بعد ١١ عام حكـايـات أسمـا ×5

الفصل السادس

 

ظل كريم واقفًا في مكانه.

 

غير قادر على الحركة.

 

غير قادر حتى على التنفس بصورة طبيعية.

 

ولد.

 

وبنت.

 

طفلاه.

 

أطفاله الذين انتظرهم إحدى عشرة سنة.

 

أطفاله الذين ظن يومًا أنه لن يراهم أبدًا.

 

والآن…

 

يفصل بينه وبينهم باب واحد فقط.

 

باب لا يملك حق فتحه.

 

شعر لأول مرة في حياته بالعجز الكامل.

 

—

 

أما سيف…

 

فلم ينظر إليه.

 

كل اهتمامه كان منصبًا على باب غرفة الولادة.

 

حتى خرجت الممرضة بعد دقائق.

 

وقالت بابتسامة:

 

“ممكن شخص واحد يدخل.”

 

نظر كريم فورًا نحو الباب.

 

لكن الممرضة أكملت:

 

“الأستاذ سيف.”

 

تجمد كريم.

 

وشعر وكأن أحدهم لكمه في صدره.

 

بينما دخل سيف بهدوء.

 

وأغلق الباب خلفه.

 

—

 

في الداخل…

 

كانت سلمى مستلقية على السرير.

 

مرهقة.

 

شاحبة.

 

لكن السعادة تملأ عينيها.

 

وعلى جانبيها سريران صغيران.

 

في أحدهما طفل صغير نائم.

 

وفي الآخر طفلة صغيرة تحرك أصابعها ببطء.

 

اقترب سيف.

 

وتوقف للحظة.

 

ينظر إليهم.

 

ثم ابتسم.

 

ابتسامة لم ترها سلمى على وجهه من قبل.

 

همس:

 

“يا الله.”

 

ضحكت سلمى بخفوت.

 

وقالت:

 

“واضح إنك متوتر أكتر مني.”

 

أجاب:

 

“أنا دخلت صفقات بمليارات وما خفتش كده.”

 

ثم نظر إلى الطفلين.

 

وأضاف:

 

“بس دول حاجة تانية.”

 

—

 

بعد دقائق…

 

رفعت سلمى رأسها.

 

وقالت:

 

“كريم بره؟”

 

ساد الصمت.

 

ثم أومأ سيف.

 

“أيوه.”

 

تنهدت.

 

وأغمضت عينيها للحظة.

 

ثم قالت:

 

“خليه يدخل.”

 

نظر إليها سيف.

 

ولم يعترض.

 

رغم أن جزءًا منه لم يكن يريد ذلك.

 

لكنه احترم قرارها.

 

كما فعل دائمًا.

 

—

 

حين دخل كريم…

 

شعر أن العالم كله اختفى.

 

لم يعد يرى المستشفى.

 

ولا الغرفة.

 

ولا أي شيء.

 

فقط الطفلين.

 

اقترب ببطء.

 

ثم توقف بجوار السرير.

 

وكانت عيناه ممتلئتين بالدموع.

 

نظر إلى الولد.

 

ثم إلى البنت.

 

ثم عاد ينظر إليهما مرة أخرى.

 

وكأنه يخشى أن يكون حلمًا.

 

قال بصوت مكسور:

 

“دول…”

 

لم تكمل الكلمات.

 

لأن الدموع سبقته.

 

ولأول مرة منذ سنوات طويلة…

 

بكى كريم الشاذلي.

 

بكى دون خجل.

 

دون كبرياء.

 

دون أقنعة.

 

—

 

نظرت إليه سلمى بصمت.

 

كان جزء منها ما يزال غاضبًا.

 

وجزء آخر يتذكر الرجل الذي أحبته يومًا.

 

لكنها لم تنسَ.

 

لن تنسى بسهولة.

 

قال كريم أخيرًا:

 

“أنا آسف.”

 

أغمضت عينيها.

 

لأنها كانت تعرف أن هذه الكلمة قادمة.

 

لكنه أكمل:

 

“آسف على كل حاجة.”

 

“على كل مرة خذلتك فيها.”

 

“على كل مرة صدقت غيرك.”

 

“على كل مرة خليتك تبكي.”

 

ثم خفض رأسه.

 

وقال:

 

“أنا ما استاهلش السماح.”

 

ساد الصمت.

 

طويلًا.

 

مؤلمًا.

 

ثم قالت سلمى بهدوء:

 

“لا.”

 

رفع رأسه ببطء.

 

فأكملت:

 

“ما تستاهلش.”

 

شحب وجهه.

 

لكنها واصلت:

 

“بس ده ما يمنعش إنك أبوهم.”

 

نظر إليها غير مصدق.

 

أما هي فأشارت نحو الطفلين.

 

وقالت:

 

“هما مالهمش ذنب.”

 

—

 

خرج كريم من الغرفة بعد ساعة.

 

لكنه خرج شخصًا مختلفًا.

 

لأول مرة منذ سنوات…

 

كان يعرف ما الذي يجب أن يفعله.

 

ليس لاستعادة سلمى.

 

بل ليصبح أبًا يستحق الطفلين.

 

—

 

مرت الشهور.

 

ثم سنة كاملة.

 

وتغيرت أشياء كثيرة.

 

كبر الطفلان.

 

وأصبحا يملآن البيت ضحكًا وفوضى.

 

أطلقت سلمى على البنت اسم “ليان”.

 

وعلى الولد اسم “آدم”.

 

وأصبحت حياتها أكثر استقرارًا من أي وقت مضى.

 

أما كريم…

 

فالتزم بوعده.

 

كان حاضرًا.

 

يحضر المناسبات.

 

يرى الطفلين.

 

يقضي معهما الوقت.

 

دون أن يضغط على سلمى.

 

ودون أن يطلب فرصة جديدة.

 

لأنه كان يعرف أنه لا يملك هذا الحق.

 

—

 

أما سيف…

 

فبقي كما هو.

 

قريبًا.

 

ثابتًا.

 

محترمًا.

 

وكان حبّه ينمو بصمت.

 

حتى جاء اليوم الذي بلغ فيه آدم وليان عامهما الثاني.

 

وأقيم احتفال صغير في الحديقة.

 

كان الأطفال يركضون.

 

والضحكات تملأ المكان.

 

وفي لحظة هدوء قصيرة…

 

اقترب سيف من سلمى.

 

وقال:

 

“دلوقتي أقدر أسأل؟”

 

ابتسمت.

 

لأنها فهمت فورًا.

 

قالت:

 

“تسأل إيه؟”

 

أخرج علبة صغيرة من جيبه.

 

ثم فتحها.

 

لتظهر خاتمًا بسيطًا وأنيقًا.

 

وقال:

 

“دلوقتي أقدر أعرف ردك؟”

 

شعرت سلمى بأن قلبها يخفق بقوة.

 

لأنها تذكرت ليلة غرفة الأطفال.

 

عندما اعترف لها بحبه.

 

وتذكرت كل يوم بعدها.

 

كل مرة كان سندًا.

 

كل مرة احترم حدودها.

 

كل مرة اختار أن يبقى.

 

ثم نظرت إلى آدم وليان.

 

وهما يلعبان مع سيف ويضحكان كأنه جزء من عالمهما منذ البداية.

 

وأدركت شيئًا مهمًا.

 

بعض الناس يدخلون حياتك في أصعب لحظاتها…

 

ثم يصبحون سبب شفائها.

 

ابتسمت.

 

والدموع تلمع في عينيها.

 

ثم قالت:

 

“أيوه يا سيف.”

 

ولأول مرة منذ سنوات طويلة…

 

شعرت أن قلبها اختار دون خوف.

 

—

 

وفي الطرف الآخر من الحديقة…

 

كان كريم يراقب المشهد.

 

صامتًا.

 

هادئًا.

 

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.

 

مؤلمة…

 

لكن صادقة.

 

لأنه أخيرًا فهم الدرس الذي تعلمه متأخرًا:

 

أحيانًا لا تكون خسارة الإنسان بسبب سوء الحظ.

 

بل بسبب الطريقة التي عامل بها النعمة عندما كانت بين يديه.

 

النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *