سائقا خاصا حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثالث
لم أذهب إلى البيت.
ولم أذهب إلى الميكانيكي.
ولم أسلم السيارة لأحد.
جلست داخل المرسيدس السوداء أكثر من نصف ساعة أحاول استيعاب ما حدث.
زوجتي كانت تتصل بي.
وأطفالي ينتظرونني.
لكن شيئًا في داخلي كان يخبرني أن السيدة ليلى لم يتبق لها الكثير من الوقت.
وأن أي تأخير قد يضيع كل شيء.
أخرجت الظرف الثاني.
وجدت داخله بطاقة قديمة.
مكتوب عليها:
“المستشار محمود الجندي”
ورقم هاتف خاص.
وعنوان مكتب صغير في مصر الجديدة.
اتصلت فورًا.
رد رجل مسن بصوت هادئ.
قلت:
“أنا حسن… السيدة ليلى المنشاوي طلبت مني أتواصل مع حضرتك.”
ساد الصمت لثوان.
ثم قال بسرعة:
“أنت فين دلوقتي؟”
أخبرته.
فقال دون تردد:
“ماتتحركش. أنا جاي.”
—
بعد أقل من أربعين دقيقة.
توقفت سيارة رمادية قديمة بجوار المرسيدس.
نزل منها رجل تجاوز الستين.
شعره أبيض بالكامل.
لكن عينيه كانتا حادتين بشكل غريب.
فتح باب السيارة وجلس بجواري.
ثم قال مباشرة:
“معاك الرسالة؟”
ناولته الورقة.
قرأها كاملة.
ثم أغلق عينيه للحظة.
وقال:
“كنت خايف أوصل متأخر.”
سألته:
“حضرتك فاهم إيه اللي بيحصل؟”
نظر إليّ وقال:
“أكتر مما تتخيل.”
ثم فتح الصندوق الأسود.
وبدأ يقلب الملفات بسرعة.
وفجأة توقف عند مجموعة أوراق معينة.
وشحب وجهه.
قلت بقلق:
“في إيه؟”
أجاب:
“المصيبة أكبر من اللي كنت متوقعه.”
—
داخل الملفات.
لم تكن هناك فقط أدلة على محاولة أبناء ليلى الاستيلاء على أموالها.
بل كانت هناك تحويلات بملايين الجنيهات.
وعقود بيع مزورة.
وتوقيعات مزيفة.
وأسماء رجال أعمال كبار.
وأعضاء مجالس إدارة.
ومحاسبين.
وشركات وهمية.
شبكة كاملة.
قال المستشار محمود:
“الست دي كانت عايشة وسط عصابة مالية متكاملة.”
ثم أشار إلى اسم معين.
وقال:
“شايف الاسم ده؟”
هززت رأسي.
قال:
“ده ابنها سامح.”
ثم أشار إلى أسماء أخرى.
“وده شريكه.”
“وده محاسب المجموعة.”
“وده موظف بنك ساعدهم.”
كلما قلبنا ورقة.
كانت الكارثة تكبر.
حتى وصلنا إلى تسجيل صوتي.
أدخل المستشار وحدة التخزين في جهاز صغير كان يحمله.
وانطلق التسجيل.
وجاء صوت سامح واضحًا:
“أمي وقعت خلاص.”
ضحك رجل آخر.
ثم قال:
“بس لازم نخلص موضوع الوصاية بسرعة.”
فأجاب سامح:
“أسبوعين بالكتير وتبقى كل الثروة تحت إيدينا.”
شعرت بالغثيان.
كانت أمهم ما زالت حية.
ومع ذلك يتحدثون عنها كأنها انتهت بالفعل.
—
قال المستشار محمود:
“لازم نطلعها من المصحة.”
قلت:
“إزاي؟”
أجاب:
“بالقانون.”
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
وأضاف:
“وبالفضايح لو اضطرينا.”
—
في صباح اليوم التالي.
تحركنا إلى المصحة الخاصة الموجودة على طريق القاهرة الإسماعيلية.
مكان ضخم.
أسوار مرتفعة.
وحراسة مشددة.
دخل المستشار بصفته القانونية.
بينما بقيت أنا بالخارج.
مرت ساعة كاملة.
ثم خرج غاضبًا.
قلت:
“خير؟”
رد:
“رفضوا يدخّلوني.”
“إزاي؟”
قال:
“معاهم قرار وصاية مؤقت.”
شعرت بالصدمة.
“بالسرعة دي؟”
هز رأسه.
وقال:
“واضح إنهم كانوا مجهزين كل حاجة من شهور.”
—
في تلك الليلة.
تلقيت اتصالًا جديدًا من رقم مجهول.
وعندما أجبت.
جاءني صوت السيدة ليلى نفسها.
ضعيفًا.
ومتقطعًا.
لكنني عرفته فورًا.
صرخت:
“هانم! حضرتك كويسة؟”
قالت بصعوبة:
“اسمعني… الوقت قليل.”
حبست أنفاسي.
فقالت:
“في خزنة سرية.”
تجمدت.
“فين؟”
قالت:
“في الفيلا… وراء لوحة زوجي.”
ثم سعلت بقوة.
وأكملت:
“الرقم… ١٩٧٨.”
سألتها:
“فيها إيه؟”
لكنها قالت شيئًا جعلني أشعر بالدوار.
قالت:
“الوصية الحقيقية.”
ثم انقطع الخط.
—
في صباح اليوم التالي.
كنت أقف أمام فيلا المنشاوي.
أراقب البوابة من بعيد.
وأفكر كيف سأدخل.
وفجأة.
ظهر شيء لم أكن أتوقعه.
سيارة إسعاف.
ثم سيارة شرطة.
ثم سيارات فاخرة.
وأشخاص يركضون داخل الفيلا.
خرج أحد الحراس وهو يصرخ.
وتجمع العاملون.
أما أنا فشعرت بانقباض في صدري.
لأنني رأيت سامح يخرج من المنزل شاحب الوجه.
مرتبكًا.
وخائفًا لأول مرة.
وعرفت في تلك اللحظة.
أن شيئًا خطيرًا جدًا حدث داخل الفيلا.
شيئًا سيقلب كل الموازين.
لكنني لم أكن أعلم بعد.
أن الوصية الموجودة داخل الخزنة لا تتعلق فقط بثروة ليلى المنشاوي.
بل تحتوي على مفاجأة تخصني أنا شخصيًا.
مفاجأة ستجعل حياتي كلها تنقسم إلى ما قبل هذه اللحظة… وما بعدها.
يتبع…

