شهر عسل فاخر حكايات اسما×3
الأيام اللي بعدها عدت على زين ببطء قاتل.
كان يصحى كل صباح وهو متوقع إن سارة هتتصل.
أو تبعت رسالة.
أو حتى تظهر فجأة قدام باب الشركة.
لكن ده ماحصلش.
الغريب إن غيابها بدأ يظهر في أماكن عمره ما كان يتخيلها.
لما نسي موعد اجتماع مهم لأول مرة من سنين.
لما اكتشف إنه مش عارف مكان أوراق كان محتاجها فورًا.
لما رجع البيت بالليل ومحدش سأله إذا كان أكل ولا لأ.
لما مرض يومين متتاليين ومافيش حد حطله الدوا جنب السرير.
كان دايمًا فاكر إن كل الحاجات دي بتحصل لوحدها.
زي الكهرباء.
زي الميه.
زي التكييف.
حاجات موجودة وخلاص.
لحد ما اختفت.
وساعتها بس عرف قيمتها.
أما سارة فكانت حياتها في سيدني بتتغير بسرعة.
بدأت شغلها الجديد.
رجعت تلبس الملابس اللي بتحبها.
رجعت تقرأ الكتب اللي كانت مخبياها.
رجعت تشتري شموع اللافندر اللي كان بيكره ريحتها.
والأهم من ده كله…
رجعت تضحك.
ضحك حقيقي.
مش الضحكة المؤدبة اللي كانت بترسمها كل ما حد يسألها إذا كانت سعيدة.
في أحد الأيام كانت قاعدة في مكتبها الجديد لما وصلها إيميل من محاميها في القاهرة.
فتحت الرسالة.
وقرأت التفاصيل بهدوء.
ثم أغمضت عينيها للحظة.
المرحلة الأخيرة بدأت.
في نفس الأسبوع كان زين داخل اجتماع مع الشركاء الجدد.
ومن أول دقيقة عرف إن الوضع اختلف.
الناس اللي اشترت أسهم سارة ماكانوش مجرد مستثمرين.
كانوا محترفين.
بيسألوا عن كل تفصيلة.
بيراجعوا كل عقد.
وبيفتحوا ملفات قديمة محدش قرب منها قبل كده.
وده كان مزعج جدًا بالنسبة له.
بعد الاجتماع استدعاه رئيس المجموعة الاستثمارية لمكتب خاص.
رجل خمسيني هادئ اسمه فؤاد الجارحي.
صافحه وجلس أمامه.
ثم قال بهدوء:
“أنا حابب أسألك سؤال شخصي.”
زين عقد حاجبيه.
“اتفضل.”
فؤاد فتح ملف صغير.
وأخرج منه صورة.
ولما شافها زين اتجمد مكانه.
كانت صورة سارة.
فؤاد ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
“مدام سارة إنسانة محترمة جدًا.”
زين ما ردش.
فؤاد كمل:
“عارف إنها كانت سبب رئيسي في إننا نهتم بالشركة من الأساس؟”
زين حس بضيق في صدره.
لأنه لأول مرة يسمع حد يتكلم عن سارة بالطريقة دي.
طول عمره كان شايفها زوجته.
لكن العالم بره كان شايفها حاجة تانية.
شخص ناجح.
مؤثر.
ذكي.
مستقل.
فؤاد أغلق الملف وقال:
“بالمناسبة… هي كانت تقدر تدمر الشركة بسهولة.”
زين رفع رأسه بسرعة.
“إيه المقصود؟”
“المقصود إنها كانت تملك معلومات وحقوق وأوراق كفاية تخلي الوضع مختلف تمامًا.”
سكت لحظة ثم أضاف:
“لكنها ماعملتش كده.”
زين رجع للخلف في مقعده.
وفجأة شعر بشيء غريب.
مش الخوف.
ولا الغضب.
الندم.
لأن أول مرة بدأ يسأل نفسه سؤالًا ماكانش مستعد لإجابته.
ماذا لو كانت سارة فعلًا أفضل شيء حصل في حياته؟
وماذا لو خسرها للأبد؟
في تلك الليلة رجع إلى الشقة.
وقف في الصالة المظلمة.
ثم مشى ناحية أوضة الضيوف.
الأوضة اللي كانت سارة حاطة فيها كتبها وكل الحاجات اللي كانت بتحبها.
فتح الباب.
وكانت شبه فاضية.
لكن في أحد الأدراج نسيَت شيئًا واحدًا.
دفتر صغير.
جلس على الأرض وفتحه.
في البداية ظن أنه دفتر ملاحظات عادي.
لكن بعد صفحات قليلة اكتشف الحقيقة.
كان مذكراتها.
صفحات كتبتها على مدار شهور.
ولم تكن تعرف أنها يومًا ما ستقع بين يديه.
قرأ أول صفحة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
ومع كل سطر كان وجهه يشحب أكثر.
لأن الصفحات لم تكن تتحدث عن خيانته.
ولا عن ياسمين.
ولا حتى عن مشاكل الزواج.
كانت تتحدث عن الوحدة.
عن امرأة كانت تختفي ببطء داخل بيتها.
عن أحلام تخلت عنها.
عن فرص رفضتها.
عن ليالٍ كاملة بكت فيها بجواره وهو نائم ولم يشعر بها.
وفي آخر صفحة توقف قلبه تقريبًا.
لأنها كانت مكتوبة قبل سفره بيومين فقط.
وكان فيها سطر واحد.
“أنا لم أعد أحاول إنقاذ زواجنا… أنا فقط أحاول إنقاذ نفسي.”
أغلق الدفتر ببطء.
وشعر لأول مرة منذ سنوات أن كل النجاحات التي حققها لا تساوي شيئًا.
لأنه بينما كان منشغلًا ببناء شركاته وثروته…
كان يهدم الإنسان الوحيد الذي أحبه بصدق.
لكن بينما كان جالسًا في الظلام ممسكًا بالدفتر…
كان هناك شيء آخر يحدث على بعد آلاف الكيلومترات.
شيء لم يكن يعرف عنه شيئًا.
لأن سارة لم تسافر إلى سيدني من أجل العمل فقط.
كانت تحمل سرًا كبيرًا أخفته عنه طوال الأشهر الأخيرة.
سرًا سيجعله يفهم أن خسارته لم تكن مجرد زوجة…
بل كانت أكبر بكثير مما يتخيل.
في صباح اليوم التالي لم يستطع زين التوقف عن التفكير في الجملة الأخيرة.
“أنا لم أعد أحاول إنقاذ زواجنا… أنا فقط أحاول إنقاذ نفسي.”
ظل يقرأها عشرات المرات.
ثم مئات المرات.
وكأن عقله يرفض استيعاب أن المرأة التي كانت تركض خلفه طوال عام كامل هي نفسها المرأة التي قررت أخيرًا أن تتوقف.
لأول مرة منذ سنوات لم يذهب إلى الشركة مبكرًا.
جلس وحده في الشقة.
يتنقل بين الغرف.
كل زاوية فيها كانت تحمل أثرًا لها.
كل رف.
كل درج.
كل تفصيلة صغيرة.
حتى الصمت نفسه كان يشبهها.
وعندما فتح هاتفه وجد رسالة من محاميه.
كانت رسالة قصيرة.
“هناك مستندات خاصة بالسيدة سارة يجب أن تطلع عليها.”
بعد ساعة كان يجلس في مكتب المحامي.
الرجل وضع أمامه ملفًا أزرق سميكًا.
وقال بهدوء:
“هذه الأوراق كانت جاهزة منذ ثلاثة أشهر.”
زين رفع رأسه.
“إيه الأوراق دي؟”
المحامي تردد للحظة.
ثم دفع الملف نحوه.
“اقرأ بنفسك.”
فتح زين الملف.
وفي الصفحة الأولى شعر بأن الأرض تميد تحته.
كانت تقارير طبية.
عشرات التقارير.
تحاليل.
أشعة.
نتائج فحوصات.
وتواريخ تمتد لأشهر كاملة.
قلب الصفحة الأولى.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
وقبل أن يصل إلى النهاية كان وجهه قد فقد لونه بالكامل.
لأن سارة كانت مريضة.
ولم يكن يتحدث عن نزلة برد.
ولا إرهاق عادي.
كانت تمر بأزمة صحية حقيقية منذ شهور.
أزمة احتاجت متابعة مستمرة وأطباء وعلاجًا طويلًا.
جلس يحدق في الأوراق غير مصدق.
ثم سأل بصوت مخنوق:
“أنا… أنا ماعرفتش ليه؟”
المحامي نظر إليه طويلًا.
ثم قال:
“لأنها كانت تحاول تقولك.”
سكت لحظة.
وأضاف:
“أكتر من مرة.”
بدأت الذكريات تضربه بعنف.
مرة دخلت عليه المكتب وقالت إنها محتاجة تتكلم.
قال لها إنه مشغول.
مرة طلبت منه يرافقها لموعد مهم.
اعتذر بسبب اجتماع.
مرة بكت من غير سبب واضح وهو افترض أنها حساسة زيادة عن اللزوم.
مرة قالت إنها تعبانة.
فرد من غير ما يرفع عينه عن اللابتوب:
“ارتاحي شوية وهتبقي كويسة.”
فجأة بدأت كل القطع تتجمع أمامه.
وكان المنظر أبشع مما تخيل.
سارة لم تخفِ مرضها.
هو الذي لم يكن يسمع.
خرج من مكتب المحامي وهو يشعر بثقل هائل فوق صدره.
وفي تلك الليلة ظل مستيقظًا حتى الفجر.
لأول مرة لم يكن يفكر في الشركة.
ولا في الأسهم.
ولا في الخسائر.
كان يفكر فيها فقط.
في عدد المرات التي خذلها فيها دون أن ينتبه.
في عدد المرات التي كانت تحتاجه فيها ولم يكن موجودًا.
وفي الناحية الأخرى من العالم كانت سارة تسير على كورنيش سيدني قرب البحر.
الهواء البارد يحرك شعرها.
والشمس تميل نحو الغروب.
كانت تبدو أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.
لأنها أخيرًا اتخذت القرار الأصعب.
قرار النجاة.
توقفت أمام المياه للحظة.
وأخرجت هاتفها.
وجدت أكثر من مائتي مكالمة فائتة من زين.
وعشرات الرسائل.
رسائل طويلة.
رسائل اعتذار.
رسائل رجاء.
رسائل يسأل فيها أين هي.
وكيف حالها.
ولماذا لم تخبره.
قرأت بعضها.
ثم أغلقت الشاشة.
ليس لأنها تكرهه.
ولا لأنها تريد الانتقام.
بل لأنها كانت متعبة.
متعبة جدًا.
لدرجة أن قلبها لم يعد يملك طاقة لحمل وجع شخص آخر.
حتى لو كان ذلك الشخص زين.
في تلك اللحظة وصلتها رسالة جديدة.
لكنها لم تكن منه.
كانت من المستشفى.
موعد جديد بعد أسبوع.
الموعد الذي كانت تنتظره منذ شهور.
الموعد الذي سيحدد شكل حياتها القادمة كلها.
نظرت إلى الرسالة طويلًا.
ثم أغلقت الهاتف.
وأكملت سيرها بمحاذاة البحر.
غير مدركة أن زين في القاهرة كان على وشك اكتشاف الحقيقة الأخيرة.
الحقيقة التي لم تخبر بها أحدًا تقريبًا.
الحقيقة التي جعلتها تقبل وظيفة في قارة أخرى وتترك كل شيء خلفها.
لأن سارة لم تكن تهرب من زواج فاشل فقط…
كانت تحارب معركة أكبر بكثير في صمت.
معركة قد تغير مستقبلها بالكامل.
يتبع