طفلتي حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الرابع
في نفس اليوم… كانت أخبار السوق كلها بتتكلم عن حاجة واحدة… استقالة كريم النجار. رجال الأعمال كانوا مستغربين… إزاي الراجل اللي كان بيعتبر العقل الحقيقي للشركة يسيبها فجأة؟ لكن اللي ماحدش كان يعرفه… إن الأزمة لسه ما بدأتش.
الساعة اتناشر الضهر… رن تليفون الحاج عبدالعظيم.
كان المتصل مدير أكبر شركة استيراد كانوا متعاقدين معاها من أكتر من عشر سنين.
رد الجد بثقة وقال: “أهلاً يا باشمهندس.”
لكن الرد ماكنش زي كل مرة.
“آسف يا حاج… إحنا قررنا نوقف تجديد العقد.”
اتكدر وشه.
“ليه؟”
رد الراجل بهدوء: “بكل صراحة… إحنا كنا بنتعامل مع كريم… مش مع الاسم.”
وقفل الخط.
لسه حاطط الموبايل…
رن تاني.
وبعدين تالت.
ورابع.
كلهم نفس الكلام.
عقود بتتلغي.
واجتماعات بتتأجل.
وشركات بتطلب إعادة التفاوض.
لأول مرة…
الحاج عبدالعظيم حس إن الكرسي اللي قاعد عليه بيتسحب من تحته.
في الناحية التانية…
كان كريم في مقر شركته الجديدة.
الموظفين استقبلوه بتصفيق.
لكن أول طلب طلبه…
ماكانش مكتب جديد.
ولا عربية.
قال للمدير المالي:
“عايز أول مشروع للمسؤولية المجتمعية.”
استغرب المدير.
“حضرتك تقصد إيه؟”
ابتسم كريم.
وقال:
“هنعمل مبادرة اسمها «حقها تفرح».”
“كل عيد…
هنوزع ألعاب جديدة على البنات والأولاد…
من غير أي تفرقة.”
المدير ابتسم.
وقال:
“فكرة جميلة.”
رد كريم وهو بيفتكر مريم:
“دي مش فكرة…
دي وعد.”
بعد أسبوع…
كانت مريم راجعة من المدرسة.
جريت على أبوها.
وقالت وهي فرحانة:
“بابا… المدرسة طلبت نرسم الشخص اللي بنعتبره بطل.”
ابتسم.
وقال:
“ورسمتي مين؟”
طلعت الورقة.
كان فيها راجل ماسك إيد بنت صغيرة.
وخلفهم حصان.
واحد مكسور…
وواحد جديد.
تحت الرسمة…
كاتبة بخط طفولي:
“بابا… علمني إن البنت تستحق أحسن حاجة.”
كريم مقدرش يمسك دموعه.
حضنها بقوة.
وقال:
“وأنا كل يوم بتعلم منك.”
في نفس الوقت…
كان الحاج عبدالعظيم قاعد في مكتبه.
أول مرة المكتب يبقى هادي بالشكل ده.
دخل عليه أحمد.
وقال:
“إحنا لازم نكلم كريم.”
رد بعناد:
“مستحيل.”
أحمد قرب منه.
وقال:
“يا بابا…
إحنا مش بنخسر فلوس بس.”
“إحنا خسرنا ابنك.”
سكت الجد.
لأول مرة…
افتكر اليوم اللي كريم كان طفل صغير.
كان كل ما يجيب شهادة تقدير…
يجري عليه يقول:
“بص يا بابا.”
وهو…
كان يقوله:
“المرة الجاية ابقى الأول.”
عمره ما حضنه.
ولا قاله:
“أنا فخور بيك.”
ولما كبر…
بقى بياخد تعبه على إنه واجب.
أما مريم…
فكانت أول حفيدة تكسر القاعدة اللي عاش بيها عمره…
لأنها خلته يواجه الحقيقة.
بعد شهر…
وصلت للحاج عبدالعظيم دعوة.
افتح الظرف.
لقى كارت بسيط.
مكتوب فيه:
“تشرفت بدعوتكم لحضور افتتاح مؤسسة «حقها تفرح» لدعم الأطفال.”
وفي آخر الكارت…
جملة واحدة.
“كل الأطفال… يستحقوا نفس الفرحة.”
عرف فورًا…
إن اللي بعتها…
كريم.
فضل ماسك الكارت دقايق طويلة.
وبعدين بص على الحصان البلاستيك المكسور…
اللي كان أحمد أخده من الفيلا يوم العيد…
وحطه على مكتبه من غير ما حد ياخد باله.
أخده بين إيديه…
ولأول مرة في حياته…
بكى.
لأنه فهم…
إنه ماكسرش لعبة بنت صغيرة…
هو كسر قلب حفيدته…
وخسر ابنه في نفس اللحظة.
مر أسبوعين… والحاج عبدالعظيم ماكانش بيفارق الحصان المكسور. كل يوم يحطه قدامه على المكتب… ويبص له لدقايق طويلة… كأنه أول مرة يشوفه. الموظفين استغربوا… والرجل اللي طول عمره معروف بالقسوة والقرارات الحاسمة… بقى يقفل باب مكتبه بالساعات من غير ما يطلب يشوف حد. أما أحمد، أخو كريم، فكان أول واحد يحس إن أبوه اتغير. دخل عليه يوم وقال: “إيه اللي شاغل بالك يا بابا؟” رد الجد وهو بيلف الحصان بين إيديه: “عمرك شفت لعبة تعمل في راجل كبير كده؟” أحمد ابتسم بحزن وقال: “دي مش لعبة… دي غلطة.” سكت الجد، وبعد لحظة قال: “أنا كنت فاكر إني بربي رجالة… طلعت بكسرهم.”
في الناحية التانية، كانت مؤسسة “حقها تفرح” بدأت شغلها. أول احتفال اتعمل كان في دار أيتام كبيرة. كريم رفض يقعد على المنصة، ونزل بنفسه يوزع الألعاب على الأطفال. كان كل طفل بياخد نفس الهدية… ولد أو بنت… من غير أي فرق. مريم كانت ماشية جنبه، وكل ما تدي لعبة لطفلة، تقول لها بابتسامة: “دي ليكي… علشان البنات يستحقوا أحسن حاجة.” الصحفيين كانوا بيصوروا، لكن كريم طلب منهم يركزوا على الأطفال، مش عليه.
بعد الحفل، جريت طفلة صغيرة ناحية مريم، وقالت لها: “إنتي صاحبة الفكرة؟” ضحكت مريم وقالت: “لأ… بابا هو اللي قال إن كل الأطفال زي بعض.” الطفلة حضنتها، وفي اللحظة دي حس كريم إن القرار اللي أخده يوم العيد كان أغلى قرار في حياته.
في نفس الوقت، كانت شركة العيلة بتدخل أصعب أزمة مرت عليها. أكتر من مدير استقال، وعدد من العملاء نقلوا شغلهم لشركات تانية. مجلس الإدارة بدأ يضغط على الحاج عبدالعظيم، وكلهم كانوا بيقولوا نفس الجملة: “لازم ترجع كريم.” لكنه كان يرفض، رغم إنه في داخله كان عارف إنهم معاهم حق.
وفي ليلة هادئة، فتح الجد درج مكتبه القديم، وطلع ألبوم صور. أول صورة كانت لكريم وهو عنده سبع سنين، واقف ماسك أول شهادة تقدير أخدها في المدرسة. افتكر اليوم ده كويس… كريم فضل يجري وراه في البيت كله علشان يبص على الشهادة، وهو وقتها قال له: “دي حاجة عادية… لما تكبر ابقى حقق حاجة بجد.” قفل الألبوم وهو بيتمتم: “ولا مرة قلتله إني فخور بيه.”
تاني يوم الصبح، أخد العربية من غير سواق، ومن غير ما يبلغ حد، واتجه ناحية بيت كريم. أول ما وصل، وقف قدام الباب أكتر من خمس دقايق، مش قادر يرن الجرس. لأول مرة في حياته، رجل الأعمال اللي الكل بيخاف منه… كان خايف من رد فعل ابنه.
في اللحظة دي، خرجت مريم تجري في الجنينة وهي بتلعب. أول ما شافته، وقفت مكانها. بصت له شوية، وبعدين قربت بحذر. كان الحصان المكسور في إيده. نزل الجد على ركبته قدامها، ومد اللعبة ناحيتها، وقال بصوت مهزوز: “أنا جيت أرجعه لصاحبته… وأقول لها إني غلطت.”
مريم بصت للحصان، وبعدين بصت في وش جدها. سألته ببراءة: “يعني… إنت بقيت بتحب البنات؟”
السؤال كان بسيط…
لكن وقع على قلب عبدالعظيم كان أقوى من أي خسارة فلوس عرفها في حياته.
نزلت دموعه من غير ما يحاول يخبيها، وقال: “أيوه يا مريم… واتعلمت الدرس متأخر… بس اتعلمته.”
وفي اللحظة دي، فتح كريم باب البيت، وشاف أبوه راكع قدام بنته لأول مرة في عمره.
فتح كريم الباب… واتجمد مكانه. لأول مرة في حياته يشوف أبوه راكع قدام مريم. لا كان بيتخانق… ولا بيزعق… ولا بيصدر أوامر. كان مجرد راجل كبير السن… عينيه مليانة ندم. مريم بصت لأبوها وقالت: “بابا… جدو بيعيط.” كريم فضل واقف ثواني من غير ما يتحرك. سنين طويلة كان مستني فيها كلمة اعتذار من أبوه… لكنه لما شافها قدامه… حس إن قلبه مش عارف يفرح ولا يزعل. قام الحاج عبدالعظيم من على الأرض ببطء… ومد الحصان المكسور ناحية كريم وقال: “أنا ظلمتك قبل ما أظلمها… ويمكن ربنا بعتلي البنت دي علشان يوريني أنا كنت غلطان قد إيه.” كريم أخد نفس طويل وقال: “الجرح مش بيتعالج بكلمة يا بابا.” هز الجد راسه وقال: “عارف… وعشان كده مش جاي أطلب تسامح… جاي أتحمل نتيجة اللي عملته.”
دعاهم كريم يدخلوا. قعدوا في الجنينة… نفس الجنينة اللي كان كريم زمان بيجري فيها وهو صغير. فضل الصمت مسيطر عليهم كام دقيقة. فجأة خرجت سارة بصينية شاي وحطتها قدامهم. رغم كل اللي حصل… ما حبتش تكسر احترام الكبير. بص لها الحاج عبدالعظيم وقال: “سامحيني يا بنتي… أنا ظلمتك إنتي كمان.” ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: “اللي فات عند ربنا… المهم اللي جاي.”
بص الجد لكريم وقال: “الشركة بتقع.” رد كريم بهدوء: “كنت متوقع.” قال: “العملاء بيمشوا… والمديرين بيستقيلوا… وأنا لأول مرة عرفت إن الفلوس لوحدها ما بتبنيش نجاح.” سكت لحظة وبعدين قال: “كنت فاكر إني أنا اللي شايل الشركة… طلع إنت اللي كنت شايلها… وساكت.”
كريم ما ردش. كان سايب أبوه يطلع كل اللي جواه. أكمل الجد: “أنا عمري ما شكرتك… ولا مرة حضنتك… حتى يوم نجحت في الجامعة قلتلك ده واجب… ويوم كبرت وبقيت سبب نجاح الشركة قلت ده شغلك… كنت بخاف تدلع… فضيعت ابني بإيدي.”
مريم كانت قاعدة تسمع الكلام من بعيد. قامت فجأة وجريت جوه البيت. رجعت بعد دقيقة شايلة ورقة وألوان. قعدت على الأرض وفضلت ترسم. بعد شوية قامت وراحت لجدها ومدتله الرسمة. كانت رسمة بسيطة… فيها راجل كبير ماسك إيد راجل أصغر… وبينهم بنت صغيرة ماسكة إيد الاتنين. فوق الرسمة كتبت بخطها الطفولي: “العيلة لما تتصالح.”
بص الجد للرسمة… وانفجر في البكاء. حضن مريم وقال: “إنتي قلبك أنضف مننا كلنا.”
بعدها بأيام قليلة… حصل اجتماع طارئ لمجلس إدارة شركة العيلة. كل الأعضاء كانوا موجودين. دخل الحاج عبدالعظيم لأول مرة من غير هيبته المعتادة. وقف قدامهم وقال: “قبل أي قرار… عندي إعلان.” الكل سكت. قال: “أنا هتنحى عن رئاسة مجلس الإدارة.” اتصدموا كلهم. أخته وقفت وقالت: “إزاي؟” رد: “لأن اللي كان فاكر نفسه بيعرف كل حاجة… اكتشف إنه كان أعمى.”
وبعدين كمل: “ومن النهارده… مفيش أي تفرقة في عيلتنا بين ولد وبنت… ولا في الشركة… ولا في الورث… ولا في أي حق.” اعترض بعض أفراد العيلة… لكن لأول مرة ما سمعش كلام حد. قال بحزم: “أنا اللي غرست الفكر ده… وأنا اللي هشيله قبل ما أموت.”
رجع البيت في نفس الليلة… طلب يشوف المحامي الخاص بالعيلة. قال له: “عايز أعدل كل الوصايا والعقود.” المحامي استغرب وقال: “حضرتك متأكد؟” رد: “أول مرة في حياتي… أبقى متأكد.”
وفي صباح يوم الجمعة… كان كريم ومريم رايحين يحضروا افتتاح فرع جديد لمؤسسة “حقها تفرح”. أول ما وصلوا… اتفاجأوا بالحاج عبدالعظيم واقف وسط الأطفال. مش لابس بدلته الغالية… ولا حواليه حرس. كان بنفسه بيوزع الألعاب على الأطفال. وكل ما ييجي لطفلة… يديها اللعبة بإيده ويقول بابتسامة: “دي ليكي يا بطلة… من غير ما حد يقول إنك أقل من أي حد.”
وقف كريم من بعيد يتفرج… وابتسم لأول مرة وهو شايف أبوه بيتغير… مش بالكلام… لكن بالفعل. أما مريم… فجريت على جدها وحضنته، وقالت بصوت كله فرحة: “شايف يا جدو… الحصان المكسور عمل حاجة حلوة أوي.”
يتبع
