لما شفت قيمة المصاريف المتبقية، قلبي وقع.

عارفة إن أبويا مستحيل يقدر عليها.

خبّيت الورق يومين كاملين.

لكن طبعًا عرف.

أبويا كان دايمًا يعرف وأنا زعلانة حتى لو بابتسم.

دخل أوضتي بالليل وقال: “وريني الجواب.”

ناولتهوله وأنا متوترة.

قرأه بهدوء، وبعدين قال: “هتدخلي الجامعة دي.”

قلت بسرعة: “لا يا بابا… غالية جدًا.”

رد بحزم: “قولت هتدخليها.”

صرخت بدون قصد: “بأي فلوس؟! إنت أصلًا بتتعب كل يوم علشاني!”

سكت شوية.

وبعدين فتح إيده.

كان فيها خاتم دهب بسيط.

عرفته فورًا.

دبلة جوازه من أمي.

قال بهدوء: “في حاجات بتتباع علشان أحلام أهم.”

صرخت: “لا! مستحيل!”

لكنه ابتسم: “أمك لو كانت هنا كانت هتعمل أكتر من كده.”

عيطت وقتها بشكل هستيري.

لأن الحقيقة اللي كنت بهرب منها طول عمري ظهرت قدامي مرة واحدة…

أبويا ضحى بكل حاجة حرفيًا علشاني.

مش بس راحته.

ولا شبابه.

حتى ذكرياته.

في اليوم اللي باع فيه الدبلة، رجع البيت متأخر.

حاول يبان طبيعي، لكنه كان ساكت زيادة عن اللزوم.

وأنا وقتها أخدت قرار.

بدأت أشتغل بعد المدرسة في مكتبة صغيرة. كنت برجع تعبانة، لكن كل ما أشوف إيده المتشققة، أقول لنفسي إن تعبي ولا حاجة.

أوقات كان يصحى الفجر يروح شغل، وأصحى أنا بعدها بساعة أروح المكتبة قبل الدراسة.

كنا بنتعب… لكن لأول مرة حسيت إننا فريق حقيقي.

وفي يوم، صاحبة المكتبة سألتني عن الفستان اللي لبسته في الحفل بعد ما شافت صورتي على الإنترنت.

اتضح إن حد صور اللحظة اللي حطيت فيها التاج على راس أبويا ونشرها.

الصورة انتشرت بشكل ضخم.

ناس كتير كتبوا تعليقات عن الأب العظيم والفستان المصنوع من فستان أم متوفية.

وفي خلال أسبوع، حصل شيء عمرنا ما توقعناه.

مصممة أزياء مشهورة بعتتلي رسالة.

كانت عايزة تقابل أبويا.

افتكرنا في الأول إنها مزحة.

لكنها كانت حقيقية.

روحنا مكتبها، وكانت ست أنيقة جدًا اسمها “ليلى الشافعي”.

بصت للفستان بانبهار وقالت: “اللي عمل ده عنده موهبة حقيقية.”

أبويا اتوتر وقال: “أنا مجرد سباك.”

ابتسمت وقالت: “وأنا شايفة فنان.”

عرضت عليه يشتغل معاها في قسم التفصيل اليدوي في مشغلها.

أبويا ضحك بإحراج وقال: “أنا كبير على الكلام ده.”

لكنها ردت: “الموهبة ملهاش سن.”

وأنا وقتها حسيت إن ربنا أخيرًا بيجازيه.

بعد شهور، حياتنا بدأت تتغير بهدوء.

مش بقينا أغنيا فجأة.

لكن بقينا مرتاحين.

أبويا بقى يشتغل في المشغل يومين في الأسبوع جنب شغله الأساسي، وكل مرة يرجع البيت يحكيلي بحماس عن القماش والتطريز كأنه طفل صغير اكتشف حلمه متأخر.

وفي يوم، لقيته قاعد لوحده ماسك صورة أمي.

قال بصوت هادي: “تفتكري كانت هتبقى فخورة بيا؟”

ابتسمت وسط دموعي وقلت: “هي أكيد اللي بعتتلك كل ده.”

ضحك وهو بيبص للصورة: “وحشتيني يا سعاد.”

خرجت من الأوضة وقتها وسيبته لوحده، لأن بعض الحب بيبقى أعمق من أي كلام.

وفي أول يوم ليا في الجامعة، صحيت لقيت فستاني متغلف بعناية فوق السرير.

وعليه ورقة صغيرة بخط أبويا: “مهما تكبري… هتفضلي أجمل حاجة عملتها في حياتي.”

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *