زبن حكـايـات أسمـا ×2

صوت زين وهو بيهدد اللي في التليفون فضل يتردد في ودن ياسمين حتى بعد ما الدنيا سكتت. كانت قاعدة على طرف السرير في الأوضة الكبيرة اللي ريحتها غريبة عليها، ريحة خشب غالي وعطر رجالي بارد وملايات جديدة ماحدش نام عليها قبل كده، لكنها رغم كل الفخامة حست إنها قاعدة في قفص دهب. حطت إيدها على بطنها وهي مش مصدقة إن جواها حياة صغيرة اتكونت من ليلة واحدة هي نفسها مش عارفة تسميها إيه. غلطة؟ ضعف؟ حب اتولد في لحظة موت؟ ولا عقاب على قلب صدق نظرة واحدة من راجل المفروض مايتصدقش؟ قامت من مكانها ومشت ناحية الشباك الزجاجي الكبير. القاهرة تحتها كانت منورة وكأنها مدينة تانية بعيدة عنها، النيل أسود وهادئ، والعربيات صغيرة زي النقط، والناس ماشية في حياتها عادي، محدش فيهم يعرف إن فوق في الدور ده فيه بنت اسمها ياسمين السيوفي واقفة مرعوبة لأنها حامل من زين الدهبي. فجأة سمعت خطواته تقرب من الباب. جسمها شد. الباب ما اتفتحش. هو وقف بره بس. صوته جه أخف من المعتاد: نامي يا سيوفي. بكرة هيبقى يوم طويل. سكتت. كانت عايزة ترد تقول له إنها مش موظفة عنده هنا، وإنه ماينفعش يناديها كده وهي محبوسة في بيته، وإنه آخر إنسان في الدنيا له حق يقول لها تنام أو تصحى. لكنها ماقالتش حاجة. بعد لحظات سمعت خطواته تبعد. الغريب إن وجوده بره الباب خوّفها وطمنها في نفس الوقت، وده كان أكتر إحساس كرهته. نامت بعد الفجر من كتر العياط والتعب، ولما فتحت عينيها تاني كان الضوء داخل هادي من الستائر، وعلى الكومود جنبها صينية فطار صغيرة: عيش توست، جبنة، عصير برتقال، طبق فاكهة، وكوباية لبن دافية. جنب الصينية ورقة مكتوب عليها بخط رجالي حاد: الدكتور هييجي الساعة عشرة. كلي قبل الكشف. زين. بصت للورقة بغيظ. حتى اهتمامه كان أوامر. قامت وغسلت وشها، ولما بصت للمراية اتخضت من نفسها. وشها شاحب، عينيها وارمة، وشعرها متلخبط. اتنهدت وهي بتقول لنفسها بصوت واطي: فوقي يا ياسمين. لو فضلتي ضعيفة قدامه هيبتلعك. لبست هدومها اللي كانت الحارسة جابتها لها من شقتها، وخرجت للصالة. زين كان واقف عند الشباك، لابس قميص أسود وبنطلون رمادي، ماسك موبايله وبيتفرج على النيل كأنه بيحسب خطوات حرب. لما سمعها خرجت، ما التفتش فورًا، بس قال: أكلتي؟ ردت ببرود: صباح الخير الأول. التفت لها ببطء، وكأن الجملة غريبة عليه. قال: صباح الخير. أكلتي؟ ضحكت بسخرية قصيرة: مافيش فايدة. دخلت المطبخ ووقفت بعيد عنه. هو ساب التليفون على الطاولة وقرب منها خطوة واحدة بس، كأنه متعلم من خوفها امبارح. قال: الدكتور اللي هيكشف عليكي موثوق. ست دكتورة. ومش هتسأل أسئلة. قالت بسرعة: وأنا مش عايزة دكتور من طرفك. عايزة دكتورتي أنا. سكت. عيناه ضاقت شوية. قالت وهي بتثبت نفسها: لو حضرتك فاكر إنك هتقرر كل حاجة تخص جسمي وحياتي والطفل ده، تبقى غلطان. أنا مش عقد شركة بتوقع عليه. أنا إنسانة. الصمت اللي جه بعدها كان تقيل. زين بص لها طويل، وبعدين قال: اسم دكتورتك؟ اتفاجئت. كانت متوقعة عناد أو أمر أو تهديد. قالت بحذر: دكتورة نجلاء في مدينة نصر. قال: ابعتي الرقم. همست: وهتوديني لها؟ رد: لو ده هيخليكي تهدي. قالت بحدة: مش محتاجة أهدى. محتاجة أحس إن ليا رأي. حاجة في وشه اتغيرت للحظة. يمكن تأنيب ضمير، يمكن خوف، يمكن حاجة أعمق هو نفسه مش فاهمها. قال بهدوء: ليكي رأي. بس الهروب مش رأي. الهروب موت. فتحت فمها ترد، لكن الجرس رن. زين وقف مكانه، ومجرد رنة الجرس قلبت ملامحه. رجع الرجل المخيف في ثانية. الحارس ظهر من شاشة صغيرة جنب الباب وقال: دكتور سامح وصل يا فندم. زين رد بحدة: قلت دكتورة. الحارس اتوتر: هو بيقول إن حضرتك طلبته من زمان يا فندم وإن معاه ملف مهم. وش زين اتقفل. مشى ناحية الباب، وقبل ما يفتحه بص لياسمين وقال: ادخلي الأوضة. قالت بعناد: ليه؟ قال بصوت مافهوش نقاش: دلوقتي يا ياسمين. أول مرة يناديها باسمها في البيت بالشكل ده، خلى قلبها يدق. دخلت الأوضة لكنها ماقفلتش الباب بالكامل. سابت فتحة صغيرة تسمع منها. الباب الرئيسي اتفتح. صوت راجل كبير هادي دخل: صباح الخير يا زين بيه. سمعت زين يقول ببرود: إيه اللي جابك هنا يا سامح؟ الراجل ضحك ضحكة خفيفة: قلقان عليك. بعد اللي حصل في البرج طبيعي أطمئن. زين قال: اطمنت. اتفضل. لكن سامح ماخرجش. صوته قرب من الصالة: سمعت إنك نقلت حد هنا امبارح. ياسمين حست جسمها كله يتجمد. زين سكت ثانية. بعدها قال: ومن إمتى أخبار بيتي بتوصلك؟ سامح رد بنعومة خبيثة: لما يكون بيتك متعلق بأخبار المجموعة، لازم توصلني. خصوصًا لو السكرتيرة اللي كانت معاك ليلة الهجوم اختفت فجأة من المكتب. ياسمين حطت إيدها على بطنها بلا وعي. الراجل ده عارف. زين قال بصوت منخفض: اطلع بره يا سامح. ضحك سامح: ماتتعصبش. أنا جاي أحذرك. اللي حاولوا يقتلوك مش هيسكتوا. ولو في حد كان معاك في أوضة الأمان، يبقى ممكن يكون شاف أو سمع حاجة ماينفعش تتقال. زين اقترب منه على ما يبدو، لأن صوته بقى أخفض وأخطر: محدش يقرب منها. سامح سكت لحظة. وبعدها قال: منها؟ الكلمة دي لوحدها كانت كفاية تفضح كل حاجة. ياسمين سمعت صوت حركة كرسي. سامح كمل: زين الدهبي بيقول منها؟ واضح إن الموضوع أكبر من سكرتيرة شاطرة. الباب اتفتح فجأة. ياسمين اتخضت ورجعت لورا. زين كان واقف قدامها وعينه مشتعلة. قال بصوت خفيض: قلتلك ادخلي وتقفلي الباب. قبل ما ترد، ظهر الراجل التاني وراه. في أوائل الخمسينات، بدلة كحلي، شعره مدهون بعناية، ونظرة عينيه ماعجبتهاش. نظرة راجل بيحسب تمن الناس. ابتسم لها وقال: أستاذة ياسمين السيوفي. أخيرًا بنتعرف خارج المكتب. زين وقف بينه وبينها فورًا، كأن جسمه بقى حائط. قال: سامح المنشاوي. مستشاري