بدون سبب حكـايـات أسمـا ×2

كريم كان قاعد في زنزانته الضيقة وقت ما الحلقة اتعرضت على كل الشاشات. الحيطان الرمادية حواليه كانت مخنوقة برطوبة خانقة، والبطانية العسكرية الخشنة مرمية فوق السرير الحديد، لكن ولا حاجة من دي كانت مضايقاه قد نظرة الناس له وهو بيتسحب مكبل من المحكمة الصبح. طول عمره كان داخل أي مكان واثق إن اسمه وشكله وفلوسه يفتحوا له أي باب. فجأة بقى مجرد متهم بيتفتش قبل ما يدخل الحمام.

التلفزيون الصغير المعلق فوق الباب كان شغال بصوت واطي، لكن أول ما ظهرت صورتي وأنا خارجة من المستشفى شايلة آدم، رفع السجين اللي معاه الصوت وهو بيضحك: — يا نهار أسود… دي مراتك يا معلم؟

كريم ما ردش.

فضل باصص للشاشة كأنه شايف كابوس.

أنا كنت واقفة قدام الكاميرات، لابسة أسود، ووشي لسه عليه أثر خفيف للكدمة اللي حاول يخبيها بالمكياج سنين كاملة. لكن عيني كانت ثابتة. قوية. وده أكتر شيء رعبه.

هو عمره ما خاف مني وأنا بعيط.

كان بيخاف مني وأنا ساكتة.

السجين بصله مرة تانية وقال: — دي هتدفنك حي.

كريم شد فكه بعنف. — اقفل الزفت ده.

لكن الراجل ضحك: — لا والله… دي مسلية أكتر من المسلسلات.

المذيعة بدأت تعرض جزء من الفيديو المسرب.

صوته وهو بيقول: “امضي وإلا هتولدي هنا على الأرض يا بهيمة.”

الزنزانة كلها سكتت.

حتى السجين اللي كان بيضحك بطل ضحك.

بص لكريم باشمئزاز: — إنت ضربت واحدة حامل؟

كريم قام بعصبية: — ماتعرفش حاجة!

لكن حتى هو ما كانش مصدق نفسه.

لأن الحقيقة لأول مرة اتعرضت قدامه مجردة. من غير أعذار. من غير بدلة شيك. من غير أم تقوله إنه دايمًا صح.

الحقيقة كانت واضحة وبشعة.

هو كان مستعد يسيب مراته تولد فوق الرخام عشان يمسك الفلوس.

في نفس الوقت تقريبًا، كنت أنا قاعدة في أوضة آدم الجديدة داخل قصر المنصوري. الشمس داخلة من الشبابيك الكبيرة، وستائر الأوف وايت بتتحرك مع الهوا، وآدم نايم فوق صدري بعد الرضاعة، نفسه الصغير دافي فوق جلدي.

الهدوء كان غريب عليا.

سنين وأنا متعودة أعيش مستنية الانفجار الجاي. صوت مفاتيح كريم وهو داخل متعصب. خطوات سامية في الممر. تعليقاتها السامة. نظرات الاحتقار. حتى وأنا نايمة، جسمي كان دايمًا متحفز للخطر.

لكن دلوقتي…

مافيش غير صوت نفس ابني.

ولأول مرة من سنين… حسيت بالأمان.

بس الأمان ما استمرش طويل.

خبط خفيف على الباب. نهى دخلت وهي شايلة ملفات أكتر من المعتاد.

أول ما شافتني مبتسمة لآدم، ملامحها هديت شوية. قالت: — كنت عارفة إنك هتبقي أم شاطرة.

بصيت لابني وابتسمت. — أنا لسه بتعلم.

قعدت قدامي وفتحت الملف. — عندنا مشكلة صغيرة.

ضحكتي اختفت فورًا. — كريم؟

هزت راسها. — محاميه الجديد طلب إفراج مؤقت بحجة إنك بتشوهي سمعته إعلاميًا.

ضحكت بسخرية. — أنا؟!

— وبيقول إن الفيديو متفبرك.

بصيتلها بعدم استيعاب. — الفيديو اللي أمه صورته؟

— أه.

غمضت عيني للحظة.

الناس دي ماكانتش تعرف تعترف بالغلط حتى وهي غرقانة فيه.

نهى بصتلي بتركيز. — هنا… اسمعيني كويس. الجاية مش سهلة. كريم مش هيسيب كل حاجة تقع بسهولة. وفي ناس كانت مستفيدة من شراكته وأموال المنصوري. هيحاولوا يضغطوا عليكِ.

حضنت آدم أكتر. — وأنا مش لوحدي دلوقتي.

ابتسمت نهى. — أيوه. وده اللي هيخوفهم أكتر.

بعدها بأسبوعين بدأت الحرب الحقيقية.

مش في المحكمة.

على السوشيال ميديا.

صفحات بدأت تنزل إشاعات عني. يقولوا إني مريضة نفسية. إني بخون جوزي. إني استغليت الحمل علشان ألبسه القضايا. وإن الفيديو متقطع. وإن الستات دلوقتي بقوا يدمروا الرجالة علشان الفلوس.

كنت بقرا الكلام وأنا قاعدة بالليل أرضع آدم.

وفي كل كومنت… كنت بحس بوجع غريب.

مش علشانهم. لكن علشان فهمت فجأة ليه ستات كتير بتسكت.

لأن المواجهة مرعبة.

نهى طلبت مني ما أردش. لكن في ليلة معينة… لقيت بوست كاتب: “لو كان بيعذبها فعلًا ما كانتش فضلت معاه.”

الجملة خبطتني بعنف.

لأن دي كانت الجملة اللي كنت بقولها لنفسي زمان عن أي ست مضروبة.

قفلت الموبايل وأنا حاسة بغثيان.

وفجأة… بكيت.

بكيت بطريقة هستيرية مرعبة. وأنا حاضنة آدم.

مش خوف. ولا ضعف.

لكن تراكم.

كل صفعة بلعتها وسكت. كل مرة كريم اعتذر فيها وأنا سامحته. كل مرة سامية فهمتني إني قليلة الحظ لأنه اتجوزني أصلًا. كل مرة شكيت في نفسي.

آدم صحي على صوت عياطي. بدأ يعيط هو كمان.

في اللحظة دي… دخلت دادة سعاد، الست اللي ربتني من وأنا صغيرة بعد وفاة أبويا وأمي.

أول ما شافتني منهارة، خدت آدم بسرعة وضمته. وبعدين قعدت جنبي من غير كلام.

فضلت أبكي عشر دقايق كاملة.

وهي ساكتة.

لحد ما هديت.

ساعتها بس قالت بهدوء: — العياط مش ضعف يا بنتي.

مسحت وشي. — أنا تعبت.

حطت إيدها على شعري. — علشان فضلتي قوية زيادة عن اللزوم.

بصيتلها. ولأول مرة… اعترفت بصوت مسموع: — أنا كنت خايفة منه.

دادة سعاد هزت راسها كأنها كانت عارفة من زمان. — عارفة.

شهقت: — وعمرك ما قولتيلي؟

— لأن الست ما بتفوقش غير لما قلبها نفسه يرفض الذل.

الكلمة دخلت جوايا ببطء.

يمكن علشان كده ما حدش قدر ينقذني قبل ما أنا أقرر أتحرك.

بعد شهر، بدأت جلسات المحكمة.

الصحافة كانت محاصرة المكان بالكامل. وأول ما نزلت من العربية شايلة آدم، الكاميرات هجمت علينا.

واحدة من الصحفيات سألت: — مدام هنا! هل صحيح إن جوزك كان بيخونك مع سكرتيرته؟

ما رديتش.

صحفي تاني صرخ: — هل هتسمحي له يشوف ابنه؟

شدّيت آدم ناحيتي أكتر ودخلت المحكمة من غير كلمة.

لكن أول ما دخلت القاعة… شفت كريم.

ولوهلة… ماعرفتوش.

كان أضعف. وشه شاحب. ودقنه طالعة بعشوائية.

لكن أكتر حاجة صدمتني… إنه كان لسه باصصلي بنفس النظرة القديمة.

نظرة الامتلاك.

كأنه مقتنع إن كل ده سوء تفاهم وهيخلص.

أول ما قعدت… همس: — هنا.

ما بصتلوش.

كرر: — هنا… بصيلي.

نهى قربت مني فورًا. لكن قبل ما تتكلم… أنا رفعت عيني له أخيرًا.

وشه ارتاح أول ما بصيت.

قال بسرعة: — أنا غلطت. بس إنتِ كبرتي الموضوع بطريقة مجنونة.

افتكرت إني هنهار. أو أزعق. أو أعيط.

لكن اللي حصل… إني ضحكت.

ضحكة صغيرة باردة خلت وشه يتغير.

قلت: — كبرته؟ إنت كنت هتخليني أولد على الأرض.

قال بعصبية: — كنت متعصب!

— وضربتني علشان متعصب؟ — كنت خايف على مستقبلي!

ضحكت تاني. — لا يا كريم… إنت كنت خايف على فلوسي.

وشه اتشد. — الفلوس دي كانت هتبقى لابني.

رفعت آدم قدام عينيه. — ابني أنا مش هياكل من إيد راجل ضرب أمه وهي حامل فيه.

في اللحظة دي… القاضي دخل.

الجلسة بدأت.

محامي كريم حاول يلعب نفس اللعبة القديمة. قال إني “مضطربة عاطفيًا بعد الولادة.” وإن كريم “كان تحت ضغط نفسي شديد.” وإن الفيديو “لا يعكس الصورة الكاملة.”

لكن نهى قامت بهدوء.

وبدأت تعرض الأدلة.

صور الكدمات القديمة. تقارير المستشفى. رسائل التهديد. تحويلات الأموال. تسجيلات صوتية لسامية وهي بتقول: “امضي وخدي اللي نديهولك بدل ما نرميكي بره.”

القاعة كلها سكتت.

حتى القاضي وشه اتغير.

لكن الضربة الحقيقية… كانت لما نهى عرضت فيديو تاني.

فيديو من كاميرات البيت.

أنا كنت قاعدة على الأرض بعد ما كريم ضربني. ببكي بصمت. وحامل في شهري السادس.

وسامية داخلة عليا تقول: “بطلي تمثيل… الرجالة بتضرب عادي.”

القاعة انفجرت همهمة.

كريم قام بعصبية: — الفيديو ده متسرب بشكل غير قانوني!

القاضي ضرب بالمطرقة. — اقعد يا أستاذ كريم.

لكن كريم كان بينهار.

لأن صورته المثالية بتموت قدام الناس.

وفجأة… بصلي بنظرة كره مرعبة.

همس: — إنتِ دمرتيني.

بصيتله بثبات. — لا. إنت اللي دمرت نفسك.

الجلسة اتأجلت بعدها. لكن القضية كانت تقريبًا انتهت.

وأنا خارجة… لقيت ست كبيرة في السن مستنياني بره المحكمة.

قربت مني وهي بتبكي. وقالت: — أنا استحملت جوزي يضربني تلاتين سنة… أول مرة أحس إن في واحدة أخدت حقها.

الكلمة خلتني أتجمد.

لأن فجأة… فهمت إن الموضوع بقى أكبر مني.

أنا ما بقيتش بس هنا المنصوري.

بقيت الست اللي ناس كتير شايفة نفسها فيها.

وفي نفس الليلة… جالي اتصال غريب.

رقم مجهول.

رديت بحذر: — ألو؟

صوت ست رد بهدوء: — أنا نرمين.

اتجمدت.

سكرتيرة كريم السابقة.

اللي كان بيخوني معاها.

قلبي دق بعنف. — عايزة إيه؟

سكتت ثانية. ثم قالت: — أنا حامل.

الدنيا سكتت حواليا.

بصيت لآدم النائم جنبي. وقلت ببطء: — نعم؟

صوتها كان مكسور. — كريم وعدني إنه هيطلقك من سنة. قال إنك باردة ومجنونة ومش بتحبيه. ولما عرف إني حامل… اختفى.

غمضت عيني.

الوجع كان غريب. قديم. كأني بعيش الخيانة لأول مرة.

لكن الغريب… إني ما حسيتش بالغيرة.

حسيت بالشفقة.

قالت بسرعة: — أنا ما بكلمكيش علشان الفلوس. أنا بس… معرفش أعمل إيه.

افتكرت نفسي من شهور. وأنا قاعدة على أرضية الرخام. وخايفة. ووحدي.

وسألت نفسي: لو قفلت السكة في وشها… إيه الفرق بيني وبين سامية؟

تنهدت. — ابعتيلي عنوانك.

سكتت بدهشة. — ليه؟

قلت بهدوء: — علشان محدش يستحق يواجه ده لوحده.

بعد يومين… روحتلها.

كانت قاعدة في شقة صغيرة متواضعة. وشها شاحب. وعينيها منهارين من العياط.

أول ما شافتني… وقفت مرتبكة.

قالت: — أنا آسفة.

بصيتلها طويلًا. ثم قلت: — وأنا كمان كنت غبية.

دموعها نزلت.

وقعدنا ساعات نتكلم.

عرفت إن كريم كان بيلعب نفس اللعبة معاها. يوعد. يكذب. يختفي. يرجع باعتذار. ثم يهدد.

كان بيكرر نفسه.

لأن الناس اللي زي كريم… ما بيتغيروش. هم بس يغيروا الضحية.

قبل ما أمشي… بصتلي نرمين بخجل. — إنتِ قوية أوي.

ابتسمت بحزن. — لا. أنا بس وصلت لمرحلة ما بقتش أخاف أخسر حاجة.

مرت الشهور بعدها أسرع.

الحكم النهائي صدر.

سبع سنين لكريم. وأربع لسامية. مع تعويضات ضخمة ومنع من التصرف بأي أصول تخص المنصوري.

الصحافة اعتبرت الحكم “سابقة مهمة.”

أما أنا… فكنت قاعدة وقتها في أوضة آدم. بعلمه ينطق أول كلمة.

قلت: — قول ماما.

بصلي بعينيه الواسعة. ثم قال: — ما…ما.

وضعت وشي في رقبته وبكيت.

مش علشان كريم اتحبس. ولا علشان كسبت القضية.

لكن علشان أدركت إن حياتي أخيرًا بقت فيها صوت غير صوت الخوف.

بعد سنة… افتتحت مؤسسة باسم أمي.

مكان لدعم الستات المعنفات قانونيًا ونفسيًا.

أول يوم دخلت المؤسسة… شوفت ست حامل قاعدة في الركن بتستخبى بكدمة تحت نظارتها.

قلبي انقبض.

قعدت جنبها. وقلت: — أول خطوة إنك تعرفي إن اللي حصل مش غلطتك.

بكت فورًا.

وفي اللحظة دي… فهمت أنا ليه نجيت.

مش علشان أكسب. ولا علشان أنتقم.

لكن علشان لما ست تانية تقع… تلاقي حد يمدلها إيده قبل ما توصل لأرضية الرخام اللي وصلت لها أنا.

وفي ليلة هادية بعدها بسنين… كنت قاعدة في جنينة القصر. آدم بيلعب قدامي بالكورة. والهوا دافي.

فجأة سألني: — ماما؟

ابتسمت. — عيون ماما.

قال: — هو بابا كان وحش؟

السؤال وقف الزمن ثانية.

بصيت لابني. لبراءته. وللطريق الطويل اللي مشيته علشان أحميه من الكره.

قلت بهدوء: — لا يا حبيبي… باباك كان إنسان ضعيف. ولما الإنسان يسيب ضعفه يتحكم فيه… ممكن يبقى مؤذي جدًا.

فكر شوية. ثم سأل:٣ — وإنتِ كنتِ خايفة منه؟

ابتسمت بصدق. — جدًا.

قرب مني وحضني بإيده الصغيرة. — بس إنتِ كسبتي.

بصيت للسماء وأنا حاسة الدموع في عيني.

ثم حضنته أكتر. وهمست: — أيوه يا آدم… كسبت. علشان بقيت أمك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *