بعد 3 اشهر حكـايـات أسمـا ×1

بعد ثلاثة أشهر فقط من عودتي إلى المنزل مع طفلتي الرضيعة من المستشفى، كنت ما أزال أتحرك داخل البيت وكأنني مصنوعة من الزجاج.

 

جسدي لم يتعافَ بالكامل بعد من الحمل والولادة، وعقلي كان غارقًا في ذلك الضباب الغريب الذي تعرفه كل أم جديدة، حيث تختلط الأيام بالليالي، ويصبح الوقت مجرد ممر طويل بلا نوافذ.

 

كنت في تلك الحالة تمامًا عندما دخل زوجي من باب الفيلا عصر يوم ممطر…

 

وبرفقته امرأة أخرى.

 

لم يتردد كريم الشاذلي لحظة عند المدخل.

 

لم يخفض صوته عندما رأى جهاز مراقبة الطفلة يضيء فوق الطاولة الجانبية.

 

لم ينظر إلى زجاجة الحليب نصف الممتلئة.

 

ولا إلى بطانية الصغيرة “ليان” الوردية داخل سريرها.

 

دخل مرتديًا معطفه الأسود الأنيق، وعلى وجهه تلك الابتسامة الناعمة التي يستخدمها أمام رجال الأعمال والعملاء.

 

أما المرأة التي كانت تقف بجواره فكانت تمسك بذراعه وكأنها صاحبة المكان بالفعل.

 

كان اسمها ياسمين السيوفي.

 

وعرفت ذلك لأن اسمها كان يظهر كثيرًا على هاتف كريم خلال الأشهر الأخيرة.

 

تنحنح كريم.

 

ليس لأنه متوتر.

 

بل لأنه يحب أن ينتبه الجميع قبل أن يبدأ حديثه.

 

ثم قال بهدوء:

 

“ياسمين هتعيش هنا من النهارده.”

 

وتابع:

 

“وعايز إجراءات الطلاق تخلص بسرعة.”

 

لثوانٍ…

 

شعرت أن جدران البيت تقترب مني.

 

كنت أجلس على الأريكة بملابس منزلية بسيطة.

 

وشعري مربوط بعشوائية خلف رأسي.

 

وابنتي تنام على بعد خطوات مني.

 

أذكر أنني نظرت أولًا إلى حذائه.

 

قطرات المطر تتساقط منه فوق الأرضية الرخامية التي اخترتها بنفسي.

 

في البيت الذي ساهمت في بنائه.

 

بينما كانت المرأة الواقفة بجواره تنظر حولها وكأنها تختار المكان الذي ستضع فيه أغراضها.

 

قلت بهدوء:

 

“بتقول الكلام ده دلوقتي؟”

 

تنهد كريم بضيق.

 

وكأنه منزعج فقط لأن مشاعري تؤخره.

 

قال:

 

“لو سمحتي يا سلمى… متعمليش مشكلة.”

 

أمالت ياسمين رأسها قليلًا.

 

وكان قميصها الحريري يعكس ضوء النافذة الرمادي.

 

ثم قالت بصوت ناعم بدا وكأنه متدرب عليه مسبقًا:

 

“أنا عارفة إن الموقف صعب…”

 

ثم ابتسمت.

 

“بس كريم من حقه يكون سعيد.”

 

نظرت إليها.

 

ثم إليه.

 

وفي تلك اللحظة…

 

شعرت بشيء داخلي يتوقف تمامًا.

 

ليس هدوءً.

 

بل وضوحًا.

 

وضوحًا باردًا ومؤلمًا.

 

سألت:

 

“وأنا وبنتي هنروح فين؟”

 

وضع كريم ملفًا فوق الطاولة أمامي.

 

بثقة رجل يظن أن الأوراق يمكن أن تجعل القسوة تبدو محترمة.

 

وقال:

 

“أختك عندها مكان.”

 

ثم أضاف:

 

“هتكونوا كويسين.”

 

رفعت حاجبي.

 

“ولما تقدر هتساعدنا؟”

 

اشتدت ملامحه قليلًا.

 

وقال:

 

“أنا بحاول أحافظ على الشركة واقفة يا سلمى.”

 

ثم أكمل بنبرة متعالية:

 

“بلاش نتظاهر إنك فاهمة الضغوط دي.”

 

وهنا…

 

كدت أضحك.

 

لأنني خلال أربع سنوات كاملة…

 

كنت أنا من يفهم الضغوط أكثر منه.

 

عندما كانت شركته مجرد مشروع صغير مهدد بالإفلاس.

 

كنت أنا من أصلح العقود.

 

وأعيد التفاوض مع الموردين.

 

وأرتب الحسابات.

 

وأقضي الليالي أتحدث مع العملاء الذين فقدوا الثقة فيه.

 

أما والدي…

 

الحاج محمود المنصوري…

 

فكان رجل أعمال معروفًا في القاهرة والإسكندرية.

 

ومن خلال علاقاته فُتحت لكريم أبواب لم يكن ليصل إليها وحده أبدًا.

 

لكنني فعلت كل ذلك بصمت.

 

لأنني كنت زوجته.

 

ولأنني كنت أؤمن أن نجاحه نجاح لنا معًا.

 

أما كريم…

 

فلم يسأل يومًا لماذا كانت بعض العقود تحتاج توقيعي.

 

ولم يسأل لماذا كانت أكبر مخازن الشركة مسجلة باسم شركة “المنصوري القابضة”.

 

ولم يقرأ الأوراق جيدًا ليفهم أن منصب المدير التنفيذي لا يعني أنه المالك الحقيقي.

 

دفع الملف نحوي.

 

وقال:

 

“وقعي بس إنك استلمتي الأوراق.”

 

ثم تابع:

 

“والمحامين يكملوا الباقي.”

 

التقطت القلم.

 

كانت يدي ترتجف.

 

لكن ليس بسبب الاستسلام.

 

وقعت في المكان الذي أشار إليه.

 

ثم أعدت الملف إليه.

 

تنفس كريم براحة.

 

وكأنه انتصر.

 

أما ياسمين…

 

فاتسعت ابتسامتها أكثر.

 

رفعت رأسي نحوهما.

 

ثم قلت بهدوء شديد:

 

“مبروك.”

 

لم يلاحظ أي منهما أنني وقعت فقط على استلام الأوراق.

 

ولم يلاحظ أي منهما أن هاتفي الموضوع بجوار كتب الأطفال كان يسجل كل كلمة قيلت داخل الغرفة.

 

ولم يلاحظ أي منهما الرسالة التي أرسلتها إلى محاميّ قبل عشر دقائق فقط…

 

بينما كان كريم لا يزال يخلع معطفه عند الباب.

الفصل الأول

 

لم أبكِ.

 

وهذا أكثر ما أزعج كريم.

 

كان ينتظر صراخًا.

 

أو توسلات.

 

أو مشهدًا دراميًا يجعله يشعر بأنه المنتصر.

 

لكني لم أمنحه شيئًا من ذلك.

 

فقط حملت ليان بين ذراعي.

 

وأخذت حقيبة صغيرة.

 

وغادرت الفيلا.

 

بينما كانت ياسمين تقف بجوار الباب بابتسامة المنتصر.

 

ولم تكن تعرف أنها دخلت للتو إلى أكبر فخ في حياتها.

 

—

 

بعد أقل من ساعة…

 

كنت أجلس في مكتب المحامي سامح الجندي.

 

الرجل الذي عمل مع والدي لأكثر من عشرين عامًا.

 

وما إن انتهيت من تشغيل التسجيل أمامه…

 

حتى خلع نظارته ببطء.

 

وقال:

 

“هو قال الكلام ده كله قدامك؟”

 

أومأت.

 

ثم وضعت نسخة من أوراق الطلاق أمامه.

 

وقلت:

 

“وأجبرني أوقع على الاستلام.”

 

قرأ الأوراق.

 

ثم ابتسم.

 

ابتسامة صغيرة خطيرة.

 

وقال:

 

“كويس.”

 

عقدت حاجبي.

 

“كويس؟”

 

أشار إلى التسجيل.

 

ثم إلى الأوراق.

 

وقال:

 

“لأن أستاذ كريم لسه فاكر نفسه صاحب اللعبة.”

 

ثم أخرج ملفًا سميكًا من درج مكتبه.

 

ووضعه أمامي.

 

وقال:

 

“لكن الحقيقة غير كده.”

 

—

 

فتح الملف.

 

وبدأت أراجع المستندات.

 

عقود تأسيس.

 

عقود ملكية.

 

اتفاقيات استثمار.

 

وأوراق كنت أعرفها جيدًا.

 

لكن كريم لم يهتم يومًا بقراءتها.

 

قال سامح:

 

“شركة الشاذلي للتطوير؟”

 

“أيوه.”

 

“إنتِ المالكة لـ 68% منها.”

 

ابتسمت بهدوء.

 

“عارفة.”

 

“والمخازن الرئيسية؟”

 

“بتاعة المنصوري القابضة.”

 

“والفيلا؟”

 

رفعت عيني إليه.

 

فابتسم.

 

وقال:

 

“مسجلة باسمك بالكامل.”

 

—

 

في الجهة الأخرى…

 

كان كريم يحتفل.

 

طلب عشاء فاخرًا.

 

واشترى زهورًا لياسمين.

 

بل وفتح زجاجة عصير فاخرة.

 

وقال بثقة:

 

“أخيرًا خلصنا.”

 

ضحكت ياسمين.

 

وقالت:

 

“كنت عارفة إنك هتختارني.”

 

أما هو…

 

فكان يشعر أنه انتصر.

 

بعد سنوات من الزواج.

 

وبعد شهور من العلاقة السرية.

 

أخيرًا أصبحت الحياة كما يريد.

 

لكن ذلك الشعور لم يستمر أكثر من ثمانٍ وأربعين ساعة.

 

—

 

في صباح الإثنين…

 

دخل إلى مكتبه.

 

فوجد موظفي الإدارة القانونية ينتظرونه.

 

كانت وجوههم شاحبة.

 

قال:

 

“خير؟”

 

نظر إليه مدير الشؤون القانونية.

 

وقال:

 

“في مشكلة.”

 

جلس كريم.

 

وقال بثقة:

 

“اتكلم.”

 

وضع الرجل ملفًا أمامه.

 

وقال:

 

“وصلنا إخطار رسمي.”

 

فتح كريم الملف.

 

وبدأ يقرأ.

 

ومع كل سطر…

 

كانت ملامحه تتغير.

 

ثم رفع رأسه فجأة.

 

وقال:

 

“إيه الهبل ده؟”

 

رد المحامي:

 

“مش هبل.”

 

“أمال إيه؟”

 

“حقيقة.”

 

—

 

كان الإخطار ينص على عزله مؤقتًا من الإدارة التنفيذية.

 

وتجميد صلاحياته المالية.

 

إلى حين مراجعة عدد من المخالفات الإدارية.

 

صاح كريم:

 

“مين عمل كده؟”

 

أجاب المحامي:

 

“مجلس الملاك.”

 

تجمد.

 

ثم قال:

 

“أنا مجلس الملاك.”

 

رد الرجل:

 

“لأ.”

 

ثم أضاف بهدوء:

 

“مدام سلمى هي صاحبة الأغلبية.”

 

ساد الصمت.

 

ثانيتين.

 

ثلاث.

 

أربع.

 

قبل أن ينفجر كريم:

 

“مستحيل.”

 

—

 

خلال ساعتين فقط…

 

كان يتصل بكل شخص يعرفه.

 

لكن الإجابات كانت واحدة.

 

العقود صحيحة.

 

المستندات صحيحة.

 

الملكية صحيحة.

 

وسلمى تملك الشركة فعلًا.

 

بل وتملك الحق القانوني الكامل في عزله.

 

—

 

أما الضربة الثانية…

 

فجاءت عصر اليوم نفسه.

 

حين عاد إلى الفيلا.

 

فوجد سيارة نقل ضخمة أمام المنزل.

 

وعشرات العمال يدخلون ويخرجون.

 

تجمد.

 

ثم اندفع نحوهم.

 

وقال:

 

“إيه اللي بيحصل؟”

 

اقترب منه أحد الموظفين.

 

وسلمه ظرفًا رسميًا.

 

فتح الظرف بسرعة.

 

ثم شعر أن الدم اختفى من وجهه.

 

لأن الخطاب كان واضحًا جدًا.

 

بصفته مديرًا سابقًا للشركة…

 

يُطلب منه إخلاء العقار خلال سبعة أيام.

 

العقار المملوك بالكامل للسيدة سلمى المنصوري.

 

نظر إلى الفيلا.

 

ثم إلى الخطاب.

 

ثم إلى العمال.

 

وشعر لأول مرة بالخوف الحقيقي.

 

الخوف الذي يشعر به الإنسان عندما يكتشف أن كل شيء ظنه ملكه…

 

لم يكن ملكه أصلًا.

 

—

 

في تلك الليلة…

 

لم ينم كريم.

 

أما أنا…

 

فكنت أجلس في شقة فاخرة مطلة على النيل.

 

أرضع ابنتي الصغيرة.

 

وأراجع مع المحامي آخر الأوراق.

 

ثم وصلتني رسالة قصيرة.

 

رقم مجهول.

 

لكنني عرفت صاحبها فورًا.

 

كريم.

 

كانت الرسالة تحتوي على ثلاث كلمات فقط:

 

“لازم نتكلم.”

 

نظرت إليها طويلًا.

 

ثم أغلقت الشاشة.

 

دون أن أرد.

 

لأن الرجل الذي لم يمنحني خمس دقائق لأشرح نفسي…

 

لا يستحق مني دقيقة واحدة الآن.

 

لكنني لم أكن أعلم…

 

أن حماتي نادية الشاذلي كانت في تلك اللحظة تخطط لشيء أخطر بكثير من الطلاق.

 

شيء قد يحول الحرب القانونية كلها…

 

إلى فضيحة تهز القاهرة بأكملها.

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *