زوجة زوجي حكـايـات أسمـا ×1

جلستُ بجوار الزوجة السابقة لزوجي على متن طائرة متجهة إلى القاهرة… وبحلول وقت الهبوط كنت أعرف أن زواجي انتهى

زوجي، لم يكن يحب أبدًا التحدث عن زوجته السابقة. كل ما كنت أعرفه عنها هو اسمها: ياسمين.

رأيت لها بعض الصور منذ سنوات، عندما غلبني الفضول وتصفحت منشوراته القديمة على فيسبوك أكثر مما ينبغي. لكن هذا كان كل شيء.لا قصص.لا تفاصيل…ولا أي تفسير حقيقي لسبب انتهاء زواجهما.

لذلك عندما صعدت إلى الطائرة عائدة إلى القاهرة بعد رحلة عمل في الإسكندرية، وعثرت على مقعدي، ثم شاهدت امرأة تجلس في المقعد المجاور لي، كدت أتوقف عن التنفس؛ لأنني تعرفت عليها فورًا.

كانت ياسمين….الزوجة السابقة لزوجـي.

لبضع ثوانٍ ظللت أحدق فيها وكأن عقلي توقف عن العمل.

لا احتمالات أن يحدث شيء كهذا؟ هي أيضًا انتبهت لي

في البداية كان وجهها هادئًا ومهذبًا…ثم بدا عليها الارتباك.

ثم اتسعت عيناها فجأة…وقالت: إنتِ سارة…، صح؟

لم تكن الطائرة قد أقلعت بعد، وكنت بالفعل أتمنى لو أختفي داخل المقعد.

خلال أول نصف ساعة، كان الموقف محرجًا بشكل لا يُحتمل.تكلمنا عن أشياء عادية.عن الطقس.وعن تأخر الرحلة.وعن زحمة القاهرة.وعن سوء وجبات الطيران.

أي شيء…إلا الرجل الذي تزوجناه كلتانا.

لكن بعد الإقلاع بوقت طويل، وبينما كانت الطائرة تشق طريقها فوق السحب، تغير شيء في صوتها.

توقفت عن المجاملات.واستدارت نحوي بالكامل..وظلت تنظر إلى وجهي لعدة ثوانٍ.

كأنها تحاول أن تقرر إن كنت أستحق معرفة الحقيقة أم لا.

ثم قالت بهدوء: عندك قوه تسمعـي؟.

ابتسمت بتوتر: ليه بتقولي كده؟

تنهدت ياسمين ثم قالت؛ لأني لو كنت مكانك… عمري ما كنت هسامحه….عقدت حاجبي وقلت: مش فاهمة.

خفضت عينيها نحو فنجان القهوة بين يديها.

ثم قالت الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروقي: علشان رجعلي ..إحنا لسه مع بعض.

شعرت كأن الطائرة كلها توقفت في الهواء.

حدقت فيها وقلت بصدمه: عفوًا؟ بتقولي ايه؟

رفعت رأسها بسرعة، وفجأة شحب وجهها بالكامل.

وكأنها أدركت للتو أنها ارتكبت خطأ فادحًا، وقالت بصوت مرتجف: استني… احمـد ما قالكيش؟

سكت..تمامًا…ابتلعت ريقي بصعوبة…وقلبي بدأ يدق بعنف داخل صدري.أما هي…فبدأت تبدو مرعوبة أكثر مني.

وقالت: يا نهار أبيض…ثم همست بس هو قالـي…تفتكـروا قالها ايه اللي يتشك في معـاميعو..صلـوا علي محمد في التعلـيقات وانتظروا البقيـه ـ حكـايـات أسمـا السـيد

الفصل الثاني

فضلت باصة لها وأنا حاسة إن صوت المحركات حواليّا بقى بعيد جدًا.

كأن الطائرة كلها اختفت.

وكأننا بقينا إحنا الاتنين بس.

أنا… وياسمين.

وكل كلمة خارجة من بقها كانت بتكسر حاجة جوايا.

قلت بصوت مخنوق:

— يعني إيه لسه مع بعض؟

ياسمين بلعت ريقها.

وكان واضح إنها هي نفسها اتصدمت أكتر مني.

— أحمد قالك إيه بالظبط عني؟

اتنهدت وأنا بحاول أستوعب.

— قال إنكم مطلقين بقالكم خمس سنين.

سكتت لحظة.

— وقال إنك اتجوزتي وسافرتي الخليج.

رفعت رأسها ببطء.

والصدمة كانت واضحة في عينيها.

— اتجوزت؟

هزت رأسها.

— أنا عمري ما اتجوزت بعده.

بدأت إيديا تبرد.

— طب الطلاق؟

قالت بهدوء:

— حصل فعلًا.

ثم سكتت.

— لكن بعد سنة رجعلي.

بصيت لها وأنا مش فاهمة.

— رجعلك إزاي؟

قالت:

— رجع يكلمني.

— قال إنه ندمان.

— قال إنه عمره ما حب حد زيي.

— وإن الطلاق كان أكبر غلطة عملها في حياته.

حسيت إن معدتي اتقلبت.

— وإنتي صدقتيه؟

ضحكت ضحكة حزينة.

— للأسف.

سكتت شوية.

— ولحد دلوقتي كنت فاكرة إنه بيجهز علشان نتجوز تاني.

كأن حد ضربني على دماغي.

— إيه؟

هزت رأسها.

— من ٨ شهور بالظبط.

— رجع حياتي كلها.

— بيكلمني كل يوم.

— بيزورني.

— بيقضي معايا ويك إند كامل أحيانًا.

— بيقولي إنه بيحبني.

— وإنه مستني الوقت المناسب علشان يرجع كل حاجة زي زمان.

بدأ نفسي يضيق.

قلت بصوت منخفض:

— وإنتي… تعرفي إنه متجوز؟

رفعت عينيها ناحيتي.

والإجابة كانت أسوأ من أي حاجة توقعتها.

— لا.

سكتت الطائرة كلها بالنسبة لي.

لا.

كانت فاكرة نفسها حبيبته الوحيدة.

وأنا كنت فاكرة نفسي زوجته الوحيدة.

وأحمد…

كان عايش حياتين كاملتين.

ياسمين بصت لي بصدمة.

— استني.

— إنتي بقالك متجوزاه قد إيه؟

قلت:

— سنتين ونص.

شهقت.

— سنتين ونص؟

— يعني طول الفترة دي؟

هزيت رأسي.

فجأة بدأت تربط الأحداث.

وبدأت أنا أربطها معاها.

رحلات العمل الكتير.

السفر المفاجئ.

التليفون اللي عمره ما كان بيسيبه.

الرسائل اللي كان يقفل الشاشة أول ما أدخل.

الخروجات اللي كانت “اجتماعات شغل”.

كل حاجة بدأت تاخد معنى جديد.

معنى مرعب.

ياسمين مسكت جبينها.

— يا نهار أسود.

— أحمد كان بيبات عندي يومين كل أسبوع.

حسيت إن قلبي وقع.

يومين كل أسبوع.

عارفة كويس اليومين دول.

كانوا الأيام اللي بيقولي فيها إنه مسافر إسكندرية أو الغردقة في شغل.

قالت وهي بتبص قدامها:

— أنا كنت فاكرة إنه بيحاول يصلح اللي بينا.

— وإنه بيبني نفسه من جديد.

— وإنه لسه مش مستعد يعلن رجوعنا.

ثم بصت لي.

— ماكنتش أعرف إنه متجوز أصلًا.

ولأول مرة من ساعة بداية الكلام…

شفت الدموع في عينيها.

لأنها هي كمان كانت ضحية.

مش منافسة.

ولا عدوة.

ولا الست اللي خطفت جوزي.

إحنا الاتنين اتخدعنا.

بنفس الراجل.

وبنفس الأكاذيب.

باقي الرحلة عدّى وكأننا في جلسة تحقيق.

كل واحدة فينا بتحكي تفاصيل.

وكل تفصيلة كانت بتكشف كذبة جديدة.

قالت إنها تعرف عنوان شقته القديمة.

أنا قلت لها عنوان بيتنا.

قالت إنه بيحتفل بعيد ميلاده معاها كل سنة.

وأنا وريتها صور عيد ميلاده اللي كان بيحتفل بيه معايا.

قالت إنه أخدها الساحل الصيف اللي فات.

وأنا افتكرت إنه كان قايل لي وقتها إنه مسافر مؤتمر عمل.

كل كذبة كانت بتسحب وراها عشر كذبات.

لحد ما وصلنا لمرحلة مرعبة.

مرحلة بقينا فيها متأكدين إن أحمد كان بيقسم حياته بالنص حرفيًا.

نص ليا.

ونص لياسمين.

من غير ما واحدة تعرف عن التانية أي حاجة.

قبل الهبوط بعشرين دقيقة.

قالت ياسمين فجأة:

— هتعملي إيه؟

بصيت من الشباك.

أنوار القاهرة بدأت تظهر تحتنا.

قلت:

— معرفش.

قالت:

— أنا أعرف.

التفت لها.

قالت بهدوء غريب:

— لازم نواجهه.

سكت.

— النهارده.

— حالًا.

— قبل ما يلحق يكذب علينا تاني.

لأول مرة من ساعة ما قابلتها…

حسيت إنها عندها حق.

أحمد كان دايمًا بيعرف يلف ويدور.

دايمًا بيعرف يخلق رواية جديدة.

ولو واجهته لوحدي…

هيقنعني إني فاهمة غلط.

ولو واجهته لوحدها…

هيقنعها إنها مجنونة.

لكن المرة دي؟

إحنا الاتنين موجودين.

ومعانا الحقيقة.

أو على الأقل…

كنا فاكرين إننا عرفنا الحقيقة كلها.

لكن الحقيقة الأكبر…

كانت مستنيانا بعد الهبوط.

ولسه ماكنّاش مستعدين لها.

يتبع…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *