زين مالك وداليدا مراد اسما السيد ×3

داليدا فضلت باصة للصندوق الخشبي كأنها شايفة جزء من طفولتها راجع قدامها بعد سنين طويلة. إيديها كانت بترتعش وهي بتمدها ناحية الصندوق، لكن قبل ما تلمسه رجعتها بسرعة وقالت بصوت مهزوز: “إيه اللي جواه؟” أم نعيمة هزت رأسها وقالت: “والله ما أعرف. الست ليلى الله يرحمها سلمتهولي قبل اللي حصل بساعات، وقالتلي مهما حصل ما تفتحيهوش، ولو أنا مت أو اختفيت، سلمي الصندوق لبنتي أول ما تتأكدي إنها بقت بعيدة عن أبوها.” داليدا ضحكت ضحكة كلها وجع وقالت: “بعيدة عنه؟ أنا عمري ما كنت بعيدة عنه، حتى النهارده وهو مش موجود هنا، حاسس بكل نفس باخده.” أم نعيمة مسكت إيدها وقالت: “علشان كده اتأخرت. كنت مستنية اليوم اللي يخرجك فيه من بيته أي سبب.” داليدا نزلت دموعها لأول مرة من غير ما تحاول تخبيها، لأنها افتكرت أمها، وافتكرت الليلة اللي ماتت فيها، وافتكرت الست دي وهي بتحضنها وهي طفلة وتقولها كل كابوس وله نهاية، لكنها يومها اختفت، وسابت الكابوس يكبر لوحده. قالت بصوت مكسور: “افتكرتك موتي.” أم نعيمة مسحت دموعها وقالت: “مراد حاول يقتلني، لكن ربنا كتبلي عمر جديد. هربت وسافرت سنين، وكل يوم كنت أتابع أخبارك من بعيد، وكل مرة أشوف صورتك مع أبوكي في الجرايد كنت أبكي، لأن الناس كلها كانت فاكرة إنك عايشة في نعيم، وهما ميعرفوش إنك كنتي بتنامي كل ليلة على خوف.” قبل ما داليدا ترد، سمعوا صوت عربية وقفت قدام الفيلا. قامت بسرعة ناحية الشباك، ولما شافت عربية زين داخلة من البوابة، تنفست لأول مرة من ساعة ما خرج. بعد ثواني كان زين داخل الصالون، لكن أول ما لمح الست الكبيرة وقف مكانه مستغرب. أم نعيمة قامت تبصله وقالت: “إنت زين مالك؟” هز رأسه وقال: “أيوه.” قربت منه وقالت وهي بتبص في وشه كويس: “ملامح أبوك لسه فيك.” استغرب أكتر وقال: “إنتي تعرفي أبويا؟” ابتسمت بحزن وقالت: “أبوك كان أشرف راجل اشتغلت معاه أيام زمان قبل ما أروح أشتغل عند مراد فؤاد.” اتغيرت ملامح زين، لأنه لأول مرة يسمع اسم أبوه مرتبط بمراد. قال بسرعة: “إنتي تعرفي إيه عن كريم؟” أم نعيمة بصت ناحية الصندوق وقالت: “كل الإجابات اللي بتدور عليها هناك.” مد زين إيده علشان ياخده، لكن داليدا وقفت قدامه وقالت بحدة: “استنى.” بص لها باستغراب، فقالت: “أمي ماتت علشان الصندوق ده، ومش هيتفتح بالطريقة دي.” سألها: “تقصدي إيه؟” قالت: “لو أبويا فضل مراقبنا، أكيد عامل حساب إنه هيقع في إيدينا. مراد عمره ما يسيب حاجة للصدفة.” سكت زين لحظة، وبعدين قال: “معاكي حق.” أخد الصندوق وقلبه بين إيديه، لقى فيه قفل نحاس صغير، لكن الغريب إنه من غير مكان مفتاح. قلبه من كل ناحية، فلاحظ علامة محفورة في القاع، كانت نجمة صغيرة جوه دائرة. أول ما داليدا شافتها شهقت وقالت: “العلامة دي.” زين رفع عينه وقال: “تعرفيها؟” هزت رأسها وقالت: “كانت متعلقة في سلسلة أمي، وكانت عمرها ما تخلعها.” أم نعيمة قالت بسرعة: “السلسلة دي مراد خدها بعد موتها.” سكتوا كلهم، لأن المعنى كان واضح، مفتاح الصندوق متعلق في حاجة مع مراد نفسه. زين ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: “يبقى لازم نزوره.” داليدا بصتله بصدمة وقالت: “إنت مجنون؟” رد بثبات: “أنا مش هروح أقتله، أنا هروح أسرق منه اللي يخصنا.” أم نعيمة هزت رأسها وقالت: “لو دخلت بيت مراد، يا ابني، لازم تبقى عارف إن البيت نفسه مليان رجالة وسل..اح وكاميرات.” زين قال: “كل مكان ليه نقطة ضعف.” داليدا قربت منه وقالت: “وأبويا نقطة ضعفه الوحيدة إنه عمره ما بيثق في حد، حتى رجالته.” زين سألها: “يعني؟” قالت: “كل أوضة في بيته ليها مفتاح مختلف، وكل خزانة ليها رقم مختلف، وحتى المكتب بتاعه بيفتح ببصمة إيده.” زين فضل ساكت ثواني وهو بيفكر، وفجأة افتكر حاجة. قال: “حفلة الجمعية الخيرية الأسبوع الجاي.” داليدا بصتله وقالت: “مالها؟” قال: “مراد هيحضرها، صح؟” هزت رأسها وقالت: “بيحضرها كل سنة.” ابتسم وقال: “يبقى البيت هيبقى فاضي إلا من الحراسة.” داليدا ردت بسرعة: “مستحيل، هو دايمًا بيسيب ابنه سليم في البيت.” اتجمد زين مكانه وقال: “ابنه؟” قالت: “أيوه.” عقد حاجبيه وقال: “أنا أعرف إنك بنته الوحيدة.” نزلت عينيها وقالت: “ده اللي الناس تعرفه.” قال باستغراب: “يعني إيه؟” أخدت نفس عميق وقالت: “مراد عنده ابن أكبر مني بثلاث سنين، اسمه سليم، لكن مخبيه عن كل الناس.” زين اتفاجأ وقال: “ليه؟” قالت: “لأنه مريض نفسي من وهو صغير، وعنيف جدًا، وأبويا كان بيعتبر وجوده نقطة ضعف، فحبسه طول عمره جوه الفيلا القديمة، محدش يشوفه، ومحدش يعرف عنه حاجة.” أم نعيمة قالت وهي تبص لزين: “وسليم ده أخطر من أبوه ساعات، لأنه بينفذ أي أمر من غير ما يسأل.” وقبل ما حد فيهم يتكلم، دوى صوت انفجار عنيف هز الفيلا كلها، واتكسر إزاز الشبابيك في لحظة، وانطفت الأنوار، ووسط الظلام سمعوا صوت رصاص جاي من ناحية البوابة الرئيسية، ثم صرخة أحد الحراس وهو بيصرخ بأعلى صوته: “يا باشا… هجموا علينا.”
أول طلقة خلت الصالون كله يهتز، وبعدها بثواني اتسمع وابل متواصل من الرصاص من ناحية البوابة الرئيسية. زين جذب داليدا من إيدها غريزيًا وأنزلها وراه الكنبة الكبيرة وهو بيصرخ في أم نعيمة: “انزلي على الأرض.” الست الكبيرة وقعت على ركبها وهي ضامة الصندوق الخشبي لصدرها بكل قوتها، كأنها لو سابته هتضيع روح ليلى للمرة التانية. زين طلع مسد..سه بسرعة واتصل برئيس الحراسة، لكن الخط كان مقطوع. جرب رقم تاني وثالث، نفس النتيجة. بص ناحية داليدا وقال: “شبكة الفيلا كلها متعطلة.” هزت رأسها بخوف وقالت: “دي أول حركة بيعملها أبويا قبل أي هجوم.”

في الخارج كان صوت العربيات بيتزايد، وفرامل حادة اتسمعت قدام البوابة، بعدها انفجار أصغر، ثم صوت الحديد وهو بيتكسر. أحد الحراس جري ناحية مدخل الفيلا وهو بينزف من كتفه، وقبل ما يوصل للباب وقع على الأرض. زين اندفع ناحيته وفتحه بسرعة وسحبه لجوه، ثم قفل الباب الحديدي مرة تانية. الحارس كان بيتنفس بالعافية وقال: “يا باشا… حوالي عشر عربيات… كلهم ملثمين… استخدموا قنابل دخان… وفيه ناس من جوه ساعدتهم.”

زين ثبت عينيه فيه وقال: “من جوه؟”

هز الحارس رأسه بصعوبة وقال: “حد فتح البوابة الإلكترونية بإذن دخول صحيح… يعني فيه خيانة.”

الكلمة نزلت تقيلة على زين. بص بسرعة في شاشة المراقبة الاحتياطية الصغيرة، لكن معظم الكاميرات كانت سودا. كاميرا واحدة بس كانت شغالة، بتبين جزء من الجنينة، وفيها ظل راجل واقف بعيد تحت شجرة كبيرة، لابس بدلة سوداء، وما بيتحركش.

داليدا قربت من الشاشة، وما إن شافت الظل حتى شهقت وقالت: “لا… مستحيل.”

زين بص لها بسرعة وقال: “تعرفيه؟”

همست وهي وشها اصفر: “ده مش واحد من رجال أبويا… ده سليم.”

سكت زين لحظة وقال: “أخوكي.”

هزت رأسها ببطء وهي بتبص للشاشة: “أنا آخر مرة شفته كان عندي خمستاشر سنة.”

على الشاشة رفع الرجل رأسه ببطء، وكأنه حاسس إنهم بيتفرجوا عليه، وبعدها ابتسم ابتسامة باردة، ورفع إيده بإشارة صغيرة.

في اللحظة نفسها انطفت آخر كاميرا.

الفيلا غرقت في ظلام كامل.

اتسحب نفس داليدا، لأنها كانت عارفة الإشارة دي.

الإشارة دي كان سليم بيعملها قبل ما يبدأ أي لعبة وهو طفل.

وكان دايمًا بعدها حد بيتأذي.

زين فتح درج جانبي بسرعة، طلع كشاف صغير وأسلحة إضافية، ورمى واحد للحارس وقال: “تقدر تقف؟”

الحارس حاول يقوم وهو بيتألم وقال: “أقدر يا باشا.”

زين بص لداليدا وقال: “فيه مخرج سري من الفيلا؟”

هزت رأسها بالنفي.

لكن أم نعيمة قالت فجأة: “فيه.”

كلهم بصوا لها.

قالت: “الفيلا دي كانت بتاعة والد زين قبل ما يبيعها من سنين. تحت السلم الرئيسي فيه باب مخفي يوصل لنفق قديم كان معمول للطوارئ.”

زين اتفاجأ وقال: “أنا عشت هنا سنين ومحدش قالي.”

ابتسمت أم نعيمة بحزن وقالت: “لأن حتى أبوك ماكانش بيستخدمه.”

وقبل ما يكملوا الكلام، دوى صوت ارتطام عنيف في الباب الرئيسي.

ضربة.

وبعدها ضربة تانية.

ثم التالتة.

الخشب السميك بدأ يتشقق.

زين أشار للحارس يتحرك ناحية السلم، بينما هو وقف قدام الباب رافع سلا..حه.

الضربة الرابعة كسرت جزءًا من الباب.

ومن الفتحة الصغيرة ظهر ضوء ليزر أحمر بيتحرك على الحائط.

قناص.

زين رمى نفسه بسرعة على الأرض قبل ما الطلقة تخترق المكان اللي كان واقف فيه بثانية واحدة.

الرصاصة دخلت في اللوحة الكبيرة المعلقة على الحائط، وانفجرت قطع الزجاج في كل الاتجاهات.

داليدا صرخت وهي بتغطي وشها.

زين زحف بسرعة لحد طرف الحائط وهو بيصرخ: “انزلوا تحت السلم دلوقتي.”

أم نعيمة جرت وهي حاضنة الصندوق، وداليدا ساعدتها.

وصلوا للسلم، وبدأوا يدوروا على الباب السري.

كانت إيديهم بتتحسس الخشب والحائط بسرعة وسط أصوات الرصاص اللي بقت أقرب.

وفجأة ضغطت أم نعيمة على قطعة خشب صغيرة بارزة.

طلع صوت “تك”.

وبدأ جزء من الحائط يتحرك ببطء.

وراءه ظهر ممر ضيق غارق في الظلام.

لكن قبل ما يدخلوا…

سمعوا صوت هادئ جاي من مدخل الفيلا.

صوت راجل بيضحك.

ثم قال بثقة:

“مساء الخير يا داليدا… بقالنا سنين ما اتقابلناش.”

عرفت الصوت من أول كلمة.

اتجمد الدم في عروقها.

وهمست وهي بتبص ناحية الباب المفتوح:

“سليم.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *