بعد الرحيل حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثاني: الحقيقة التي مزقت أربعين عامًا
سقطت الرسالة من يدي.
بقيت أحدق في السطر الأخير وكأن الكلمات تتحرك أمام عيني.
“أنا ابنة والدك.”
لا.
مستحيل.
لابد أنني قرأتها خطأ.
أمسكت الورقة من جديد.
قرأت الجملة مرة.
ثم مرتين.
ثم عشر مرات.
لكنها لم تتغير.
كانت هناك.
واضحة.
قاسية.
وحقيقية.
شعرت بدوار جعلني أتكئ على حافة الطاولة.
في السابعة والستين من عمري، وبعد حياة كاملة ظننت أنني أعرف كل أسرارها، اكتشفت فجأة أن هناك قنبلة مدفونة تحت سنوات عمري كلها.
كيف؟
متى؟
ولماذا لم يخبرني أحد؟
عدت إلى الرسالة بسرعة.
كانت هناك صفحة ثانية لم أنتبه إليها من شدة الصدمة.
ورقة مطوية داخل الظرف نفسه.
فتحتها بأصابع مرتجفة.
وكان خط ياسمين يملأها بالكامل.
“إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فهذا يعني أنني لم أجد الشجاعة لأخبرك وجهاً لوجه.”
بلعت ريقي بصعوبة.
وأكملت.
“اكتشفت الحقيقة عندما كنت في السادسة عشرة. كنت أفتش في خزانة أمي عن صور قديمة لمشروع مدرسي، فوجدت صندوقًا صغيرًا مليئًا برسائل وصور.”
توقفت أنفاسي.
“وجدت صورة لرجل شاب يحملني وأنا رضيعة. وعندما سألت أمي عنه، انهارت بالبكاء.”
أغمضت عيني.
كان قلبي يخفق بقوة مؤلمة.
“في تلك الليلة أخبرتني أمي بكل شيء.”
بدأت الكلمات تنقلني إلى زمن لم أكن أعرف أنه موجود.
كانت أم ياسمين تعمل معلمة في إحدى القرى القريبة.
وهناك تعرفت على أبي.
قبل زواجه من أمي بعامين.
قصة حب قصيرة.
وعد بالزواج.
ثم اختفى.
عاد إلى القاهرة.
وتزوج امرأة أخرى.
أمي.
أما أم ياسمين فوجدت نفسها حاملاً.
ووحيدة.
ومكسورة.
لكنها رفضت إخبار أحد.
وربت ابنتها وحدها.
لم تطلب مالاً.
ولم تطارد أبي.
ولم تخبر ياسمين بالحقيقة إلا بعد سنوات طويلة.
شعرت أن صدري يضيق أكثر مع كل سطر.
لأنني كنت أعرف أبي جيدًا.
أو كنت أظن ذلك.
كان رجلاً محترمًا.
محبوبًا.
ملتزمًا.
على الأقل أمامنا.
لكن فجأة بدأت أتذكر أشياء صغيرة.
رحلات عمل غامضة.
أيام اختفاء طويلة.
صمت أمي أحيانًا.
نظرات لم أفهمها وأنا صغير.
هل كانت تعرف؟
هل أخفى عنها الأمر؟
أم أنها اكتشفته وسكتت؟
لم أعد أعرف.
واصلت القراءة.
“بعد أن عرفت الحقيقة، طلبت من أمي ألا تخبر أحدًا.”
“لم أكن أريد تدمير عائلتك.”
“كنت أراك كل يوم في المدرسة.”
“أراك تضحك.”
“وتتكلم عن أحلامك.”
“وأعرف أنك لا ذنب لك.”
ثم جاءت الجملة التي كسرتني.
“في البداية كنت أريد أن أكرهك.”
“لكنني فشلت.”
“لأنك كنت ألطف شخص عرفته.”
أغلقت عيني بقوة.
يا الله.
كل تلك السنوات…
كانت تحمل هذا الحمل وحدها.
بينما أنا لم أكن أعرف شيئًا.
ولا حتى لاحظت ما كانت تمر به.
أكملت القراءة.
“المشكلة أنني ارتكبت خطأ كبيرًا.”
“وقعت في حبك.”
توقفت.
كأن الكلمات تحولت إلى سكين.
“كنت أعرف أننا إخوة.”
“وأعرف أن هذا الشعور خطأ.”
“وحاولت أن أقاومه.”
“لكن كلما اقتربت منك أكثر، ازداد الأمر سوءًا.”
“كنت أعود إلى البيت وأبكي.”
“وأدعو الله أن يبعدني عنك.”
“لكنني لم أستطع.”
شعرت بأنفاسي تتسارع.
لم أعد قادرًا على الجلوس.
وقفت.
ثم عدت أجلس.
ثم وقفت مرة أخرى.
لم أكن أعرف ماذا أفعل.
كيف يمكن لإنسان أن يحمل كل هذا الألم وحده؟
كيف عاشت؟
كيف نامت؟
كيف ابتسمت كل يوم في المدرسة؟
ثم وصلت إلى الجزء الذي فسر كل شيء.
“عندما أخبرني الطبيب أنني مريضة، شعرت للمرة الأولى بالراحة.”
تجمدت.
راحة؟
كيف؟
لكنها تابعت.
“لأنني اعتقدت أن الله وجد طريقة لينهي هذا العذاب.”
“لن أعيش حياة كاملة.”
“ولن أضطر إلى مواجهة الحقيقة.”
“ولن أضطر إلى شرح مشاعري لأحد.”
“وسأرحل قبل أن أؤذي أي شخص.”
كانت الدموع تنزل على وجهي دون أن أشعر.
لم أبكِ في جنازتها.
لكنني أبكي الآن.
بعد أربعين عامًا.
أبكي فتاة عاشت عمرها كله تحمل سرًا لا يمكن احتماله.
ثم جاءت الفقرة الأخيرة.
والتي غيرت كل شيء مرة أخرى.
“هناك شيء آخر يجب أن تعرفه.”
شعرت بانقباض في معدتي.
كأن الرسالة ما زالت تخبئ ضربة جديدة.
وكانت محقة.
“بعد أن أموت، إذا وصلتك هذه الرسالة يومًا ما، فاذهب إلى بيتنا القديم.”
“ستجد صندوقًا خشبيًا تحت أرضية غرفتي.”
“فيه كل الأدلة.”
“الصور.”
“والرسائل.”
“واعتراف أمي المكتوب.”
“ووصية تركتها لك.”
رفعت رأسي ببطء.
وصية؟
لي أنا؟
لماذا؟
ثم قرأت آخر سطر.
السطر الذي جعل النوم مستحيلاً تلك الليلة.
“لأن الحقيقة التي أخفيتها عن الجميع ليست أنني ابنة والدك فقط…”
“الحقيقة أن هناك شخصًا آخر يعرف كل شيء منذ أربعين عامًا.”
“وقد سرق شيئًا كان من حقك.”
“وأخشى أنه ما زال حيًا حتى الآن.”
انتهت الرسالة.
لكن قصتي مع ياسمين بدأت للتو.
وفي صباح اليوم التالي…
كنت أقود سيارتي نحو البيت القديم الذي لم أره منذ أكثر من أربعة عقود.
غير مدرك أن ما سأجده تحت أرضية غرفتها سيكشف جريمة دفنتها عائلتان كاملتان منذ عام 1979.
يتبع في الفصل الثالث…