القانوني. سامح ابتسم: وشريك قديم يا زين. ماتنساش. ياسمين فهمت من نبرة زين إن الراجل ده مش مجرد محامي. ده واحد من الناس اللي يعرفوا أسرار الدهبي، ويمكن أخطر من أعدائه الظاهرين. سامح بص ليها من فوق لتحت بطريقة خلتها تضم روبها على جسمها أكتر. قال: واضح إن صحتك مش أحسن حاجة يا أستاذة. أتمنى يكون التعب بسيط. زين قال بصوت حاد: برا. سامح رفع إيده باستسلام مصطنع: حاضر. بس قبل ما أمشي، عندي نصيحة صغيرة. الشركة على وشك اجتماع مجلس إدارة طارئ. بعد محاولة الاغتيال، في ناس بتسأل إذا كنت لسه قادر تدير المجموعة بعقلانية. ظهور شائعات عن علاقة بسكرتيرتك في الوقت ده مش هيبقى مفيد. ياسمين وشها احمر من الإهانة. زين لم يتحرك، لكنه قال بنبرة جليد: اللي ينطق اسمها في المجلس هيدفع التمن. سامح ابتسم وكأنه كسب حاجة: يبقى فيه اسم فعلًا. خرج سامح بعد ما ساب الجو مسموم وراه. الباب اتقفل. زين فضل واقف مكانه، قبضته مشدودة. ياسمين قالت بمرارة: شفت؟ أنا مش في خطر بس. أنا بقيت فضيحة بالنسبة لك. التفت لها بعنف: ما تقوليش كده. ردت وهي صوتها بيتكسر: ده كلام مستشارك مش كلامي. حضرتك طول عمرك عايش في عالم كل حاجة فيه صفقة وسمعة وسلطة. وأنا إيه؟ موظفة تخينة كانت محدش بيبصلها، وفجأة بقيت غلطتك اللي لازم تتدارى. عينيه اتغيرت، لكن صوته فضل ثابت: إنتِ مش غلطة. ضحكت بوجع: بس اللي حصل بينا كان غلطة. حضرتك قلتها. قرب منها خطوة وهي رجعت خطوة. وقف فورًا. قال: أنا قلت كلام جبان. سكتت. الكلمة وقعت بينهم بغرابة. زين الدهبي بيعترف إنه جبان؟ أكمل بصعوبة واضحة: الصبح ده… بعد الليلة دي… أنا خفت. مش منك. من نفسي. من إني أكون عايزك. من إني أبقى ضعيف قدام حد. ومن إني أجيبك في عالمي وأدمرك. ياسمين كانت عايزة تصدق، لكن جرحها كان أعمق. قالت: فقررت تدمرني بطريقة أبسط. فلوس مقابل سكوتي. أغمض عينيه لحظة. ولأول مرة شافته موجوع بجد. قال: عارف. ومش هطلب منك تسامحيني دلوقتي. بس هطلب منك تسمعيني. الليلة اللي هجموا فيها على البرج ماكنتش محاولة قتل عادية. فيه حد من جوه المجموعة فتح مدخل الخدمة وسكت كاميرات دور كامل. اللي عمل كده كان عارف مواعيدي وعارف أوضة الأمان وعارف إن الزر اتصلح. ياسمين اتجمدت. قالت: الزر؟ قال: محدش كان يعرف إن الزر اشتغل غيري وغيرك وغير قسم الصيانة. همست: يعني… حد كان مراقبني؟ زين قال: من قبل الهجوم. رجليها ضعفت. قعدت على طرف الكنبة وهي بتحاول تفهم. كل المرات اللي حست فيها إن فيه حد ماشي وراها في الجراج. كل المكالمات الغريبة اللي كانت بتتفصل أول ما ترد. كل الإيميلات اللي كانت بتوصلها من أسماء مجهولة عن ملفات مش موجودة. كانت فاكرة ضغط شغل. لكن يمكن كل ده كان بداية فخ. زين قعد بعيد عنها، لأول مرة مش فارض وجوده. قال: الليلة دي أنتِ أنقذتي حياتي. وده خلاكي هدف. الحمل بس زود الخطر. ياسمين همست: وأنا ليه ماعرفتش؟ ليه ماقلتليش من الأول؟ رد بجمود حزين: عشان لو قلتلك كنتي هتمشي. قالت: وده كان حقي. قال: عارف. كلمة عارف بقت بتوجعها أكتر من إنكاره. لأن اعترافه ماكانش بيرجع لها حريتها. بعد ساعة، زين فعلاً رتب زيارة لدكتورتها في مدينة نصر. العربية كانت مصفحة، قدامها عربية حراسة ووراها عربية تانية. ياسمين قعدت جنب الشباك طول الطريق، ساكتة. زين كان جنبها، بيشتغل على تابلت، لكن واضح إنه مش مركز. كل شوية يبص لها من غير ما تتكلم. عند العيادة، دكتورة نجلاء استقبلتها بابتسامة دافئة، لكن ابتسامتها ارتبكت لما شافت زين الدهبي واقف وراها. قالت ياسمين بسرعة: هو… هيستناني بره. زين بص لها، ثم هز رأسه وخرج من غير اعتراض. ده لوحده خلّى ياسمين تتنفس. جوه غرفة الكشف، لما الدكتورة سألتها إذا كانت متوترة، ياسمين دموعها نزلت فجأة. حاولت تمسحها بسرعة، لكن الدكتورة قربت منها وقالت: الحمل في أوله، والتوتر الشديد مش كويس. أيًا كان اللي حواليكي، لازم تاخدي بالك من نفسك. ياسمين همست: أنا خايفة. الدكتورة سألت بهدوء: من الأب؟ ياسمين ماعرفتش تجاوب. لأنها كانت خايفة منه وخايفة عليه في نفس الوقت. الكشف أكد الحمل في الأسبوع السادس تقريبًا. نبض لسه بدري يظهر بوضوح، والدكتورة طلبت تحاليل وراحة وأكل منتظم. لما خرجت ياسمين، زين وقف فورًا. عيناه راحت على وشها كأنه بيقرأ النتيجة من ملامحها. قالت بصوت واطي: الحمل موجود. ست أسابيع. وفي تحاليل. للحظة، كل البرود وقع من وشه. مش فرحة صريحة. مش ابتسامة. لكن صدمة عميقة. كأنه لأول مرة الخبر بقى حقيقي. عينيه نزلت على بطنها، وبعدها قال بصوت أخفض: كويس. الكلمة كانت بسيطة، لكنها خرجت منه مليانة حاجة مش مفهومة. وهما خارجين من العيادة، موبايل ياسمين رن. رقم أمها. قلبها اتقبض. ردت بسرعة: أيوه يا ماما. لكن اللي رد ماكانش صوت أمها. كان صوت كريم أخوها، مرعوب: ياسمين! الحقي! ماما وقعت في البيت ومش بترد عليا كويس. أنا اتصلت بالإسعاف بس مش عارف أعمل إيه. الدنيا لفت بيها. قالت بصراخ: أنا جاية حالًا. زين سمع كل حاجة. قبل ما تطلب، كان بيقول للحارس: على طنطا. بسرعة. ياسمين بصتله بدموع وغضب وخوف: أنا مش محتاجة إذنك أروح لأمي. قال وهو بيفتح لها باب العربية: ولا طلبتيه. الطريق لطنطا كان أطول طريق في حياتها. كانت ماسكة الموبايل وتكلم كريم كل خمس دقايق. زين جنبها اتصل بدكتور كلى كبير، وبمستشفى خاص، وبحد يجهز غرفة عناية. كانت عايزة ترفض مساعدته، لكن خوفها على أمها كان أكبر من كبريائها. لما وصلوا المستشفى، كريم كان واقف بره الطوارئ، وشه شاحب وهدومه متبهدلة. أول ما شافها جري عليها وحضنها. ياسمين ضمته بقوة وهي بتحاول ماتنهارش. كريم بص لزين بارتباك: مين ده؟ ياسمين سكتت لحظة. زين مد إيده وقال بهدوء: زين الدهبي. مدير أختك. كريم اتوتر أكتر. أكيد سمع الاسم قبل كده. مين في مصر مايسمعش عنه؟ لكن ماكانش وقت أسئلة. الدكتور خرج وقال إن الحالة محتاجة متابعة دقيقة وإن فيه مضاعفات من الفشل الكلوي والضغط. ياسمين حست إن رجليها بتسيبها. زين وقف جنبها، مش لمسها، بس وجوده كان ثابت. قال للدكتور: أي حاجة تحتاجوها تتعمل فورًا. الدكتور فهم من نبرة صوته إن مافيش نقاش. بعد ساعات من الانتظار، أمها استقرت مؤقتًا. ياسمين دخلت تشوفها. الحاجة نوال كانت نايمة على السرير، وشها مرهق، وإيدها فيها محاليل. ياسمين قعدت جنبها وباست إيدها. دموعها نزلت بصمت. همست: سامحيني يا ماما. أنا تعبتك معايا. أمها فتحت عينيها بصعوبة وابتسمت: إنتِ اللي شايلاني يا بنتي. ماتقوليش كده. عينها راحت ناحية الباب، حيث كان زين واقف بعيد. سألت بصوت ضعيف: مين الأستاذ ده؟ ياسمين اتوترت: مديري. الحاجة نوال بصت لها بنظرة أم فاهمة أكتر مما يقال. قالت: مديرك واقف على باب أوضة عناية في طنطا ليه؟ ياسمين سكتت. أمها شدّت على إيدها: ياسمين… إنتِ مخبية عليا إيه؟ قبل ما ترد، حصلت حركة بره. صوت جدال عالي. زين كان بيتكلم بحدة مع شخص ما. ياسمين خرجت بسرعة، فوجدت سامح المنشاوي واقف في ممر المستشفى. إزاي وصل هنا؟ ابتسامته الباردة كانت كفيلة تخلي الدم يهرب من وشها. قال: ألف سلامة على الوالدة. زين كان واقف قدامه كأنه على وشك يكسر رقبته. قال: إنت بتتبعني؟ سامح رفع حاجبه: أنا؟ أبدًا. بس لما رئيس المجموعة يسيب القاهرة فجأة بعربيات حراسة ويتجه طنطا، طبيعي الناس تقلق. ياسمين قالت بعصبية: إنت عايز إيه؟ سامح بص لها وابتسم: أطمن. وبالمرة أقولك إن غيابك عن الشركة بدأ يفتح كلام كتير. خصوصًا إن في اجتماع مجلس إدارة بكرة. زين قال: مش هتحضره. سامح ابتسم: بالعكس. لازم تحضره. لأن في ملفات اتسربت للرقابة، وفي شريك خليجي هدد بالانسحاب، وفي أعضاء مجلس شايفين إنك فقدت السيطرة. ثم قرب خطوة وقال بصوت خفيض يسمعهما هما الاتنين: وصدقني يا زين، آخر حاجة تحتاجها بكرة إن حد يسأل عن سبب اختفاء سكرتيرتك، أو ليه بتصرف على علاج أمها من حسابات خاصة. ياسمين شهقت. زين أمسك سامح من ياقة بدلته في ثانية ودفعه على الحائط. الحراس اتحركوا، لكن زين رفع إيده يوقفهم. صوته كان قاتل: لو جبت سيرة أمها تاني، مش هتخرج على رجلك. سامح رغم الخوف اللي ظهر في عينه للحظة، ابتسم: شايف؟ دي المشكلة. بقيت بتتصرف بعاطفة. وده خطر عليك. وخطر عليها. خرج سامح من المستشفى وترك وراءه رعب أكبر من الأول. ياسمين التفتت لزين وهي ترتجف: هو عرف أمي إزاي؟ عرف طنطا إزاي؟ زين ماجاوبش فورًا. ملامحه كانت شديدة القسوة. قال للحارس: من اللحظة دي، حراسة على أوضة الحاجة نوال وعلى كريم. محدش يدخل غير بإذن أستاذة ياسمين. ياسمين قالت: متعملش كده من غير ما تسألني. بص لها وقال: بيسألوا عن أمك يا ياسمين. دي مش سيطرة. دي نجاة. كانت عايزة تعاند، لكن خوفها كسرها. لأول مرة، قربت منه هي. قالت بصوت واطي: هو ممكن يأذيهم؟ زين سكت لحظة، وده كان الرد. دموعها نزلت. قالت: أنا ماكنتش عايزة غير حياة هادية. شغلانة تصرف على أمي وأخويا. كنت مستحملة إهانة الناس ونظراتهم وساعات الشغل الطويلة عشان بس أعدي. إنت دخلت حياتي ليلة واحدة، ودلوقتي كل اللي بحبهم بقوا في خطر. وش زين اتشد كأن كلامها ضربه في مكان عميق. قال: أنا هصلح ده. ردت بوجع: في حاجات ما بتتصلحش بالفلوس يا زين بيه. لأول مرة، ماصححش المسافة بينهما. ماقالش يا سيوفي. ما لبسش قناع المدير. قال بصوت مبحوح: قولي زين بس. بصتله بدهشة. قال: مش عايزك تقولي يا فندم تاني. الكلمة كانت غريبة في الممر البارد وسط ريحة المطهر والخوف. وكأنها اعتذار صغير متأخر. لكنها لم تكن كفاية. في آخر الليل، وبعد ما أمها استقرت، زين رتب جناح صغير لياسمين ترتاح فيه داخل المستشفى. كريم نام على الكنبة من الإرهاق. ياسمين فضلت صاحية. زين كان في آخر الغرفة يتكلم في مكالمات قصيرة. فجأة وصلته رسالة. شافت ملامحه تتغير. قال لها: اقفلي الباب. قالت بخوف: حصل إيه؟ مد لها التليفون. كانت صورة ملتقطة لها وهي داخلة عيادة دكتورة نجلاء، وتحتها رسالة من رقم مجهول: “الطفل اللي في بطنها مش هيشوف النور لو فضلت تعاند.” ياسمين حست إن صوت العالم اختفى. إيدها راحت لبطنها، وشهقة مكتومة خرجت منها. زين أخذ التليفون من إيدها بهدوء، لكن عينيه كان فيها جحيم. قال للحراس برا: المستشفى تتقفل. كل المداخل. دلوقتي. وبعدين التفت لها. كانت بتترعش. قرب منها ببطء، واستنى كأنه بيديها حق ترفض وجوده. لكنها هذه المرة ما رجعتش. وقفت مكانها. وضع إيده بخفة على كتفها، أول لمسة منه بعد كل الرعب ماكانتش سيطرة ولا امتلاك. كانت وعد. قال بصوت هادئ جدًا: محدش هيقرب منك. ولا منه. همست ودموعها بتغرق وشها: إنت ماتقدرش تحارب كل الناس. عينه ثبتت على عينها وقال: أقدر أحرق العالم كله لو اضطرّيت. كانت الجملة المفروض تخوفها. ويمكن خوفتها فعلًا. لكنها وسط خوفها، شعرت لأول مرة أن هذا الوحش الذي ابتلع حياتها ربما يقف أمام العالم كله لأجلها. وفي نفس اللحظة، في مكان بعيد داخل فيلا مظلمة على أطراف القاهرة، كان سامح المنشاوي واقف أمام رجل لا يظهر وجهه، يضع أمامه صور ياسمين، وصورة تقرير الحمل الذي لم يكن من المفترض أن يصل لأحد. قال سامح بصوت منخفض: الخبر صحيح. البنت حامل. والرجل الجالس في الظلام حرك خاتمًا ذهبيًا في إصبعه وقال ببرود: إذن زين الدهبي أصبح عنده وريث. سامح ابتسم: ونقطة ضعف. رد الرجل: لا. الوريث ليس نقطة ضعف فقط. الوريث مفتاح. وإذا لم نستطع كسر زين… سنأخذ المفتاح من رحمها.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *