ليلة العمر حكـايـات أسمـا ×4
الفصل السادس: الحقيقة التي أخفاها سبع سنوات
تجمدت سلمى مكانها.
“عرف مكاني؟”
أومأ عمر ببطء.
كان ينظر إلى شاشة الهاتف وكأن الخبر أسوأ مما قال.
سألته:
“يعني إيه عرف مكاني؟”
تنهد.
ثم قال:
“يعني أن الوقت انتهى.”
“أي وقت؟”
رفع عينيه إليها.
“وقت إخفاء الحقيقة.”
—
بعد ساعة واحدة فقط.
كانت سلمى وعائلتها داخل إحدى المزارع الخاصة التابعة لعمر خارج القاهرة.
مكان لا يعرفه إلا عدد محدود جدًا من الأشخاص.
حراسة مسلحة.
بوابات إلكترونية.
كاميرات في كل مكان.
لكن رغم كل ذلك…
لم تشعر بالأمان.
جلست في غرفة المكتب الكبيرة.
بينما جلس عمر أمامها.
وأخيرًا قالت:
“كفاية.”
نظر إليها.
“إيه؟”
“كفاية أسرار.”
وضعت يديها فوق الطاولة.
وأضافت:
“عاوزة أعرف كل حاجة.”
ساد الصمت.
ثم نهض عمر ببطء.
واتجه نحو الخزانة الحديدية الموجودة خلف مكتبه.
فتحها.
وأخرج صندوقًا أسود صغيرًا.
شعرت سلمى بقشعريرة غريبة.
لأنها تذكرت شيئًا.
تذكرت ذلك الظرف.
وتلك الليلة.
وذلك الشعور بأن هناك جزءًا من القصة لم يُروَ بعد.
وضع عمر الصندوق أمامها.
وقال:
“افتحيه.”
—
فتحت الصندوق ببطء.
وفي الداخل…
وجدت صورة قديمة.
التقطتها بيد مرتجفة.
ثم شهقت.
كانت صورة لها.
لكنها لم تكن وحدها.
ظهر في الصورة رجل آخر.
شاب صغير السن.
يبتسم لها.
ويمسك يدها.
نظرت إلى عمر بدهشة.
“مين ده؟”
ساد الصمت.
ثم قال:
“اسمه كريم.”
لم تعرف الاسم.
هزت رأسها.
“معرفوش.”
أغمض عمر عينيه للحظة.
ثم قال:
“لأنك فقدت ذاكرتك.”
اختفى الدم من وجهها.
“إيه؟”
“في تلك الليلة.”
“أي ليلة؟”
“قبل أن تستيقظي في الفندق.”
بدأ قلبها يضرب بعنف.
“أنا فقدت ذاكرتي؟”
أومأ.
“جزء منها.”
شعرت بالدوار.
“مش فاهمة.”
جلس عمر أمامها.
ثم قال:
“الحقيقة أن الليلة التي تتذكرينها لم تبدأ داخل الحفلة.”
“أمال بدأت فين؟”
“بدأت قبلها بثلاثة أيام.”
—
بدأت سلمى تستمع.
بينما كان عمر يحكي أخطر سر أخفاه عنها طوال سبع سنوات.
قال:
“قبل الحفلة بثلاثة أيام كنتِ تعملين على مشروع جامعي.”
أومأت.
كانت تتذكر ذلك بشكل ضبابي.
“وخلال عملك اكتشفتِ بالصدفة ملفات مالية تخص شبكة عصام الكردي.”
شعرت بالصدمة.
“أنا؟”
“نعم.”
“لكن كيف؟”
“لأن الشركة التي كنتِ تتدربين فيها كانت إحدى واجهاتهم.”
بدأت الصور القديمة تعود إلى عقلها.
لقطات غير مكتملة.
وجوه.
مكاتب.
مستندات.
أرقام.
قال عمر:
“وقتها أخبرتِ شخصًا واحدًا فقط.”
نظرت إلى الصورة.
ثم همست:
“كريم؟”
أومأ.
“كريم كان خطيبك.”
تجمدت.
كأن أحدهم صفعها.
“خطيبي؟”
“نعم.”
“مستحيل.”
“الحقيقة مؤلمة أحيانًا.”
بدأت الدموع تتجمع في عينيها.
“ليه مش فاكرة؟”
تنهد عمر.
وأجاب:
“لأن الحادثة التي تعرضتِ لها محَت جزءًا من ذاكرتك.”
—
فتحت سلمى الصورة مرة أخرى.
كانت تضحك فيها بسعادة.
سعادة لا تتذكرها.
حب لا تتذكره.
رجل لا تتذكره.
شعرت بقلبها ينكسر.
همست:
“إيه اللي حصله؟”
ساد الصمت.
طويلًا جدًا.
حتى أدركت الإجابة قبل أن ينطق بها.
رفعت رأسها ببطء.
والدموع تنساب على خديها.
“مات؟”
أغمض عمر عينيه.
ثم أومأ.
“مات وهو بيحاول يحميك.”
انفجرت بالبكاء.
—
مرت ساعة كاملة.
لم تتوقف خلالها عن البكاء.
أما عمر فظل صامتًا.
يعرف أن هذه الحقيقة وحدها كافية لتحطيم أي إنسان.
لكن الحقيقة الأكبر لم تأتِ بعد.
قالت أخيرًا:
“والمليون جنيه؟”
نظر إليها.
ثم إلى الحقيبة القديمة الموضوعة داخل الصندوق.
الحقيبة نفسها.
الحقيبة التي غيرت حياتها.
وقال:
“المليون جنيه لم يكونوا ثمنًا.”
حبست أنفاسها.
وأكمل:
“كانوا ميراثًا.”
تجمدت.
“إيه؟”
“كريم تركهم لك.”
شعرت وكأن الأرض انهارت تحتها.
“ماذا؟”
“قبل موته.”
بدأت يداها ترتجفان.
“لا…”
“نعم.”
“يعني…”
أجاب بصوت منخفض:
“آخر شيء فعله كريم قبل أن يموت هو أن طلب مني أن أحميك.”
سقطت دموع جديدة من عينيها.
أما عمر فأكمل:
“وأوصاني أن أعطيك المال عندما تصبحين بأمان.”
ساد الصمت.
ثم أضاف:
“لكني لم أستطع أن أخبرك بالحقيقة وقتها.”
رفعت رأسها إليه.
والدموع تغطي وجهها.
“ليه؟”
لأول مرة منذ بداية الحديث…
ظهر الألم الحقيقي في عيني عمر.
وقال:
“لأنني كنت أحبك أنا أيضًا.”
—
وفي اللحظة نفسها…
انفجرت إحدى نوافذ المكتب.
ودخلت رصاصة بسرعة هائلة.
ارتطمت بالجدار خلف سلمى مباشرة.
وانطلقت صفارات الإنذار في كل أنحاء المزرعة.
صرخ أحد الحراس من الخارج:
“اقتحام!”
قفز عمر فورًا أمام سلمى لحمايتها.
ثم أمسك بيدها بقوة.
وقال:
“تمسكي بيا.”
سألته وهي ترتجف:
“إيه اللي بيحصل؟”
نظر نحو الباب.
وكانت أصوات إطلاق النار تقترب.
ثم قال الجملة التي غيرت كل شيء:
“عصام الكردي جاء بنفسه.”
يتبع