عيون رائف حكـايـات أسمـا ×3

الجزء السابع

أول صوت رصاصة هز البيت كله.

بعدها بثانية واحدة، اتسمع وابل من الطلقات في الجنينة.

رجال الأمن انتشروا بسرعة، وكل واحد أخد مكانه، بينما رائف شدني لورا وقال بصوت حاسم:

“انزلي على الأرض.”

نفذت من غير ما أفكر.

قلبي كان بيدق بعنف لدرجة إني حسيت إنهم هيسمعوه.

بعد أقل من دقيقة، بقى الهدوء مخيف أكتر من صوت الرصاص.

أحد رجال الأمن دخل المكتب بسرعة وقال:

“اتنين هربوا… وواحد اتقبض عليه.”

رائف هز رأسه.

“دخلوه.”

بعد لحظات، دخلوا راجل لابس أسود، وإيده متكتفة ووشه كله تراب.

كان مصاب في كتفه، لكنه لسه بيبص حوالين المكان وكأنه بيدور على حاجة.

رائف وقف قدامه وقال:

“مين اللي باعتك؟”

الراجل سكت.

رائف كرر السؤال.

وبرضه ما ردش.

لكن أول ما عينه وقعت عليّ…

وشه اتغير.

وقال من غير ما يحس:

“هي…”

رائف لاحظ.

قرب منه خطوة.

“هي إيه؟”

الراجل بلع ريقه.

وحاول يسكت.

لكن واحد من رجال الأمن طلع من جيبه ظرفًا صغيرًا كان بيحاول يخبيه.

سلمه لرائف.

فتح الظرف.

كان فيه صورة.

ولما بصيت عليها…

إيدي اترعشت.

كانت صورتي.

صورة حديثة.

لابسة فيها نفس الفستان الفضي اللي كنت لابساه في الخطوبة.

يعني حد كان مراقبني…

لحد النهارده.

قلب رائف الصور.

كلها ليا.

واحدة وأنا داخلة الشركة.

واحدة وأنا خارجة من بيت بابا.

وواحدة وأنا قاعدة في عربية مع أحمد من أسبوع.

وفي آخر صورة…

كان فيه علامة حمرا حوالين رقبتي.

زي علامة تصويب.

رفعت عيني لرائف.

ما عرفتش أتكلم.

هو قفل الظرف بهدوء.

وبص للراجل.

“مين أمرك يجيبها؟”

الراجل ضحك فجأة.

رغم إنه كان متكتف.

وقال:

“إنت متأخر.”

رائف ضيق عينيه.

“يعني إيه؟”

رد وهو بيبتسم ابتسامة باردة:

“أحمد مجرد لاعب صغير.”

اتجمدت مكاني.

كل اللي حصل الليلة دي…

وكان مجرد لاعب صغير؟

رائف فضل ساكت.

واضح إنه كان بيفكر في نفس السؤال.

الراجل كمل:

“اللي طلب الملفات… مش أحمد.”

“واللي كان بيدور على البنت… برضه مش أحمد.”

حسيت إن أنفاسي بتتسارع.

قلت بصوت مرتعش:

“مين؟”

الراجل بصلي مباشرة.

وقال:

“اسألي والدك.”

الكلمة نزلت عليا كالصاعقة.

بصيت لرائف بسرعة.

“بابا؟”

رائف ما ردش.

لكن ملامحه قالت إنه هو كمان اتفاجئ.

في نفس اللحظة…

رن موبايل أحد رجال الأمن.

رد بسرعة.

ولونه اتغير.

بص لرائف وقال:

“يا فندم…”

“والد الآنسة لي لي وصل المستشفى من عشر دقائق.”

“لكن…”

رائف سأله بسرعة:

“لكن إيه؟”

الرجل أخفض صوته وقال:

“هو اللي طلب يقابل الآنسة فورًا…”

“وقال إنه قبل ما يموت… لازم يقولها الحقيقة اللي خباها عنها خمسة وعشرين سنة.”
الجزء الثامن

الكلمة الأخيرة وقعت على قلبي كأنها حجر.

“قبل ما يموت.”

ما حسيتش بنفسي غير وأنا بجري ناحية باب البيت.

رائف نادى عليا، لكني ما كنتش سامعة غير صوت واحد جوا دماغي.

بابا.

ركبت العربية، والطريق للمستشفى كان أطول طريق عدي عليا في حياتي.

كل إشارة مرور كانت بتحسسني إن الوقت بيسرق مني آخر فرصة أشوفه.

وأنا قاعدة في العربية، بدأت أفتكر حاجات صغيرة كنت دايمًا أعتبرها عادية.

إزاي بابا كان كل شوية يغير مكان سكننا.

إزاي كان يرفض أي شغل له علاقة برجال الأعمال.

وإزاي كل ما يشوف خبر عن أحمد عامر أو عيلته، كان يقفل التلفزيون من غير كلمة.

وصلنا المستشفى.

أول ما نزلت، جريت على الاستقبال.

الممرضة سألتني عن اسمي.

أول ما عرفته، بصت ورايا ناحية رائف، وبعدها قالت:

“هو مستنيكم.”

طلعنا الدور الرابع.

قدام أوضة العناية، وقفت دقيقة.

كنت خايفة.

خايفة أدخل ألاقيه مش قادر يتكلم.

وخايفة أكتر ألاقيه سبقني ورحل.

فتحت الباب بهدوء.

بابا كان نايم على السرير.

الأجهزة حواليه.

ووشه كان شاحب بشكل عمره ما كان عليه.

لكن أول ما شافني…

ابتسم.

نفس الابتسامة اللي كان بيستقبلني بيها وأنا صغيرة لما أرجع من المدرسة.

قربت منه بسرعة.

ومسكت إيده.

كانت ساقعة.

قال بصوت ضعيف:

“سامحيني يا لي لي.”

دموعي نزلت فورًا.

قلت:

“بابا… متتكلمش دلوقتي.”

هز راسه بالرفض.

“لازم تعرفي… لأن الوقت خلص.”

رائف وقف بعيد في آخر الأوضة.

وسابني معاه.

بابا أخد نفس طويل.

وقال:

“أنا ما كنتش مجرد شريك.”

استني شوية عشان يقدر يكمل.

“أنا كنت المؤسس الحقيقي للشركة.”

بصيت له بعدم استيعاب.

قال:

“أنا… ووالد أحمد… وواحد تالت.”

“إحنا التلاتة بدأنا من ورشة صغيرة.”

“لكن لما الشركة كبرت… الطمع كبر معاها.”

سكت لحظة وهو بيحاول ياخد نفسه.

“الشريك التالت… كان عايز يزور أوراق الملكية.”

“وأبو أحمد وافقه.”

“وأنا رفضت.”

“ومن الليلة دي… بقيت عارف إن حياتي في خطر.”

حاولت أمنعه يكمل.

لكنه ضغط على إيدي.

وقال:

“هربت بكل المستندات الأصلية.”

“مش علشان الفلوس.”

“علشان ما يسرقوش تعب سنين.”

بصلي بعينين مليانين وجع.

“لكنهم افتكروا إني خبيت ثروة.”

“ومن يومها… وهم بيدوروا ورايا.”

سألته وأنا ببكي:

“وأحمد قرب مني علشان المستندات؟”

قفل عينيه ثواني.

وبعدين فتحهم.

وقال:

“آه.”

“لكن أحمد ماكانش أخطر واحد.”

قلبي انقبض.

“أمال مين؟”

قبل ما يجاوب…

باب الأوضة اتفتح فجأة.

لفينا كلنا ناحية الباب.

دخل رجل لابس بالطو أبيض.

كل اللي في المستشفى افتكروه دكتور.

لكن أول ما رائف شافه…

شد مس*دسه في ثانية.

وصاح بأعلى صوته:

“ابعدوا عن السرير!”

الرجل ابتسم بهدوء.

وخلع البطاقة المعلقة في بالطوه.

وقال وهو بيبص مباشرة لوالدي:

“خمسة وعشرين سنة هروب… وانتهت أخيرًا.”

وفي اللحظة دي…

عرفت إن الكابوس الحقيقي…

لسه بدأ.
الجزء التاسع

اتجمدت مكاني وأنا ببص للراجل اللي لابس بالطو الدكتور.

ابتسامته كانت هادية بشكل يخوف.

ولا نقطة ارتباك.

ولا حتى استعجال.

كأنه داخل يزور مريض فعلًا.

لكن عيون رائف قالت كل حاجة.

رجال الأمن انتشروا قدام السرير في ثانية، بينما الراجل رفع إيديه بهدوء وقال:

“اهدى يا رائف… لو كنت جاي أقت*له، كنت عملتها قبل ما تدخلوا.”

رائف ما نزلش س*لاحه.

قال ببرود:

“قول اسمك.”

ابتسم الراجل.

“هتعرفه بعد دقيقة.”

والدي حاول يرفع راسه من على المخدة.

وأول ما شافه…

شهق.

لدرجة إن أجهزة القلب بدأت تصدر صوتًا أسرع.

قال بصوت متقطع:

“إبراهيم…”

الراجل هز رأسه.

“أخيرًا افتكرتني.”

بصيت بين الاتنين بعدم فهم.

قلت:

“مين ده يا بابا؟”

والدي قفل عينيه لحظة.

وكأنه كان بيتمنى اللحظة دي عمرها ما تيجي.

ثم قال:

“ده… الشريك التالت.”

حسيت إن الدنيا لفت بيا.

إبراهيم.

الاسم اللي بابا كان بيخاف حتى ينطقه.

الراجل قرب خطوة.

وقال وهو بيبص لوالدي:

“خمسة وعشرين سنة وأنا بدور عليك.”

“وسنين أكتر بدور على الملفات.”

ثم لف ناحيتي.

“لكن بصراحة… بنتك كانت أسهل طريق ليك.”

الكلمة دي خلت الدم يغلي في عروقي.

صرخت فيه:

“يعني أحمد كان شغال معاك؟”

ابتسم ابتسامة خفيفة.

“أحمد افتكر إنه بيلعب لوحده.”

“كان فاكر إنه هيجيب المستندات قبلي.”

“لكنه ما كانش يعرف إنه هو نفسه كان بيتراقب.”

رائف قال بحدة:

“يعني كنت بتستخدمه.”

إبراهيم رد بمنتهى البرود:

“كان بيوفر عليا وقت.”

سكت لحظة.

ثم أخرج من جيبه ريموتًا صغيرًا.

ضغط عليه.

وفي نفس الثانية…

رن موبايل رائف.

أحد رجال الأمن رد بسرعة.

لكن ملامحه اتغيرت.

بص لرائف وقال:

“يا فندم… البيت.”

رائف سأله:

“ماله؟”

الرجل رد:

“الصندوق الحديدي… اختفى.”

اتسعت عينايا.

مستحيل.

إحنا خرجنا من البيت وسيبنا عليه حراسة كاملة.

إزاي اختفى؟

إبراهيم ضحك لأول مرة.

وقال:

“كنتوا مركزين معايا…”

“ونسيتوا إن اللعبة بتتلعب بأكتر من لاعب.”

رائف بصله نظرة طويلة.

وبعدين قال:

“أنت ما أخدتش الصندوق.”

إبراهيم ابتسم.

“صحيح.”

“أنا أخدت اللي جواه.”

اتجمد والدي فوق السرير.

وقال بصوت ضعيف:

“مستحيل…”

إبراهيم قرب منه أكتر.

وقال:

“لما أخفيت الأوراق الأصلية، افتكرت إنك أذكى واحد.”

“لكنك نسيت إنك كتبت نسخة بخط إيدك.”

“والنسخة دي… بقت عندي.”

بصيت لوالدي.

لقيت دموعه نازلة لأول مرة في حياتي.

همس وهو بيبصلي:

“أنا السبب…”

“أنا اللي دخلتك في كل ده.”

مسكت إيده بقوة.

“لا يا بابا.”

لكنه هز رأسه.

وقال:

“لسه في ورقة واحدة.”

كل اللي في الأوضة سكت.

حتى إبراهيم.

والدي بصلي مباشرة.

وقال:

“الورقة الوحيدة اللي تثبت الحقيقة…”

“مش في البيت.”

سألته بسرعة:

“أمال فين؟”

ابتسم ابتسامة مرهقة.

وقال:

“أنا سلمتها لشخص واحد…”

ثم حول عينيه ببطء ناحية رائف الجوهري.

وقال:

“من خمسة عشر سنة…”

“وأنت حافظ الأمانة.”

في اللحظة دي…

بصيت لرائف.

ولأول مرة…

شفت الصدمة على وشه هو.

الجزء العاشر

فضلت أبص لرائف وأنا مستنية منه ينطق.

لكن المرة دي، كان هو اللي واقف ساكت.

أول مرة أشوفه متفاجئ بالشكل ده.

قال بهدوء وهو بيقرب من سرير والدي:

“حضرتك فاكر كويس؟”

ابتسم والدي ابتسامة ضعيفة.

وقال:

“أنا عمري ما نسيت الليلة دي.”

“كنت لسه شاب صغير… عندك خمسة وعشرين سنة.”

“وأبوك كان لسه عايش.”

“وجيتلي بنفسك.”

رائف نزل بعينه في الأرض للحظات.

واضح إنه بدأ يفتكر.

أما أنا…

فكنت حاسة إني بتعرف على شخص جديد.

أنا طول الوقت كنت فاكرة إن رائف دخل حياتي الليلة دي.

لكن الحقيقة…

كان موجود من سنين.

والدي كمل بصوت متعب:

“لما عرفت إن إبراهيم رجع يدور عليا… فهمت إن الورق لو فضل معايا، هيق*تل أي حد يقرب مني.”

“كنت محتاج حد… ما يعرفوش.”

“حد بعيد عن كل الصراعات.”

“اخترت رائف.”

بصيت لرائف.

قلت بعدم استيعاب:

“يعني كنت تعرف بابا؟”

هز رأسه بهدوء.

“مرة واحدة.”

“قابلته مرة واحدة بس.”

“اداني ظرف مقفول.”

“وقاللي…”

رائف سكت لحظة.

ثم كرر نفس الكلمات كأنه حافظها.

“لو في يوم بنتي بقت في خطر…”

“افتح الظرف.”

حسيت دموعي بتنزل من غير ما أحس.

يعني…

كل اللي حصل الليلة دي…

ماكانش صدفة.

رائف ما جاش الفندق لأنه شافني.

هو كان بيدور عليا من يوم ما عرف إن أحمد قرب مني.

سألته بصوت مخنوق:

“إنت كنت بتراقبني؟”

رد بسرعة:

“لا.”

“كنت بحاول أوصلك.”

“لكن أحمد كان دايمًا سابقني.”

الكلمة دي رجعتلي مواقف كتير.

المكالمة اللي جتلي من رقم غريب وما رديتش عليها.

العربية اللي كانت ماشية ورايا مرة، وافتكرتها حد ضل طريقه.

الراجل اللي أنقذني من حادثة بسيطة قدام الشركة واختفى.

كلها كانت محاولات.

وأنا ماكنتش فاهمة.

رائف فتح الجاكيت بتاعه.

وأخرج ظرفًا بنيًا قديمًا.

كان مقفول بالشمع الأحمر.

نفس الشمع اللي على الصور القديمة.

حطه على السرير قدام والدي.

وقال:

“أنا ما فتحتهوش.”

والدي ابتسم لأول مرة براحة.

“كنت عارف إنك هتحافظ على وعدك.”

إبراهيم كان واقف يراقب كل حاجة في صمت.

لكن أول ما شاف الظرف…

ملامحه اتغيرت.

اختفت ابتسامته.

وقال لأول مرة بعصبية:

“افتحه.”

رائف بصله.

وما ردش.

إبراهيم كرر بصوت أعلى:

“افتح الظرف.”

والدي رفع إيده بصعوبة.

وقال:

“لا…”

“لي لي هي اللي تفتحه.”

قلبي بدأ يدق بعنف.

بصيت للظرف.

كنت حاسة إن حياتي كلها متقفلة جواه.

مديت إيدي ببطء.

وفضيت ختم الشمع.

فتحت الظرف.

كان جواه ورقة واحدة فقط.

وصورة قديمة.

مسكت الصورة الأول.

أول ما بصيت فيها…

شهقت.

كانت صورة لوالدي…

واقف جنب والد أحمد…

وجنب إبراهيم…

لكن كان في شخص رابع.

رجل شاب.

واقف في النص.

وحاطط إيده على كتف والدي.

قلبت الصورة.

كان مكتوب بخط إيد بابا:

“المؤسس الحقيقي… مات قبل إعلان الشركة بيوم.”

رفعت عيني بسرعة.

“مين الراجل ده؟”

والدي حاول يتكلم.

لكن قبل ما ينطق…

أجهزة القلب بدأت تصدر صوتًا متواصلًا.

والممرضات جَرَوا على الأوضة.

والطبيب صرخ:

“اطلعوا بره بسرعة!”

آخر حاجة شفتها قبل ما الباب يتقفل…

إن والدي كان بيبصلي…

وبيحاول يقول اسم الشخص اللي في الصورة…

لكن صوته…

ما وصلنيش.
يتيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *