بعد الرحيل حكايات اسما ×3

الفصل الرابع: من قت*ل الحقيقة؟

بقي الظرف بين يدي.

ثقيلًا.

رغم أنه لا يحتوي إلا على بضع أوراق.

أحيانًا لا يكون الوزن في الورق…

بل في الأسرار.

نظرت إلى نادية.

كانت عيناها معلقتين بالظرف وكأنها تخشاه.

قلت بصوت منخفض:

ـ إنتِ قريتي اللي جواه؟

هزت رأسها.

ـ لأ.

ـ ليه؟

ـ لأن ياسمين رفضت.

قالت لو حصلها حاجة، إنت الوحيد اللي لازم يفتحه.

ضحكت بمرارة.

ـ بعد أربعين سنة؟

ـ كانت مؤمنة إن الحقيقة هتوصل لصاحبها مهما تأخرت.

جلست على حافة السرير.

وأدخلت إصبعي تحت حافة الظرف.

ثم فتحته.

كان بداخله خطاب طويل.

ومع الخطاب فلاشة صغيرة.

لكن أول ما لفت انتباهي كان تاريخ الرسالة.

قبل وفاة ياسمين بثلاثة أشهر فقط.

بدأت أقرأ.

“محمود…

إذا وصلت إلى هذه المرحلة، فأنت تعرف بالفعل أننا إخوة.”

“لكن ما سأخبرك به الآن أخطر بكثير.”

شعرت بانقباض في صدري.

وأكملت.

“قبل خمس سنوات بدأت أبحث في ماضي أبي.”

“كنت أريد فقط أن أفهم لماذا تخلى عن أمي.”

“لكنني وجدت أشياء لم أكن أبحث عنها.”

“وجدت اسم طفل آخر.”

“أخ ثالث.”

“واكتشفت أن سجلاته اختفت بالكامل.”

“كأن شخصًا محاه من الوجود.”

نظرت إلى شهادة الميلاد الموجودة أمامي.

ثم عدت للرسالة.

“في البداية ظننت أنه مات.”

“لكن الحقيقة كانت مختلفة.”

“لأنني وجدته.”

تجمدت.

وجدته؟

أكملت بسرعة.

“نعم… وجدته.”

“وكان ما يزال حيًا.”

قفزت من مكاني.

ـ حي؟

نظرت نادية إليّ بدهشة.

ـ إيه؟

ناولتها الرسالة.

بدأت تقرأ.

ومع كل سطر كانت ملامحها تتغير.

أما أنا فواصلت القراءة.

“وجدته يعيش في الإسكندرية.”

“باسم مختلف.”

“وحياة مختلفة.”

“ولا يعرف شيئًا عن عائلته الحقيقية.”

شعرت بدقات قلبي تتسارع.

أخ ثالث.

حي.

طوال هذه السنوات.

ولا يعرف بوجودنا.

لكن الصدمة التالية كانت أكبر.

“عندما قابلته لأول مرة…”

“أخبرني قصة غريبة.”

“قال إنه تربى في دار أيتام.”

“وأن رجلاً كان يزوره أحيانًا ويدفع تكاليف حياته.”

“رجل اسمه فؤاد.”

أغمضت عيني.

عمي فؤاد.

مرة أخرى.

دائمًا فؤاد.

أكملت القراءة.

“بدأت أبحث أكثر.”

“واكتشفت أن فؤاد لم يكن مجرد صديق لأبينا.”

“بل كان شريكه في مشروع ضخم.”

“مشروع تحول لاحقًا إلى شركة بملايين الجنيهات.”

“شركة كان من المفترض أن يرث نصفها أبناؤه.”

توقفت أنفاسي.

أبناؤه.

يعني نحن.

ثم وصلت إلى السطر الذي قلب كل شيء.

“وجدت نسخة من عقد الشراكة الأصلي.”

“وكان ينص على أن ملكية الشركة تنتقل لأبناء الشريكين بعد وفاتهما.”

“لكن بعد وفاة أبينا…”

“اختفى العقد.”

“واختفى الأخ الثالث.”

“واختفت كل الأدلة.”

“وبقي فؤاد وحده.”

شعرت بأن الدم يغلي في عروقي.

هل يعقل أن يكون الرجل الذي اعتبرناه فردًا من العائلة طوال حياتنا قد فعل ذلك؟

ثم جاءت الضربة الأخيرة.

“لم يكن أبونا رجلاً بريئًا بالكامل.”

“لكنه لم يخن أمنا كما اعتقدنا.”

“الحقيقة أن فؤاد هو من أقنعه بإخفاء وجودنا.”

“ووعده أنه سيصلح الأمور لاحقًا.”

“لكن بعد وفاة أبينا المفاجئة…”

“استغل كل شيء لصالحه.”

رفعت رأسي ببطء.

وفجأة تذكرت.

حادث السيارة.

وفاة أبي.

عام 1983.

قالوا وقتها إنها مجرد حادثة مؤسفة.

لكن ياسمين كتبت شيئًا جعل يدي ترتجف.

“هناك ملف داخل الفلاشة.”

“إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، شاهده.”

“لأنه يحتوي على اعتراف سجله شخص قبل موته.”

نظرت إلى الفلاشة.

ثم إلى نادية.

قالت بصوت مرتعش:

ـ لازم نشوفه.

نزلنا إلى غرفة الجلوس.

وأحضرت حاسوبًا محمولًا.

أدخلت الفلاشة.

ظهر ملف فيديو واحد فقط.

مدته أربع دقائق.

ضغطت تشغيل.

ظهر رجل عجوز على الشاشة.

شاحب الوجه.

مريض.

يتنفس بصعوبة.

واستغرقني ثوانٍ حتى عرفته.

كان المحاسب القديم لشركة أبي.

عم سعيد.

الرجل الذي مات قبل سنوات.

نظر الرجل إلى الكاميرا وقال:

“أنا بسجل الكلام ده قبل ما أموت.”

“عشان ضميري تعبان.”

ثم صمت للحظة.

وأضاف:

“فؤاد سرق كل حاجة.”

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

أما نادية فوضعت يدها على فمها.

واصل الرجل حديثه.

“بعد وفاة شريكنا…”

“فؤاد زور العقود.”

“وشطب أسماء الورثة.”

“ودفع فلوس عشان يخفي الطفل التالت.”

“واستولى على الشركة كلها.”

ثم قال جملة جعلت قلبي يتوقف.

“لكن دي مش أكبر ج*ريمة عملها.”

تبادلنا النظرات.

وأكمل الرجل:

“لأن وفاة أبو محمود ما كانتش حادثة.”

ساد الصمت.

حتى أن صوت أنفاسنا اختفى.

ثم سمعناه يقول:

“العربية كانت متلعب فيها.”

“وأنا شفت التقرير الأصلي بنفسي.”

“لكن فؤاد دفنه.”

تجمدت في مكاني.

لم أعد أسمع شيئًا.

كأن العالم كله ابتعد فجأة.

أبي…

لم يمت بحادث؟

أبي قُت*ل؟

وقبل أن ينتهي الفيديو…

قال عم سعيد آخر جملة.

الجملة التي غيرت كل شيء.

“لو محمود أو ياسمين وصلهم التسجيل ده…”

“يبقوا يعرفوا إن القاتل ما ماتش.”

“فؤاد لسه عايش.”

“ولسه بيخاف من حاجة واحدة…”

“إن الأخ الثالث يظهر للعلن.”

ثم انطفأت الشاشة.

وساد الصمت.

لكن بعد أقل من دقيقة…

رن هاتف نادية.

رقم مجهول.

نظرت إليّ.

ثم ردت.

وما إن سمعت الصوت حتى شحب وجهها.

همست:

ـ مستحيل…

ـ مين؟

نظرت إليّ بخوف.

ثم قالت:

ـ الراجل بيقول إنه أخونا…

الأخ الثالث.

لكن قبل أن تكمل…

سمعنا صوته يصرخ عبر الهاتف:

“اسمعوني كويس… هم عرفوا إني كلمتكم… وفي ناس بتراقب البيت دلوقتي!”

يتبع في الفصل الخامس…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *