بعد ٢٧ سنه جواز حكـايـات أسمـا ×1

بعد 27 سنة جواز… جوزي قالي إني “بقيت مهملة” وسابني علشان واحدة تانية. وبعد 3 شهور بس وقف قدام بيتي بيصرخ: “إنتِ عملتي إزاي كده؟!”

 

كنت متجوزة محمود الشاذلي بقالنا سبعة وعشرين سنة.

 

سبعة وعشرين سنة كاملة.

 

عمر بحاله.

 

اتعرفنا على بعض وإحنا في الثانوية.

 

حبينا بعض.

 

كبرنا سوا.

 

واتجوزنا.

 

وخلفنا ولد وبنت.

 

وبنينا بيت وحياة من الصفر.

 

عدينا بأزمات مالية.

 

ومرض.

 

ومشاكل.

 

ولحظات حلوة ووحشة.

 

لكن عمري ما تخيلت إن النهاية هتبقى بالشكل ده.

 

زي أي اتنين متجوزين بقالهم سنين طويلة…

 

الحب ما بقاش بنفس جنون البدايات.

 

لكن كان فيه عشرة.

 

وأمان.

 

واحترام.

 

أو على الأقل…

 

ده اللي كنت فاكراه.

 

أنا طول عمري وقفت جنب محمود.

 

في كل خطوة.

 

في بداية شغله.

 

وفي فشله.

 

وفي نجاحه.

 

ولما شغلي أنا بدأ ينجح…

 

سيبته.

 

علشانه.

 

هو اللي طلب مني أركز في البيت والأولاد.

 

وأنا وافقت.

 

كنت بصحى بدري.

 

أطبخ.

 

وأرتب.

 

وأهتم بكل حاجة.

 

لحد ما البيت بقى ماشي كأنه ساعة.

 

هل كان جوازنا مثالي؟

 

أكيد لا.

 

لكن بعد 27 سنة…

 

كنت متأكدة إننا ثابتين.

 

وإن اللي بينا أقوى من أي حاجة.

 

لحد الليلة دي.

 

—

 

كنا قاعدين بنتعشى.

 

يوم عادي جدًا.

 

مفيهوش أي إشارة إن حياتي كلها هتتقلب.

 

فجأة محمود حط الشوكة من إيده.

 

وبصلي.

 

وقال:

 

“أنا عايز أطلق.”

 

ضحكت.

 

افتكرته بيهزر.

 

لكن لما بصيت في عينه…

 

عرفت إنه بيتكلم بجد.

 

قلت:

 

“بتقول إيه؟”

 

رد بمنتهى البرود:

 

“عايز أطلق.”

 

حسيت إني مش قادرة أستوعب.

 

سألته:

 

“ليه؟”

 

سكت ثانية.

 

وبعدين قال الجملة اللي عمرها ما خرجت من دماغي.

 

قال:

 

“إنتِ سيبتي نفسك.”

 

اتجمدت.

 

وأكمل:

 

“وبصراحة… في واحدة تانية.”

 

في ثانية واحدة…

 

سبعة وعشرين سنة انهاروا.

 

كل الذكريات.

 

كل الوعود.

 

كل العمر.

 

كأنه ما كانش موجود أصلًا.

 

—

 

الأسابيع اللي بعد الطلاق كانت صعبة جدًا.

 

ورق.

 

محامين.

 

نقل عفش.

 

وحدة.

 

وبكا.

 

في بعض الأيام ما كنتش بعرف أبص لنفسي في المراية.

 

لكن مع الوقت…

 

بطلت أسأل ليه.

 

وبدأت أسأل سؤال أهم.

 

أنا هعيش إزاي من غيره؟

 

ورجعت أهتم بنفسي.

 

رجعت أخرج.

 

وأقابل ناس.

 

وأعمل حاجات كنت ناسية إني بحبها.

 

ولأول مرة من سنين…

 

بدأت أحس إني عايشة لنفسي.

 

ومرت تلات شهور.

 

—

 

وفي يوم وأنا بنضف الجراج…

 

لقيت صندوق قديم.

 

صندوق أنا ومحمود نسيناه تمامًا.

 

كان متحطوط في الركن من سنين.

 

مسحت التراب عنه.

 

وقعدت أفتحه.

 

ولما شفت اللي جواه…

 

ابتسمت.

 

فكرة بسيطة جدًا جت في دماغي.

 

وفكرت:

 

ليه لأ؟

 

—

 

تاني يوم الصبح…

 

صحيت على صوت خبط عنيف على الباب.

 

خبط هستيري.

 

قمت بسرعة.

 

وبصيت من الشباك.

 

واتصدمت.

 

كان محمود.

 

واقف قدام البيت.

 

ووشه أحمر من الغضب.

 

أول ما فتحت الباب…

 

حتى قبل ما أتكلم…

 

رفع صباعه في وشي وصرخ:

 

“إنتِ عملتي إزاي كده؟!”

 

بصيتله باستغراب.

 

وقلت:

 

“في إيه؟”

 

رد بغضب:

 

“إنتِ عارفة كويس في إيه!”

 

كان بيتنفس بسرعة.

 

كأنه جاي يجري.

 

وساعتها بس…

 

عرفت إنه شاف الحاجة اللي جوه الصندوق.

 

الحاجة اللي غيرت كل حاجة.

 

واللي خلت محمود الشاذلي…

 

يندم لأول مرة على اليوم اللي قرر فيه يسيب مراته بعد سبعة وعشرين سنة.

وقفت أبص لمحمود وهو واقف قدام الباب، وشه كله غضب، وعروقه باينة في رقبته.

 

أول مرة أشوفه بالشكل ده من يوم ما خرج من البيت.

 

كان لابس هدوم شيك، وعطره اللي كان بيحبه لسه زي ما هو، لكن عينيه… كانت مليانة خوف أكتر من الغضب.

 

قلت بهدوء:

 

“إيه اللي حصل؟”

 

قرب خطوة وهو بيصرخ:

 

“إنتِ بعتيها؟!”

 

عقدت حواجبي.

 

“بعت إيه؟”

 

مد إيده بالموبايل قدامي.

 

على الشاشة كان ظاهر إعلان مزاد إلكتروني.

 

وصورة لصندوق خشبي قديم مفتوح.

 

الصندوق اللي لقيته في الجراج.

 

لكن الإعلان ماكانش عن الصندوق…

 

كان عن اللي جواه.

 

ابتسمت بهدوء.

 

وقلت:

 

“آه… بعته.”

 

صرخ:

 

“إنتِ مجنونة؟!”

 

قلت:

 

“هو كان ملكي.”

 

هز رأسه بعصبية.

 

“إنتِ مش فاهمة عملتي إيه.”

 

بصيتله بثبات.

 

“طيب فهمني.”

 

سكت.

 

وكأنه بيحسب كل كلمة هيقولها.

 

بعدها قال:

 

“كان لازم تكلّميني الأول.”

 

ضحكت لأول مرة من يوم طلاقنا.

 

ضحكة خرجت من قلبي.

 

“أكلمك؟ بعد ما سيبتني علشان واحدة تانية؟”

 

سكت.

 

قلت:

 

“افتكرت إني بقيت مهملة… صح؟”

 

خفض عينيه.

 

لكن ما ردش.

 

كملت:

 

“افتكرت إن سبعة وعشرين سنة مالهاش قيمة.”

 

لسه ساكت.

 

“دلوقتي افتكرت تيجي؟”

 

تنهد بعنف.

 

“الموضوع مش كده.”

 

“أمال إيه؟”

 

بص حواليه يتأكد إن محدش سامع.

 

وبعدين قال بصوت واطي:

 

“الصندوق ده كان فيه أوراق.”

 

قلت:

 

“عارفة.”

 

“أوراق مهمة جدًا.”

 

“عارفة.”

 

“ليه بعتيه؟”

 

ابتسمت.

 

“أنا مبعتش الأوراق.”

 

اتجمد.

 

“إيه؟”

 

“أنا بعت الصندوق بس.”

 

وشه شحب.

 

“والأوراق؟”

 

لفيت ودخلت الصالة.

 

وسبته واقف.

 

بعد ثواني دخل ورايا.

 

كنت حاطة ملف أزرق فوق الترابيزة.

 

حطيته قدامه.

 

“بتدور على دول؟”

 

أول ما شاف الملف…

 

وشه بقى أبيض.

 

فتح الملف بسرعة.

 

وبدأ يقلب الورق بإيد بترتعش.

 

ورقة.

 

ورا التانية.

 

لحد ما اتأكد إنهم موجودين.

 

قفل الملف بسرعة.

 

وبصلي.

 

“إنتِ فتحتيه؟”

 

قلت:

 

“طبعًا.”

 

“قرأتي اللي فيه؟”

 

“كله.”

 

سكت.

 

وساعتها فهمت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد ذكريات قديمة.

 

قعد قدامي لأول مرة من يوم الطلاق.

 

وكان واضح إنه ناسي تمامًا إنه جه يزعق.

 

دلوقتي بقى خايف.

 

قلت:

 

“تحب أقولك أنا فهمت إيه؟”

 

ما ردش.

 

قلت:

 

“فهمت إن الشركة اللي إنتَ بنيتها… ما بدأتش من الصفر.”

 

بدأ العرق ينزل من جبينه.

 

“وفهمت إن أول رأس مال دخلها… ماكانش فلوسك.”

 

بلع ريقه.

 

“كان فلوس بابا.”

 

رفع عينه بسرعة.

 

كنت مكملة.

 

“بابا الله يرحمه كان فاكر إنه بيساعد جوز بنته يبدأ حياته.”

 

دمعة نزلت من عيني رغمًا عني.

 

“لكن اللي اكتشفته من الورق… إن بابا كان شريك.”

 

سكت محمود.

 

ولا كلمة.

 

“ومش أي شريك.”

 

فتحت آخر ورقة.

 

وحطيتها قدامه.

 

“كان مالك لنص الشركة.”

 

المرة دي…

 

إيده بدأت ترتعش بوضوح.

 

قلت:

 

“الغريب بقى…”

 

“إن بعد وفاته بست شهور.”

 

“توقيعه ظهر على عقد بيتنازل فيه عن كل الأسهم.”

 

بصلي بصدمة.

 

عرف إن اللعبة انتهت.

 

قلت بهدوء:

 

“المشكلة إن بابا كان ميت قبل تاريخ التوقيع.”

 

فضل ساكت.

 

“تحب تفسرلي إزاي واحد متوفي مضى عقد؟”

 

فتح بقه.

 

وقفله تاني.

 

لأول مرة في حياتنا…

 

محمود الشاذلي…

 

ماكانش عنده أي كذبة يقولها.

 

في اللحظة دي…

 

رن جرس الباب.

 

بصينا ناحية الباب.

 

ولما فتحته…

 

لقيت راجل أنيق في الستينات، ومعاه حقيبة جلد سوداء.

 

ابتسم وقال:

 

“حضرتك الأستاذة نادية؟”

 

قلت:

 

“أيوه.”

 

ناولني كارت.

 

وقال:

 

“أنا المستشار القانوني للأستاذ عبد الرحمن سالم.”

 

الاسم كان غريب عليا.

 

لكن محمود…

 

أول ما سمعه…

 

قام واقف فجأة.

 

وقال بصوت متوتر:

 

“هو… لسه عايش؟!”

 

ابتسم الرجل بهدوء.

 

وقال:

 

“مش بس عايش…”

 

“ده بقاله أسبوع بيدور على حضرتك… لأنه صاحب التوقيع الوحيد اللي يقدر يثبت إن الشركة دي… عمرها ما كانت ملك محمود الشاذلي وحده.”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *