سجين الاعصار حكـايـات أسمـا ×3
ليلى خرجت من باب المطبخ وهي حاسة إن رجليها شايلة جبل مش جسمها. كل اللي اتقال في اللحظات اللي فاتت كان باين كأنه انتصار، كأنه نهاية عادلة لقصة بدأت بالدم وانتهت بالقيود، لكن الحقيقة إن جواها كان في شيء بيتكسر ببطء. خمسة عشر سنة وهي بتتخيل اللحظة دي. خمسة عشر سنة وهي بتصحى من النوم على صوت أبوها وهو بيناديها باسمها، على ريحة الدخان، على صورة العربية المحروقة اللي فضلت محفورة في دماغها رغم إنهم منعوها يومها تشوف الج*ثة. كانت طفلة وقتها، واقفة في طرقة المستشفى، ماسكة جاكيت أبوها العسكري بين إيديها، ومستنية حد يخرج يقول لها إن كل ده كابوس وإن العقيد مراد راجع. لكن محدش خرج. اللي خرج كان ضابط شاب عيناه حمرا من قلة النوم، قال لأمها جملة واحدة، جملة خلّت البيت كله ينهار من غير صوت: “البقاء لله.” من يومها، ليلى ماعيطتش كتير قدام حد. العياط كان بيطلع منها بالليل بس، لما الباب يتقفل والنور يطفي، لكن قدام الناس كانت بتكبر بسرعة مفزعة. أمها كانت تقول لها: “إنتِ بنت مراد، لازم تبقي قوية.” وهي صدقت الجملة لدرجة إنها نسيت إنها إنسانة من حقها تتعب. دخلت كلية الشرطة، وبعدها اختارت الطريق الأصعب، طريق الظل، الملفات السرية، الأسماء المزيفة، المهام اللي مالهاش صور ولا تكريم. كل خطوة كانت بتقربها من اسم واحد: شريف الوحش. وكل مرة الملف يتقفل، كانت تفتحه من جديد. وكل مرة حد يقول لها “انسي”، كانت تحفر أعمق. لأن اللي مات ماكانش مجرد أب. كان رجلًا نظيفًا دفع حياته ثمن إنه قال “لأ” في بلد مليانة ناس بتعيش وهي بتقول “حاضر” للخوف. وهي دلوقتي، بعد ما شافت قاتله مكسور على الأرض، اكتشفت إن الانتقام مابيرجعش الميت. مابيرجعش ضحكة أبوها وهو داخل عليها بعلبة كشري وهو بيقول لها: “أوعى تقولي لماما إني جبتلك أكل من بره.” مابيرجعش صوته وهو بيفهمها واجب الحساب على ترابيزة السفرة. مابيرجعش ريحة البرفان الخفيف اللي كان بيفضل في الطرقة بعد ما ينزل شغله. كل اللي عمله الانتقام إنه فتح الباب للوجع كله مرة واحدة.
اللواء كان ماشي جنبها في الممر الطويل المؤدي لمكتب مأمور السجن. أصوات السجن وراهم بدأت ترجع بالتدريج، صرخات بعيدة، مفاتيح بتخبط في الحديد، خطوات عساكر، أوامر مقتضبة، لكن في ودن ليلى كل الأصوات كانت مكتومة. اللواء بص لها بطرف عينه وقال بهدوء: “إنتِ اتصرفتي بتهور لما سيبتيه يمد إيده عليكِ.” ابتسمت ابتسامة صغيرة من غير ما تبصله وقالت: “لو ما عملش كده، ماكانش هينهار.” قال: “كان ممكن يأذيكي أكتر.” وقفت فجأة في نص الممر وبصتله. وشها كان هادي، لكن عينيها كانت فيها حاجة تعبت من السنين. “يا فندم، هو أذاني من خمسة عشر سنة. القلم ده كان أقل حاجة عملها فيا.” اللواء سكت. لأنه كان يعرف إن في جروح ماينفعش تتحاسب بالمنطق. كملوا مشي لحد ما دخلوا مكتب المأمور، وهناك كانت الشاشات مفتوحة على تسجيلات الكاميرات، والضباط قاعدين حوالين ترابيزة كبيرة، والوجوه كلها متوترة. على شاشة منهم كان شريف الوحش ظاهر وهو متكتف في غرفة تحقيق صغيرة، راسه واطية، إيده المتكسرة متربطة، والعرق مغرق وشه. منظره كان غريب. السجن كله كان يعرفه كوحش، لكن الكاميرا كانت كاشفة حقيقته دلوقتي: رجل مرعوب من ماضيه. واحد بنى أسطورته على خوف الناس، فلما اتسحب منه الخوف، ما فضلش منه غير جسد ضخم وروح خاوية.
المأمور قال بقلق: “يا فندم، المساجين كلهم عرفوا. الخبر انتشر في العنابر بسرعة. في ناس بتقول إن شريف انتهى، وفي ناس تانية ممكن تستغل ده وتولع السجن.” اللواء بص للشاشات وقال: “خلي التعزيزات جاهزة. محدش يتحرك غير بأوامر.” ثم التفت لليلى: “إحنا محتاجين اعترافه الليلة قبل ما محاميينه يعرفوا إن الشبكة وقعت.” ليلى هزت رأسها. “هيدّيكم كل حاجة.” أحد الضباط قال بتشكك: “إزاي واثقة؟ ده راجل بلطجي، وممكن يفضل ساكت.” ليلى بصت للشاشة، لشريف تحديدًا، وقالت بصوت ثابت: “البلطجي بيصمد قدام الألم، لكن مايصمدش قدام الحقيقة اللي دفنها ورجعت له. شريف ماخافش مني علشان أنا قوية. خاف علشان أنا دليل إنه فشل يمسح الماضي.” محدش رد. كلامها كان قاسي لكنه صحيح.
بعد دقائق، دخلت غرفة التحقيق. كانت غرفة ضيقة، حيطانها لونها رمادي باهت، ترابيزة حديد في النص، كرسيين، وكاميرا في الركن. شريف كان قاعد والكلبش في إيده السليمة مربوط بحلقة معدنية في الترابيزة. لما الباب اتفتح وشفها داخلة، جسمه اتشنج رغم إنه حاول يخبي. ليلى قعدت قدامه بهدوء. ماكانتش لابسة يونيفورم الطباخة دلوقتي، كانوا جابولها جاكيت أسود بسيط تغطي بيه دراعها المحروق، لكن أثر القلم كان لسه واضح على خدها. شريف بص للعلامة الحمرا على وشها، وبعدين بص للأرض. قالت له: “غريبة، صح؟ أنت ضربت ناس كتير في حياتك، بس أول مرة ضربة ترجع تكسرك إنت.” شريف ضغط على سنانه وقال بصوت مبحوح: “إنتِ مش هتاخدي مني حاجة.” قالت بهدوء: “أنا خدت منك أهم حاجة من بدري. خدت صورتك قدام نفسك.” رفع عينه ليها بغضب، لكن الغضب كان متكسر. “أنا مش خايف منك.” ابتسمت وقالت: “عارفة. إنت خايف من أبويا.” الكلمة نزلت عليه كالسوط. شد جسمه وقال: “أبوك كان غبي. دخل في طريق أكبر منه.” ليلى ملامحها ما اتغيرتش. “احكي.” ضحك بسخرية ضعيفة: “عايزة تسمعي إيه؟ إن أبوكي كان ملاك؟ مافيش ملايكة في الشغل ده.” ليلى قربت بجسمها للأمام، عينيها ثابتة في عينيه. “أنا مش جاية أسمع منك مديح. أنا جاية أسمع أسماء. مين أمرك؟ مين كان بيمول الس*لاح؟ مين فتح لكم الطريق ليلة الكمين؟ ومين من جوه الجهاز كان بيسرب لكم تحركاته؟” شريف سكت فجأة.
السؤال الأخير كان السهم الحقيقي. وشه فضحه للحظة واحدة، لكن ليلى شافتها. قالت: “أيوه. أنا عارفة إن أبويا ما ماتش بس بإيدك. كان في حد من جوه. حد باعه.” شريف بص ناحية الكاميرا، وبعدين رجع بص لها وقال: “لو قلت، هموت.” ليلى قالت: “إنت ميت من زمان يا شريف. بس الفرق إنك لسه بتتنفس.” اتنفس بسرعة، والعرق زاد على جبينه. “إنتِ فاكرة إنهم هيسيبوني؟ الناس دي توصل لأي حد.” قالت: “الناس دي اتقبض على معظمها النهارده.” ضحك ضحكة قصيرة متوترة. “معظمها؟ يبقى لسه في حد بره.” ليلى سكتت لحظة. هو لمح السكوت فابتسم، وكأنه مسك أول خيط قوة. قال: “مش كده؟ لسه في حد كبير. حد أنتم نفسكم خايفين تقربوا منه.” ليلى ما ردتش. لكن جواها، قلبها دق بعنف. لأن كلامه أكد الشك اللي كان بيراودها من شهور. الشبكة اللي كان شريف بيديرها من السجن ماكانتش كلها تجار س*لاح وبلطجية. كان في عقل أعلى. اسم مخفي. شخص بيحرك كل الأطراف من بعيد. والمرعب إن بعض الخيوط كانت بتقرب من ناس لهم حصانة ومناصب وأبواب مقفولة.
شريف مال ناحيتها وقال بصوت منخفض: “أنا ممكن أديكي أسماء صغيرة، رجالة بره، مخازن، عربيات، خطوط تهريب… لكن الاسم الكبير؟ ده لو طلع، مش أنا بس اللي هموت. إنتِ كمان.” ليلى قالت: “خايف عليا؟” قال وهو يضحك بمرارة: “لا. بس نفسي أشوفك وإنتِ بتكتشفي إن أبوكي مات علشان كان فاكر نفسه بيحارب عصابة، وهو كان بيحارب دولة جوه الدولة.” الجملة خلت الهواء يتقل. ليلى حسّت ببرودة في ضهرها، لكنها ما سمحتش لوشها يبان عليه أي تأثر. قالت: “اسم.” شريف هز راسه. “ضمان.” قالت: “مفيش ضمان لقاتل.” قال: “يبقى مفيش اسم.” قامت من مكانها بهدوء كأنها هتمشي. شريف اتوتر. “رايحة فين؟” قالت من غير ما تبصله: “أسيبك لهم.” قال بسرعة: “لمين؟” فتحت الباب نص فتحة، ووقفت. “للمساجين اللي عرفوا إنك وقعت. خبرك وانت بتصرخ وصل كل العنابر. دلوقتي كل واحد إنت كسرته مستني يعرف هتتحط فين.” وش شريف اتغير. الرجالة اللي كان بيخوفهم سنين بقوا فجأة كوابيسه. قال بصوت مخنوق: “إنتِ مش هتعملي كده.” التفتت له وقالت: “القانون على الكل، فاكر؟ بس السجن مكان غريب. ساعات الباب بيتأخر في القفل. ساعات العسكري مايسمعش النداء. ساعات النور يقطع.” كان واضح إنها مش بتقول تهديد مباشر، لكنها حطت الخوف قدامه زي مرآة. شريف بلع ريقه. “إنتِ زيهم.” قالت: “لأ. أنا أسوأ بالنسبة لك. لأنهم عايزين دمك. أنا عايزة الحقيقة.”
رجعت وقعدت. مرّت ثواني طويلة. شريف كان بيصارع نفسه. لأول مرة، ماكانش السؤال: هل يعترف؟ كان السؤال: مين يخاف منه أكتر؟ الناس اللي بره ولا اللي واقفة قدامه ومعاها شبح مراد؟ أخيرًا قال بصوت واطي: “في خزنة.” ليلى ما رمشتش. قال: “في بيت قديم في حلوان. شارع جانبي جنب مصنع مهجور. الخزنة فيها نسخ من حسابات قديمة وأسماء وأرقام. أنا كنت مأمن نفسي. لو حد فيهم قرر يخلص عليا.” قالت: “المفتاح؟” قال: “مش مفتاح. كود.” وسكت. ليلى قالت: “كمل.” قال: “تاريخ موت أبوكي.” للحظة، شيء حاد عدى في عين ليلى. شريف لاحظه، وابتسم ابتسامة مريضة كأنه حاول يوجعها بآخر س*لاح عنده. “كنت فاكره تاريخ نهايته، لكنه كان تاريخ تأميني أنا.” ليلى قامت فجأة وقربت منه. ظن إنها هتضربه، لكنه تفاجأ إنها انحنت ووشها قريب من وشه وقالت بهدوء مرعب: “إنت استخدمت يوم موت أبويا علشان تحفظ فلوسك القذرة؟ كويس. اليوم ده هيبقى برضه بداية دفنك الحقيقي.” بعدها خرجت من الغرفة من غير ما تبص وراها.
برا، اللواء كان مستني. سألها: “قال إيه؟” أعطته العنوان والكود. خلال دقائق، تحركت قوة كاملة لمكان الخزنة. ليلى أصرت تروح معاهم، لكن اللواء رفض في البداية بسبب إصابتها. قالت له جملة واحدة: “دي ق*ضية أبويا.” ماقدرش يمنعها. في الطريق، كانت القاهرة نايمة تحت ضباب الفجر، الشوارع شبه فاضية، أنوار الكوبري بتعدي على وشها وهي قاعدة في العربية المدرعة. إيدها كانت بتوجعها من الحرق، وخدها بينبض من أثر الضربة، لكن وجعها الحقيقي كان في صدرها. لأنها كانت حاسة إنهم كل ما يفتحوا باب، يلاقوا وراه باب أظلم. كانت فاكرة إن شريف هو النهاية. طلع مجرد بوابة.
وصلوا حلوان قبل الشروق. البيت كان قديم، متهالك، بابه الخشبي متشقق، والشارع حوالين المكان فاضي إلا من كام قطة بتفتش في الزبالة. القوة انتشرت بصمت. ليلى دخلت وسطهم، مسدسها في إيدها، وعينها بتفحص كل ركن. البيت من جوه كان ريحته رطوبة وتراب، الأثاث مغطى بملايات قديمة، والصمت فيه كأنه ساكن من سنين. في أوضة خلفية، لقوا بلاطة مختلفة تحت سجادة ممزقة. لما رفعوها، ظهرت خزنة صغيرة مدفونة في الأرض. الضابط الفني بدأ يدخل الكود: يوم، شهر، سنة. تاريخ موت العقيد مراد. الباب فتح بصوت معدني مكتوم. جوا الخزنة كان في ملفات، فلاشات، صور، وأكياس صغيرة فيها مفاتيح وعملات أجنبية. ليلى مدت إيدها وسحبت أول ملف. فتحته. كان فيه أسماء شحنات س*لاح، تواريخ، أرقام سيارات، وأسماء مستعارة. قلبت الصفحات بسرعة لحد ما وقعت عينها على صورة قديمة. صورة لأبوها وهو خارج من مبنى رسمي، وبجانبه رجل ببدلة رمادية، وشه واضح جدًا. ليلى اتجمدت. الضابط اللي جنبها سأل: “في حاجة؟” لكنها ما ردتش. لأنها عرفت الراجل. مش من ملفات قديمة. من التلفزيون. من المؤتمرات. من الصور الرسمية. كان اسم كبير جدًا. كبير لدرجة إن مجرد ذكره في محضر ممكن يقلب البلد.
رجعت الصورة للملف بسرعة، لكن اللواء كان شاف رعشة إيدها. قال بصوت منخفض: “مين؟” ناولته الصورة. أول ما شافها، ملامحه اتشدت. ماقالش الاسم، كأن الحيطان ممكن تسمعه. اكتفى بأنه بص لها وقال: “خلي الملف معايا.” ليلى سحبت الصورة من إيده وقالت: “لأ.” اتفاجئ. قالت: “مع كامل احترامي، يا فندم، أبويا مات لأن ملف اتسحب قبل كده ودخل درج واتقفل. المرة دي مفيش حاجة هتختفي.” اللواء بص لها بحدة. “إنتِ بتشكّي فيا؟” قالت: “أنا مابقتش بثق في الأدراج.” الصمت طال بينهم. في النهاية، قال: “اعملي نسخة فورية من كل حاجة. ثلاث نسخ. واحدة للنيابة، واحدة للجهاز، واحدة معاكِ مؤمنة.” كانت دي أول مرة تحس إنه فاهم رعبها فعلًا.
لكن قبل ما يخلصوا تفريغ الخزنة، دوّى صوت طلقة من بره. كل اللي في البيت اتحركوا دفعة واحدة. عسكري وقع عند الباب، والدم بدأ ينتشر تحت جسمه. صرخ أحد الضباط: “كمين!” الرصاص بدأ يضرب الحيطان والشبابيك. الزجاج اتناثر، والغبار ملأ المكان. ليلى انبطحت خلف حائط نص مهدوم وهي ماسكة الملف في صدرها. الهجوم كان سريع ومنظم. مش بلطجية عاديين. دول ناس عارفين القوة دخلت منين، وعارفين إن الخزنة اتفتحت. حد بلغهم. حد كان بيراقب من البداية. اللواء صرخ في اللاسلكي يطلب دعم، لكن التشويش كان عالي. ليلى فهمت فورًا: في حد عايز الملفات تختفي قبل ما تطلع الشمس.
وسط الرصاص، شافت ظل بيتحرك ناحية الباب الخلفي. واحد ملثم دخل بسرعة، ماسك قنبلة حارقة صغيرة. كان واضح إن هدفه مش قت*لهم، هدفه حرق المكان. ليلى خرجت من ورا الحائط، زحفت تحت خط الرصاص، ورفعت مسدسها. أطلقت طلقة أصابت كتفه، فوقع على الأرض والقنبلة تدحرجت بعيد. جرت ناحية القنبلة ورمتها من الشباك قبل ما تنفجر بثواني. الانفجار هز الشارع كله، والنار ولعت في عربية مركونة بره. الضباط بدأوا يردوا بقوة، ومع وصول أول دعم من ناحية الشارع الرئيسي، المهاجمين انسحبوا بسرعة. كل شيء حصل في أقل من خمس دقائق، لكن البيت بعدها كان كأنه خرج من حرب. الدخان، الدم، الزجاج، صراخ المصابين، والملفات مبعثرة على الأرض.
ليلى كانت واقفة وسط الدخان، حضنة الملف الأساسي، ووشها مغطى بالتراب. اللواء قرب منها وهو بيتنفس بصعوبة وقال: “إنتِ كويسة؟” هزت راسها. “الملفات؟” قالت: “معايا.” بص لها لحظة طويلة، ثم قال: “يبقى الليلة لسه طويلة.”
رجعوا للسجن مع أول ضوء. شريف كان مازال في غرفة الحجز الخاصة. لما دخلت عليه ليلى بالملف في إيدها، رفع عينه، وشاف التراب على هدومها والدم على كمها. ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: “حاولوا ياخدوها منك؟” قالت: “وفشلوا.” ضحك بضعف. “يبقى خلاص. كده إنتِ دخلتي اللعبة بجد.” رمت الصورة قدامه على الترابيزة. لما شافها، ابتسامته اختفت. قالت: “ده الاسم الكبير؟” شريف سكت. ضربت بإيدها على الترابيزة. “ده هو؟” قال بعد لحظة: “ده مش الاسم الكبير.” ليلى اتجمدت. قال بصوت أوطى: “ده الواجهة. الراجل اللي تقدروا تشوفوه. الاسم الكبير عمره ما بيظهر في صورة.” شعرت ليلى إن الأرض بتتهز تحتها. قالت: “مين؟” شريف بص لها بعينين مرهقتين وقال: “لو قلته، مش هتلحقي تخرجي من السجن.” قالت: “قول.” قال: “مش قبل ما تنقليني من هنا.” قالت: “لأ.” قال: “يبقى استني الج*ثة الجاية.” قبل ما ترد، الباب اتفتح بعنف ودخل ضابط شاب وشه مخطوف. “يا فندم… حصلت مشكلة في العنبر.” اللواء اللي كان خلفها قال: “إيه؟” الضابط بلع ريقه: “موسى الحلاق اتق*تل. ولقينا في إيده ورقة مكتوب عليها اسم المقدم ليلى.”
ليلى حسّت بدمها يبرد. موسى الحلاق كان مسجون هادي، معروف إنه كان بيخدم شريف زمان وبعدين بعد عنه. وجود اسمها في إيده معناه واحد من اتنين: يا إما كان عايز يحذرها، يا إما حد بيبعت لها رسالة. خرجت بسرعة ناحية العنبر. الطريق كان مليان عساكر، والمساجين واقفين ورا القضبان بعيون واسعة. الهمس كان ماشي بينهم زي النار. “الطباخة طلعت ضابطة.” “الإعصار وقع.” “في ناس بتموت.” دخلت ليلى الزنزانة اللي فيها الج*ثة. موسى كان واقع على الأرض، وشه للأعلى، عينه مفتوحة، وفي إيده ورقة متكرمشة. أخذتها بحذر وفتحتها. كان مكتوب بخط مهزوز: “مش شريف لوحده. اللي باع أبوكي كان أقرب مما تتخيلي.” تحت الجملة كان في حرف واحد: “س”.
الحرف كان كافي يخلي العالم كله يضيق حواليها. “س”. أسماء كتير ممكن تبدأ به. لكن في عقلها ظهر اسم واحد رغماً عنها. اسم كانت بتهرب منه طول عمرها. اسم الضابط اللي بلغ أمها بموت أبوها. اللواء سامح. الرجل اللي رباها مهنيًا، وفتح لها أبواب التدريب، وحماها في أول مهمة، وكان يقف جنبها النهارده. لا. مستحيل. حاولت تطرد الفكرة فورًا. لكن التحقيقات مابتعترفش بالمستحيل. كل شيء ممكن حتى يثبت العكس.
رجعت بصت من بعيد للواء سامح، كان واقف عند باب العنبر بيتكلم مع المأمور بملامح جامدة. لأول مرة، ليلى شافته مش كقائد ولا كحامٍ، لكن كاحتمال. والاحتمال ده كان أبشع من كل الرصاص اللي اتضرب عليها في حلوان. لأنه لو صح، يبقى أبوها مات مرتين. مرة يوم الحريق، ومرة يوم وثقت في الرجل اللي ربما سلّمه للموت.
شريف لما عرف بموت موسى، ضحك ضحكة خافتة وقال لها من خلف القضبان: “قلتلك. اللعبة بدأت.” ليلى وقفت قدامه، والورقة في إيدها. “مين س؟” شريف قرب من القضبان وهمس: “أول درس يا بنت مراد… أخطر عدو مش اللي يضربك بالقلم قدام الناس. أخطر عدو هو اللي يطبطب على كتفك بعد الدفن.” عينيها اتملت بغضب مكتوم. قال: “عايزة الحقيقة؟ ابدأي من اللي حضنك يوم الجنازة.” هنا، للحظة، رجعت ليلى طفلة. شافت نفسها لابسة أسود، واقفة جنب قبر أبوها، وأمها مڼهارة، ورجل ببدلة عسكرية بيحط إيده على كتفها ويقول: “أبوك كان بطل، وأنا هفضل جنبك.” كان اللواء سامح.
نفسها اتقطع.
لكنها لم تسمح لنفسها بالانهيار. طوت الورقة وحطتها في جيبها. خرجت من العنبر بخطوات ثابتة، بينما جواها عاصفة أكبر من أي إعصار. في الخارج، الشمس كانت طلعت فوق أسوار السجن، لكن الضوء ماكانش مطمئن. كان قاسيًا، كأنه بيكشف كل شيء دفعة واحدة. ليلى وقفت في ساحة السجن، رفعت وشها للسماء، وأغمضت عينيها ثانية واحدة فقط. كانت تسمع صوت أبوها في ذاكرتها: “الخوف مش عيب يا ليلى. العيب إنك تسيبيه يسوقك.” فتحت عينيها.
وبدأت المرحلة الأخطر.
لأنها لم تعد تطارد قاتل أبيها فقط.
كانت تطارد الخائن الذي عاش بجانبها كل هذه السنوات.