دخلت تولد حكـايـات أسمـا ×6

الفصل الحادي عشر

في اللحظة التي أغلق فيها الرجل المجهول جهاز الاتصال…

وصلته رسالة قصيرة على هاتف مشفر.

ثلاث كلمات فقط.

“نفذ المرحلة الثانية.”

ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.

ثم أدار محرك سيارته السوداء واختفى بين الأشجار.

—

في المخزن القديم…

كان ياسين ما يزال يقلب الملفات بسرعة.

كل صفحة كانت تكشف سرًا جديدًا.

حسابات بنكية سرية.

عقود مزورة.

شركات وهمية.

أسماء سياسيين ورجال أعمال.

وشبكة فساد امتدت لعقود.

لكن الملف الأخير كان مختلفًا.

كان مكتوبًا عليه بخط أحمر:

“للضرورة القصوى.”

فتح فؤاد الملف ببطء.

وما إن قرأ أول صفحة حتى شحب وجهه.

سأله ياسين:

“في إيه؟”

لم يرد.

بل ناوله الورقة.

قرأها ياسين.

ثم شعر بأن الدم تجمد في عروقه.

لأن الوثيقة كانت عبارة عن تقرير سري.

عنوانه:

“مشروع الوريث.”

قطب حاجبيه.

وأكمل القراءة.

كلما قرأ أكثر اتسعت عيناه أكثر.

حتى وصل إلى الاسم الأخير.

وهنا سقط الملف من يده.

همس:

“مستحيل…”

اقترب فؤاد بسرعة.

“إيه اللي حصل؟”

رفع ياسين رأسه ببطء.

وكان وجهه شاحبًا.

وقال:

“اسمي موجود هنا.”

ساد الصمت.

أخذ فؤاد الورقة.

وبدأ يقرأ.

ثم جلس على الكرسي بقوة.

غير قادر على الوقوف.

لأن الوثائق كشفت أن سامح العطار وفؤاد الشامي لم يكونا مجرد شركاء قدامى.

بل كانا جزءًا من مشروع استثماري ضخم بدأ قبل أكثر من ثلاثين عامًا.

وكان هناك شخص ثالث يدير المشروع من الظل.

عاصم الكيلاني.

لكن الأخطر…

أن المشروع كله كان مبنيًا على اختيار وريث واحد فقط ليتحكم في الثروة كاملة يومًا ما.

وكان اسم ذلك الوريث…

ياسين العطار.

—

في تلك اللحظة تحديدًا…

رن هاتف فؤاد.

نظر إلى الشاشة.

فتجمد.

قال ياسين:

“مين؟”

همس فؤاد:

“رقم عاصم.”

اتسعت عينا ياسين.

وأجاب فؤاد المكالمة على السماعة الخارجية.

ساد صمت لثوان.

ثم جاء صوت رجل هادئ.

هادئ بصورة مرعبة.

قال:

“مرحبًا يا فؤاد.”

ارتجف فؤاد.

لأنه عرف الصوت فورًا.

بعد كل هذه السنوات.

لم ينسه.

قال بصوت متوتر:

“عاصم.”

ضحك الرجل.

وقال:

“مبسوط إنك لسه فاكرني.”

شعر ياسين بقشعريرة.

ثم اقترب من الهاتف.

لكن الصوت أكمل:

“وياسين معاك صح؟”

تجمد الاثنان.

كيف عرف؟

ضحك عاصم مرة أخرى.

وقال:

“بص حواليك يا ياسين.”

“أنا شايفك دلوقتي.”

رفع ياسين رأسه بسرعة.

ونظر من النافذة المكسورة.

لكن لم يكن هناك أحد.

تابع الصوت:

“فتحتوا الخزنة أخيرًا.”

“وده معناه إن وقت الحقيقة جه.”

قبض ياسين على الهاتف.

وقال بغضب:

“إنت عايز إيه؟”

ساد صمت قصير.

ثم جاء الرد.

“عايز أشوف ابني.”

تجمد ياسين.

أما فؤاد فشعر بأن قلبه توقف.

وقال ببطء:

“ابنك؟”

ضحك عاصم.

وقال الجملة التي قلبت كل شيء رأسًا على عقب:

“أيوة.”

“ابني…”

“ياسين.”

وسقط الصمت على المكان كالصاعقة.

يتبع…

الفصل الثاني عشر

 

ظل الصمت مسيطرًا على الغرفة لعدة ثوانٍ.

 

ثوانٍ بدت وكأنها سنوات.

 

كان ياسين ممسكًا بالهاتف.

 

غير قادر على الحركة.

 

غير قادر حتى على التنفس.

 

أما فؤاد فحدق في الجهاز وكأنه ينظر إلى شبح.

 

ثم قال أخيرًا:

 

“إنت كداب.”

 

جاء صوت عاصم هادئًا كعادته:

 

“كنت عارف إنك هتقول كده.”

 

ثم أضاف:

 

“عشان كده خليت الدليل جوه الملف رقم سبعة.”

 

التفت ياسين بسرعة إلى الملفات.

 

وبدأ يبحث بينها.

 

حتى وجد ملفًا أسود صغيرًا.

 

فتحَه بيد مرتجفة.

 

فوجد صورًا قديمة.

 

وخطابات.

 

وتقارير طبية.

 

ثم وجد رسالة بخط يد سامح العطار نفسه.

 

قرأ السطر الأول.

 

فتغير وجهه بالكامل.

 

كانت الرسالة تقول:

 

“إذا وصلت هذه الأوراق إلى ياسين يومًا ما، فاعلم أنني كنت أعرف الحقيقة منذ البداية.”

 

تجمد الجميع.

 

وأكمل القراءة.

 

“كنت أعلم أنني لا أستطيع الإنجاب.”

 

“وأعلم أن نادية أخطأت.”

 

“لكن عندما حملت بك، لم أرك ابن رجل آخر.”

 

“بل رأيتك ابني.”

 

سال الدمع من عيني ياسين دون أن يشعر.

 

أما فؤاد فأخفض رأسه بصمت.

 

تابع ياسين القراءة.

 

“اخترت أن أربيك.”

 

“وأحميك.”

 

“وأمنحك اسمي.”

 

“ولم أندم يومًا على ذلك.”

 

ارتجفت يداه.

 

شعر لأول مرة أن والده لم يكذب عليه.

 

بل أحبه أكثر مما تخيل.

 

حتى وهو يعرف الحقيقة.

 

لكن الرسالة لم تنتهِ.

 

وصل إلى السطر الأخير.

 

وهنا اتسعت عيناه فجأة.

 

لأن سامح كتب:

 

“أما عاصم الكيلاني…”

 

“فهو ليس والدك الحقيقي.”

 

ساد الصمت.

 

رفع ياسين رأسه بصدمة.

 

أما الهاتف فبقي مفتوحًا.

 

وسمعوا صوت عاصم يضحك.

 

ضحكة طويلة.

 

باردة.

 

ثم قال:

 

“كنت عارف إنه هيكتب كده.”

 

صرخ ياسين:

 

“إنت مين؟!”

 

أجاب عاصم بهدوء:

 

“أنا الراجل اللي صنع القصة كلها.”

 

“لكن أبوك الحقيقي شخص تاني.”

 

—

 

شعر ياسين أن عقله لم يعد قادرًا على استيعاب المزيد.

 

قال بغضب:

 

“لو مش أبويا… يبقى إنت عايز مني إيه؟”

 

ساد صمت قصير.

 

ثم قال عاصم:

 

“عايز حقي.”

 

قطب فؤاد حاجبيه.

 

“حقك في إيه؟”

 

أجاب الرجل:

 

“في المشروع.”

 

ثم تابع:

 

“أنا بنيت الإمبراطورية دي.”

 

“وسامح وفؤاد سرقوها مني.”

 

هز فؤاد رأسه بعنف.

 

“كداب!”

 

لكن عاصم ضحك.

 

وقال:

 

“يبقى افتحوا الملف الأخير.”

 

نظر ياسين إلى الخزنة.

 

كان هناك ملف واحد فقط لم يفتح بعد.

 

ملف رمادي كبير.

 

التقطه ببطء.

 

ثم فتحه.

 

وبدأت الأوراق تتساقط على الأرض.

 

عقود.

 

صور.

 

تسجيلات.

 

ومستندات.

 

لكن الشيء الذي أوقفه كان صورة قديمة جدًا.

 

صورة تجمع ثلاثة رجال شباب.

 

سامح.

 

فؤاد.

 

وعاصم.

 

وخلفهم لافتة كبيرة لمشروع صغير.

 

تحتها عبارة:

 

“المؤسسون الثلاثة.”

 

تنهد فؤاد.

 

وقال بصوت خافت:

 

“يا إلهي…”

 

لأنه أدرك أن جزءًا من كلام عاصم صحيح.

 

لقد بدأوا معًا بالفعل.

 

لكن الأمور لم تسر كما يرويها الآن.

 

—

 

وقبل أن يتمكن أحد من قول شيء آخر…

 

دوى انفجار هائل خارج المبنى.

 

اهتزت الجدران بعنف.

 

وتحطم الزجاج بالكامل.

 

وسقطت بعض الملفات من فوق الأرفف.

 

صرخت أجهزة الإنذار.

 

أما فؤاد فصاح:

 

“اهربوا!”

 

ركض ياسين نحو النافذة.

 

ونظر إلى الخارج.

 

فرأى ألسنة النار تلتهم السيارات المتوقفة.

 

وعدة رجال مسلحين يقتربون من المخزن.

 

كانت وجوههم مغطاة.

 

لكنهم يتحركون بثقة.

 

كأنهم يعرفون المكان جيدًا.

 

وفي مقدمتهم…

 

كان يقف رجل طويل القامة.

 

شعره رمادي.

 

ويرتدي بدلة سوداء أنيقة.

 

نظر مباشرة نحو النافذة.

 

ورفع رأسه ببطء.

 

ثم ابتسم.

 

ابتسامة جعلت الدم يتجمد في عروق فؤاد.

 

لأنه تعرف عليه فورًا.

 

همس:

 

“عاصم…”

 

رفع الرجل يده.

 

وأشار إلى الباب الرئيسي.

 

ثم قال شيئًا في جهاز الاتصال.

 

وفي اللحظة التالية…

 

بدأ المسلحون في اقتحام المبنى.

 

بينما كانت الخزنة المفتوحة والملفات السرية ما تزال بالداخل.

 

وأدرك ياسين أن المعركة التي ظلوا يهربون منها لعقود…

 

وصلت أخيرًا إلى بابهم.

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *