عشيقة جوزي حكـايـات أسمـا ×4
الفصل الثاني عشر
“…لأن كريم لم يكن أكبر كذبة في حياتك.”
توقفت أنفاسي.
خارج المنزل كانت الطرقات تزداد عنفًا.
وأصوات الرجال ترتفع.
لكنني لم أعد أسمع شيئًا.
كل تركيزي انحصر في كلمات أمي.
—
“أعرف أن هذه الجملة ستؤلمك.”
“لكن لو وصلتِ إلى هنا…”
“فلا بد أن تعرفي الحقيقة كاملة.”
—
شعرت بيدي ترتجف.
وأكملت القراءة.
—
“حين توفي والدك…”
“كنتِ في السابعة من عمرك.”
“والجميع أخبرك أنه مات في حادث سيارة.”
—
أغمضت عيني للحظة.
أتذكر الجنازة.
أتذكر بكاء أمي.
أتذكر الأيام الطويلة التي تلتها.
—
ثم قرأت السطر التالي.
—
“لكن والدك لم يمت في حادث.”
—
تجمدت.
—
أما عادل…
فخطف أنفاسه.
—
وحسام رفع رأسه فجأة.
—
وأكملت.
—
“تم ق*تله.”
—
ساد صمت كامل داخل الغرفة.
حتى أصوات الطرق في الخارج بدت بعيدة جدًا.
—
“لأنه رفض المشاركة في عمليات مالية غير قانونية.”
“ورفض التوقيع على عقود مزورة.”
“ورفض بيع ضميره.”
—
شعرت أن دموعي بدأت تنزل.
—
لأن صورة أبي في ذاكرتي كانت دائمًا لرجل هادئ.
شريف.
صادق.
—
ويبدو أن هذا بالضبط ما ق*تله.
—
لكن الرسالة لم تتوقف.
—
“بعد موته…”
“عرفت أن الدور سيأتي علينا.”
—
“ولهذا بدأت أجمع الأدلة.”
—
“ولهذا أنشأت الخزنة.”
—
“ولهذا خبأت الملفات.”
—
“ولهذا كنت أخاف كل يوم.”
—
رفعت رأسي.
—
وسألت الرجل العجوز:
“كنت تعرف؟”
—
هز رأسه بحزن.
—
“كلنا كنا نعرف جزءًا.”
—
“لكن أمك كانت الوحيدة اللي عرفت الصورة كاملة.”
—
ثم أشار إلى الرسالة.
—
“كملي.”
—
عدت للقراءة.
—
“أما كريم…”
—
“فلم يكن العقل المدبر.”
—
“ولم يكن أخطر شخص.”
—
“لكنه كان أول شخص اقترب منك بأوامر من المجموعة.”
—
شعرت بألم حاد في صدري.
—
حتى الآن…
ما زال اكتشاف أن زواجي بدأ كخطة يؤلمني.
—
لكن أمي أكملت:
—
“ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.”
—
“وقع في حبك فعلًا.”
—
أغمضت عيني.
—
لأن شريف وحسام قالا الشيء نفسه.
—
ولأن جزءًا صغيرًا بداخلي كان يعرف ذلك.
—
رغم كل ما فعله.
—
ورغم كل ما حطمه.
—
لكن الرسالة انتقلت إلى الجزء الأخطر.
—
“المشكلة الحقيقية لم تكن كريم.”
—
“بل الشخص الذي كان يعطي الأوامر.”
—
في تلك اللحظة…
دوى صوت ارتطام قوي.
—
وانكسر الباب الخارجي للمنزل.
—
صرخت ياسمين.
—
أما الرجل العجوز…
فأغلق الصندوق بسرعة.
—
وقال:
“دخلوا.”
—
لكنني لم أتوقف.
—
واصلت القراءة.
—
“إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة…”
“فالغالب أن سامح الجندي ما زال حيًا.”
—
شحب وجه حسام.
—
أما أنا…
فشعرت أن قلبي يقفز داخل صدري.
—
“سامح لم يكن مجرد شريك.”
—
“ولا مجرد محامٍ.”
—
“ولا مجرد صديق للعائلة.”
—
“سامح كان حلقة الوصل.”
—
“الرجل الذي كان ينقل المعلومات.”
—
“ويختار الضحايا.”
—
“ويغطي الآثار.”
—
ثم جاءت الجملة الأخيرة.
—
الجملة التي جعلت الجميع يتجمد.
—
“لكنه لم يكن الرئيس.”
—
رفعت رأسي بسرعة.
—
غير مصدقة.
—
حتى الآن؟
—
ما زال هناك شخص فوق سامح؟
—
ثم قرأت آخر سطر.
—
“إذا أردتِ معرفة الاسم…”
“فابحثي في الدفتر الأزرق.”
—
“لأن الاسم الحقيقي مكتوب هناك.”
—
انتهت الرسالة.
—
في اللحظة نفسها…
انفتح باب الغرفة بعنف.
—
ودخل ثلاثة رجال.
—
وخلفهم مباشرة…
دخل سامح الجندي.
—
هادئًا.
—
مرتبًا.
—
وكأنه لم يكن هاربًا من العدالة منذ ساعات.
—
نظر إليّ.
—
ثم إلى الرسالة في يدي.
—
وابتسم.
—
ابتسامة صغيرة.
—
وقال:
“واضح إنها وصلت للجزء الأخير.”
—
رفعت الرسالة أمامه.
—
وقلت بغضب:
“مين الرئيس؟”
—
لأول مرة…
اختفت الابتسامة من وجهه.
—
ثم نظر إلى الصندوق الخشبي.
—
وإلى الدفتر الأزرق الموجود داخله.
—
وقال ببطء:
“سؤال جميل.”
—
ثم أخرج مس*دسًا.
—
ووجهه نحوه مباشرة.
—
وأضاف:
“بس المشكلة…”
—
“إن محدش هيقراه النهارده.”
—
لكن قبل أن يضغط الزناد…
—
جاء صوت من خلفه.
—
صوت رجل عجوز هادئ.
—
“اتأخرت يا سامح.”
—
التفت الجميع.
—
وأنا معهم.
—
لأرى الرجل العجوز واقفًا.
—
لكن ملامحه لم تعد كما كانت.
—
لم يعد يبدو مجرد شاهد عجوز.
—
بل رجل يعرف أكثر مما أظهر.
—
وأخطر ما في الأمر…
—
أن سامح نفسه بدا مصدومًا لرؤيته واقفًا بهذه الثقة.
—
وقال بصوت خرج بالكاد من فمه:
—
“مستحيل…”
—
“إنت؟!”
الفصل الثالث عشر
“مستحيل… إنت؟!”
خرجت الكلمات من فم سامح كأنها اعتراف أكثر منها سؤالًا.
ولأول مرة منذ عرفته…
رأيته خائفًا.
خائفًا فعلًا.
ليس مرتبكًا.
ولا غاضبًا.
بل خائفًا.
—
أما الرجل العجوز…
فنظر إليه بهدوء.
ثم خلع النظارة الطبية التي كان يرتديها.
ووضعها على الطاولة.
وقال:
“بقى لك سنين طويلة بتجري.”
“وسنين أطول بتكذب.”
“لكن واضح إنك نسيت حاجة مهمة.”
—
ساد الصمت.
—
ثم أكمل:
“أنا كنت موجود من البداية.”
—
شعرت بقشعريرة.
—
أما سامح…
فبدأ يتراجع خطوة للخلف.
—
لأن الرجل الذي ظن الجميع أنه مجرد شاهد…
لم يكن شاهدًا.
—
بل كان أحد المؤسسين الحقيقيين للشركة الأولى التي عمل فيها والدي.
—
كان اسمه الحقيقي:
حسين المنياوي.
—
الرجل الذي اختفى من كل السجلات قبل خمسة وعشرين عامًا.
—
والرجل الذي اعتقد الجميع أنه مات.
—
قال سامح بصوت مرتجف:
“إحنا شفنا ج*ثتك.”
—
ابتسم حسين.
—
وقال:
“وشفتوا اللي كنت عايزكم تشوفوه.”
—
في تلك اللحظة…
أدركت شيئًا مهمًا.
—
كل شخص في هذه القصة…
كان يعيش باسمين.
وحياتين.
وسرّين.
—
أما حسين…
فأشار إلى الدفتر الأزرق.
—
وقال:
“افتحيه يا سارة.”
—
رفع سامح المس*دس فورًا.
—
لكن الرجال الذين معه لم يتحركوا.
—
بل تبادلوا النظرات.
—
وكأنهم هم أنفسهم لم يعودوا متأكدين ممن يتبعون.
—
فتحت الدفتر.
—
كانت صفحاته قديمة.
مليئة بالملاحظات.
والتواريخ.
والتحويلات.
والاجتماعات.
—
حتى وصلت إلى الصفحة الأخيرة.
—
وهناك…
وجدت اسمًا واحدًا.
—
اسمًا مكتوبًا عشرات المرات.
—
ومحاطًا بدائرة حمراء.
—
قرأت الاسم.
—
ثم شعرت أن الأرض تميد تحت قدمي.
—
لأن الاسم لم يكن سامح.
—
ولم يكن شريف.
—
ولم يكن حسام.
—
بل كان اسمًا لم يخطر في بالي لحظة واحدة.
—
اسم:
“نادر السيوفي.”
—
رفعت رأسي.
—
“مين نادر السيوفي؟”
—
ساد الصمت.
—
ثم أجاب حسين.
—
“الرجل اللي أسس الشبكة كلها.”
—
“والرجل اللي ق*تل أبوكي.”
—
“والرجل اللي أمر بمراقبة أمك.”
—
“والرجل اللي كان بيدي الأوامر لسامح.”
—
شعرت بالبرد يسري في جسدي.
—
ثم سألت:
“فينه؟”
—
هنا…
ضحك سامح.
—
ضحكة قصيرة.
متعبة.
—
وقال:
“ده السؤال اللي الكل بيسأله من عشرين سنة.”
—
“لأن نادر السيوفي اختفى.”
—
“واختفى بفلوسه.”
—
“وبأسماءه الوهمية.”
—
“وبكل حاجة.”
—
ثم أضاف:
“حتى أنا ما شفتوش من سنين.”
—
ساد الصمت.
—
لكن حسين لم يقتنع.
—
بل قال:
“كذاب.”
—
ثم أخرج من جيبه ظرفًا قديمًا.
—
ورماه فوق الطاولة.
—
فتحته بسرعة.
—
وفي الداخل كانت صورة حديثة.
—
حديثة جدًا.
—
التُقطت قبل أشهر فقط.
—
وفيها…
كان سامح يجلس داخل مطعم.
—
وأمامه رجل.
—
وجهه واضح.
—
وتحت الصورة تاريخ.
—
ومكان.
—
وأسماء.
—
أما في الخلف…
فكان مكتوبًا بخط أمي:
—
“لو وصلتِ للصورة دي…”
—
“يبقى أخيرًا لقيتيه.”
—
نظرت إلى الرجل داخل الصورة.
—
ثم شعرت أن أنفاسي توقفت.
—
لأنني أعرفه.
—
أعرفه جيدًا.
—
بل رأيته مرات كثيرة.
—
في التلفزيون.
—
وفي المؤتمرات.
—
وفي الجرائد.
—
واعتبره الناس واحدًا من أنجح رجال الأعمال في البلد.
—
أما اسمه الحالي…
—
فلم يكن نادر السيوفي.
—
بل اسمًا آخر تمامًا.
—
وفي اللحظة التي قرأته فيها…
أدركت لماذا استطاع الاختباء كل هذه السنوات.
—
ولماذا لم يشك فيه أحد.
—
ولماذا مات أشخاص كثيرون وهم يطاردون الحقيقة.
—
لأن نادر السيوفي…
—
لم يكن مختفيًا أصلًا.
—
بل كان يعيش أمام الجميع.
—
باسم مختلف.
—
ومكانة مختلفة.
—
وسلطة أكبر مما تخيلنا.
—
وفي تلك اللحظة…
—
نظر سامح إلى الصورة.
—
ثم أغلق عينيه.
—
وقال جملة واحدة فقط:
—
“خلاص…”
—
“انتهى كل شيء.”
—
ولأول مرة منذ بدأت هذه الحكاية…
—
شعرت أن النهاية أصبحت قريبة فعلًا.
الفصل الأخير
“خلاص… انتهى كل شيء.”
قالها سامح وهو ينظر إلى الصورة.
لكنني كنت أعرف أنه مخطئ.
لم ينتهِ شيء بعد.
بل لأول مرة…
أصبح لدينا اسم.
وصورة.
وطريق واضح.
—
بعد ساعات قليلة…
كانت كل الملفات التي جمعتها أمي.
وكل المستندات الموجودة في الدفتر الأزرق.
وكل التسجيلات التي أخفاها حسين.
في أيدي جهات التحقيق.
—
أما الرجل الذي عاش باسم مزيف لعشرين عامًا…
فلم يعد مجرد شبح.
أصبح هدفًا.
—
ولأول مرة منذ سنوات…
بدأت الأخبار تتحدث عنه.
ليس كرجل أعمال ناجح.
ولا كفاعل خير.
ولا كصاحب مجموعة شركات ضخمة.
بل كمشتبه به.
—
وخلال أسبوع واحد فقط…
انهارت أشياء كثيرة.
شركات.
حسابات.
شراكات.
وأشخاص كانوا يظنون أنفسهم فوق القانون.
—
أما سامح…
فقرر التعاون.
ربما لأنه تعب.
أو لأنه أدرك أن الهروب انتهى.
—
لكنه قبل أن يُنقل إلى الحجز…
طلب أن يراني.
—
دخلت غرفة الزيارة.
—
فوجدته جالسًا وحده.
أكبر سنًا مما أتذكر.
وأضعف.
—
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال:
“أمك كانت أشجع واحد فينا.”
—
لم أرد.
—
فأكمل:
“كلنا خفنا.”
“كلنا سكتنا.”
“إلا هي.”
—
لأول مرة…
لم أشعر نحوه بالغضب.
—
فقط شعرت بالتعب.
—
تعب سنوات كاملة من الأكاذيب.
—
ثم سألته:
“لو رجع بيك الزمن…”
“كنت هتعمل نفس اللي عملته؟”
—
ساد الصمت.
—
ثم هز رأسه.
—
“لا.”
—
وكانت تلك أول إجابة صادقة أسمعها منه.
—
بعد شهرين…
تم القبض على الرجل الذي عاش باسم مزيف.
—
لم تكن هناك مطاردات سينمائية.
ولا تبادل إطلاق نار.
—
كان يجلس داخل مكتبه الفاخر.
حين دخلت الشرطة.
وانتهى كل شيء.
—
بهدوء.
كما تبدأ وتنتهي معظم الأكاذيب الكبيرة.
—
أما أنا…
فعدت إلى الفيلا.
—
الفيلا التي بدأت منها الحكاية كلها.
—
دخلت من الباب نفسه.
—
ورأيت المكان نفسه.
—
لكنني لم أعد المرأة نفسها.
—
المطبخ عاد كما كان.
—
والصالة أصبحت فارغة.
—
لا أطفال غرباء.
—
لا حقائب سفر.
—
لا أكاذيب.
—
ولا كريم.
—
أما الخزنة…
فما زالت في مكانها.
—
اقتربت منها.
—
وأدخلت المفتاح الفضي.
—
وفتحتها للمرة الأخيرة.
—
كانت فارغة تقريبًا.
—
إلا من شيء واحد.
—
صورة.
—
صورة لأمي.
—
خلفها كلمات بخط يدها.
—
“إذا وصلتي إلى هنا…”
“فأنا فخورة بيكي.”
—
انهمرت دموعي أخيرًا.
—
ليس بسبب الخيانة.
—
ولا بسبب الأسرار.
—
ولا بسبب كل ما خسرته.
—
بل لأنني أدركت شيئًا مهمًا.
—
أمي لم تترك لي الفيلا.
—
ولا الأموال.
—
ولا الخزنة.
—
تركت لي القوة.
—
القوة التي احتجتها عندما انهار كل شيء.
—
وفي صباح هادئ بعد ذلك بأيام…
رن جرس الباب.
—
فتحت.
—
فوجدت كريم واقفًا.
—
وحده.
—
بلا غضب.
—
بلا غرور.
—
وبلا أعذار.
—
فقط رجل يبدو أكبر بعشر سنوات.
—
قال:
“أنا مش جاي أطلب فرصة.”
—
“ولا جاي أبرر.”
—
“ولا حتى جاي أقول سامحيني.”
—
نظرت إليه بصمت.
—
فأكمل:
“جاي أقول إنك كنتِ أحسن حاجة حصلت في حياتي.”
—
ثم ابتسم ابتسامة حزينة.
—
وأضاف:
“وأغبى قرار أخدته…”
—
“إني خسرتك.”
—
ساد الصمت بيننا.
—
ثم قلت بهدوء:
“وأنا اتعلمت حاجة.”
—
رفع رأسه.
—
فأكملت:
“الناس بتبين حقيقتها في اللحظة اللي تفتكر فيها إنك ضعيف.”
—
أومأ برأسه.
—
كأنه فهم.
—
ثم استدار.
—
ورحل.
—
هذه المرة للأبد.
—
أغلقت الباب.
—
وسرت نحو الشرفة.
—
كانت شمس القاهرة تغمر السماء بلون ذهبي دافئ.
—
نظرت إلى الحديقة.
—
إلى البيت.
—
إلى الحياة التي نجت من كل ما حدث.
—
ثم أغمضت عيني.
—
وأخذت نفسًا عميقًا.
—
لأول مرة منذ زمن طويل.
—
دون خوف.
—
ودون أسرار.
—
ودون انتظار الخيانة التالية.
—
لأن الحقيقة أخيرًا…
خرجت من الخزنة.
—
أما أنا…
فخرجت أقوى منها.
—
النهاية.