حالة الطوارئ حكـايـات أسمـا ×2
بعد التحية دي… المستشفى ما رجعتش زي الأول أبدًا.
صورة العميد نجوى سالم بقت معلقة رسميًا في قاعة الأطباء بالدور الرابع. لكن الغريب إن الصورة ماكنتش أكتر حاجة الناس اتكلمت عنها.
اللي اتكلموا عنه فعلًا… إن الست اللي كانت بتتنضف بيها الأرض حرفيًا في أول أسبوع… طلعت أكتر إنسان فاهم معنى الرحمة جوه المكان كله.
أدهم بقى ييجي بدري قبل المناوبة بعشرين دقيقة. يقف قدام الصورة شوية. وبعدين يدخل القسم ساكت.
الضحكة المتعالية اختفت. الصوت العالي اختفى. حتى طريقته مع المرضى اتغيرت.
الممرضات خدوا بالهم بسرعة.
سارة مرة همست لزميلتها: — الدكتور أدهم بقى بيقول “من فضلك”.
زميلتها ردت بعدم تصديق: — لا دي أكيد نهاية العالم.
لكن الحقيقة كانت أعمق.
أدهم بقى كل ما يبص لسرير مريض… يشوف بعينيه شكل يوسف وهو بينزف. وشكل نجوى وهي ثابتة وسط الفوضى.
ولأول مرة… بدأ يحس إنه كان دكتور شاطر بس… مش إنسان كفاية.
بعد أسبوعين… وصلت حالة لطفلة صغيرة عندها سبع سنين. اسمها مريم.
حادثة عربية. نزيف داخلي. والأب واقف برا منهار.
القسم اتحرك بسرعة. أدهم دخل العمليات الصغيرة بنفسه.
لكن أول ما شاف الأب… اتجمد.
الراجل كان بيعيط بنفس الطريقة اللي أبوه كان بيعيط بيها زمان.
نفس الرعشة. نفس العجز. نفس الخوف.
أدهم افتكر فجأة ليلة قديمة جدًا.
كان عنده تسع سنين. واقف في مستشفى حكومي قديم. وأمه على سرير الطوارئ بعد جلطة مفاجئة.
فاكر صوت الدكاترة وهم بيقولوا: — الحالة ميؤوس منها.
فاكر إنه كان بيشد في بالطو دكتور وبيقوله: — لو سمحت… ماما بتموت.
والدكتور زقه بإيده وقال بعصبية: — ابعد يا ابني.
أمه ماتت بعدها بساعة.
ومن يومها… أدهم قرر يبقى أقوى دكتور في البلد.
مش علشان ينقذ الناس.
علشان مايبقاش الطفل الضعيف ده تاني.
لكن وهو واقف قدام أبو مريم… فهم لأول مرة إنه طول عمره بيعاقب العالم كله على خوف طفل صغير جواه.
خرج بسرعة من الأوضة. سارة جريت وراه بقلق: — دكتور؟
أدهم خد نفسه بالعافية. وقال: — كملي تحضير العمليات… أنا جاي.
لكن إيده كانت بتترعش.
وفجأة سمع صوت هادي وراه: — لو هتدخل خايف… البنت هتموت.
لف بسرعة.
نجوى.
كانت واقفة في آخر الممر. لابسة هدوم بسيطة ومعاها ترمس شاي صغير.
أدهم اتفاجئ: — حضرتك رجعتي؟
قالت بهدوء: — يوسف فاق من يومين… جيت أطمن عليه.
سكت ثانية. ثم بصت لإيده المرتعشة.
— إنت مش خايف من العملية… إنت خايف تفشل.
الجملة ضربته مباشرة.
قال بعصبية خفيفة: — يعني إيه؟
نجوى قربت ببطء. وقالت: — الناس اللي فقدت حد… يا بيبقوا أحن ناس في الدنيا… يا أقسى ناس فيها.
بلع ريقه بصعوبة.
هي عرفت.
عرفت من غير ما يقول حاجة.
قال بصوت منخفض: — أمي ماتت في الطوارئ.
نجوى سكتت.
أدهم ضحك ضحكة قصيرة مكسورة: — كنت طفل… والدكتور حتى ما بصليش.
نجوى بصتله بعين هادية جدًا: — ومن ساعتها قررت تبقى الدكتور اللي محدش يقدر يرفضه.
حس إنه متعرّي قدامها.
كأنها شايفة كل حاجة مستخبية جواه.
قال: — بس واضح إني بقيت نسخة منه.
نجوى هزت راسها بهدوء: — لا… لأنك لسه حاسس بالذنب.
سكت. ثم سألت: — البنت جوا محتاجة إيه دلوقتي؟
رد تلقائيًا: — جراحة فورية.
— يبقى ادخل أنقذها… وبعدها حاسب نفسك براحتك.
بص لها لحظة طويلة. ثم لف ودخل العمليات.
أربع ساعات كاملة.
الدنيا كانت واقفة برا. أبو مريم قاعد على الأرض بيقرأ قرآن وبيعيط. وأمها حرفيًا مش قادرة توقف رعشة جسمها.
سارة خرجت مرتين بدموع من الضغط. لكن نجوى كانت قاعدة هادية على الكرسي البلاستيك. ماسكة السبحة. وتهمس بدعوات خافتة.
وأخيرًا…
باب العمليات اتفتح.
أدهم خرج. وشه شاحب ومتغرق عرق. لكن أول ما الأب جري عليه… قال:
— بنتك هتعيش.
الراجل انهار من البكا. ومسك إيد أدهم يبوسها.
أدهم اتوتر وسحب إيده بسرعة. لكن الأب فضل يعيط ويقول: — ربنا يجبر بخاطرك يا دكتور… ربنا يرحم أمك اللي خلفتك.
الجملة وقفت الزمن للحظة.
أدهم حس قلبه اتقبض بعنف.
“يرحم أمك.”
كأنه دعاء متأخر وصل بعد سنين.
لف تلقائيًا يدور على نجوى.
لكنها كانت واقفة بعيد. مبتسمة ابتسامة صغيرة.
كأنها عارفة إن اللحظة دي كانت محتاجاها أكتر منه.
من بعدها… نجوى بقت تيجي المستشفى كل يوم تقريبًا.
مش شغل رسمي. ولا مرتب. ولا منصب.
كانت بس تمشي بين الأوض. تطمن على المرضى. وتساعد الممرضات الصغيرة.
الغريب إن الناس كلها بقت ترتاح أول ما تشوفها.
حتى الأطفال.
كان فيه ولد صغير عنده سرطان اسمه زياد. رافض العلاج تمامًا. بيكسر الأجهزة ويزعق لأي حد يقرب منه.
لكن أول ما نجوى دخلت أوضته… الولد سكت.
بصلها شوية. ثم قال: — إنتي شبه تيتة.
ضحكت بهدوء: — دي شتيمة ولا مجاملة؟
الولد ابتسم لأول مرة من أيام.
ومن ساعتها… ماكانش بياخد العلاج غير منها.
كانت تحكيله حواديت عن الجنود. وتخليه يضحك. وتخبيله شوكولاتة في جيبها.
مرة أدهم وقف يسمعها وهي بتقوله: — البطل مش اللي عمره ما يخاف… البطل اللي يخاف ويكمل.
الجملة دخلت قلبه بشكل غريب.
لأنه بدأ يكتشف إن الست دي… بتداوي الأرواح أكتر من الأجسام.
وفي ليلة هادية… كان القسم شبه فاضي.
أدهم دخل أوضة الاستراحة لقى نجوى قاعدة لوحدها. قدامها كوب شاي برد.
قال: — حضرتك عمرك ما نمتي كويس؟
ضحكت بخفة: — من ساعة الحرب تقريبًا.
قعد قدامها. وبعد تردد طويل قال: — يوسف قالي إنك خدتي وسام جمهورية.
هزت راسها: — أخدته وحطيته في الدرج.
— ليه؟
بصت للشباك شوية. ثم قالت: — الوسام ما رجعليش ابني.
الصمت نزل بينهم.
ثم فجأة قالت: — تعرف أكتر حاجة وجعتني؟
أدهم رفع عينه ليها.
— إن بعد كل اللي عملته… لما كبرت شوية وبقت إيدي فيها رعشة… الناس بصتلي كأني انتهيت.
صوتها كان ثابت. لكن عينيها كانوا مليانين وجع قديم.
— الإنسان عندنا طول ما هو قوي الكل يحترمه… أول ما يضعف شوية يحسسك إنك عبء.
أدهم حس بالخجل تاني.
لأنه كان واحد من الناس دي.
نجوى ابتسمت بحزن: — عارف يا أدهم… أكتر حاجة بتخوفني مش الموت.
— أومال إيه؟
— إني أموت منسية.
الجملة علقت في قلبه بشكل مرعب.
وفي الليلة دي… لما رجع بيته… ماعرفش ينام.
فضل يفكر فيها.
في ست دفنت ابنها. وأنقذت عشرات. وخدت أوسمة. وفي الآخر الناس ضحكت على رعشة إيديها.
تاني يوم… أدهم عمل حاجة محدش توقعها.
دخل اجتماع إدارة المستشفى. وقال: — عندي طلب رسمي.
المدير بصله باستغراب: — خير؟
أدهم فرد ملف قديم على الترابيزة.
— عايز أعمل وحدة تدريب طوارئ باسم العميد نجوى سالم.
الدكاترة بصوا لبعض بدهشة.
واحد منهم قال: — بس هي حتى مش شغالة هنا رسمي.
أدهم رد بثبات: — يبقى ده عيب فينا إحنا.
المدير سكت شوية. ثم قال: — وإيه سبب التكريم المفاجئ ده؟
أدهم بص لهم كلهم وقال: — لأننا بقينا نحترم الورق أكتر من البشر… ودي أول مرة أقابل فيها حد يستحق فعلًا.
الكلام انتشر في المستشفى كلها خلال ساعات.
الممرضات كانوا فرحانين بشكل غريب. وسارة عيطت فعلًا لما سمعت.
لكن نجوى…
رفضت.
قالت لأدهم بهدوء: — مش عايزة اسمي يتحط على حيطان.
اتوتر: — بس حضرتك تستحقي.
ابتسمت: — لو فعلًا عايز تكرمني… عامل الممرضات اللي صغيرين باحترام.
سكت.
ثم كملت: — أصل المستشفى اللي تخلي الناس تخاف تغلط… عمرها ما هتعالج حد.
الكلمات فضلت ترن في ودنه أيام.
وبدأ فعلًا يتغير.
بقى يسمع. بقى يشرح بهدوء. بقى لو ممرضة غلطت يعلمها بدل ما يهينها.
لدرجة إن القسم كله بدأ يتنفس براحة لأول مرة.
لكن الحياة ما بتديش حد سلام كامل.
بعد شهر تقريبًا…
نجوى ماجتش.
اليوم الأول الكل قال أكيد تعبانة.
اليوم التاني… سارة قلقت.
أما اليوم التالت… أدهم بنفسه راح بيتها.
شقة قديمة هادية في مصر الجديدة. الدور الرابع من عمارة عتيقة.
خبط الباب كتير. مفيش رد.
قلبه بدأ يدق بسرعة.
لحد ما البواب قال بتوتر: — مدام نجوى من امبارح محدش شافها.
أدهم حس خوف غريب.
كسر الباب بمساعدة البواب.
ودخل.
الشقة كانت هادية جدًا.
ريحة دوا خفيفة. وصور قديمة على الحيطان. وصوت قرآن شغال واطي من الراديو.
ولقاها.
واقعة جنب الكنبة.
فاقدة الوعي.
أدهم جرى عليها برعب: — مدام نجوى!
نبضها كان ضعيف جدًا.
وعلبة دوا القلب واقعة جنبها.
في اللحظة دي… ولأول مرة من سنين طويلة…
أدهم حس بنفس الرعب الحقيقي اللي حسه وهو طفل صغير قدام سرير أمه.
لكن المرة دي…
ماهربش.
يتبع
