ياسين حكايات أسما 2

الشخص المربوط على الكرسي كان راجل كبير في السن، دقنه طويلة بشكل مخيف، ووشه شاحب كأنه ما شافش الشمس من شهور. أول ما النور جه على عينيه بدأ يصرخ ويحاول يبعد وشه. اتجمد سيف مكانه وهو بيبص للرجل بصدمة. “مين ده؟!” رفع الرجل عينيه بتعب شديد، ولما شاف سيف دموعه نزلت فورًا. “أخيرًا… افتكرت تنزل.” قرب حسام بسرعة وفك الحبال من على إيديه، لكن الراجل وقع على الأرض من التعب. ركعت مريم جنبه وهي بتقوله بخوف: “إنت مين؟” رد بصوت مبحوح: “أنا… شريف.” اتسعت عيون سيف فجأة. الاسم نزل عليه كالصاعقة. شريف الحديدي. الشريك القديم للشركة. الراجل اللي اختفى من سنة كاملة واتقال إنه هرب بفلوس وسافر. قال سيف بذهول: “إنت… إنت حي؟!” ضحك شريف ضحكة موجوعة. “للأسف.” سكت ثانية وهو بيبص حواليه برعب. “هي فين؟” قال سيف بعصبية: “ريهام في المستشفى.” لأول مرة شريف اتنفس براحة. وبعدين قال الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقهم: “يبقى لسه معندكوش فكرة هي مين فعلًا.” سيف قرب منه بعنف: “اتكلم!” بلع شريف ريقه وقال: “ريهام ماحبتكش أبدًا… هي دخلت حياتك علشان حاجة تانية.” مريم سألت بخوف: “إيه هي؟” رفع شريف عينيه لسقف القبو كأنه بيحاول يهرب من الذكرى. “كنز.” سيف اتنرفز: “إنت اتهبلت؟!” لكن شريف كمل بسرعة: “من عشرين سنة أبوك خبّى مستندات وأموال وغسيل حسابات تحت الفيلا دي… ملايين بالدولار… وناس كبيرة كانت شريكة معاه.” شهقت مريم. أما سيف فكان مصدوم. “أبويا مات من سنين!” “وأسراره ما ماتتش.” طلع شريف نفس طويل وقال: “أنا كنت المحاسب اللي بيخفي كل حاجة… ولما أبوك مات، المستندات فضلت مستخبية هنا.” سيف بدأ يفتكر. أبوه فعلًا كان غامض بشكل مرعب. وثروته ظهرت فجأة قبل موته بسنين. قال شريف: “ريهام كانت شغالة مع ناس عايزين الملفات دي… قربت منك… دخلت الشركة… وبعدها البيت.” همست مريم: “وليلى؟” غمض شريف عينيه بألم. “ليلى اكتشفت القبو.” سيف حس قلبه بيتسحب من مكانه. “عرفت إن ريهام بتفتش تحت البيت… وهددتها إنها تبلغ الشرطة… فوقعت الخناقة.” شهقت مريم: “يعني قت*لتها علشان الملفات؟!” رد شريف: “ولأن ياسين شاف كل حاجة.” سيف افتكر ابنه وهو بيصرخ كل ليلة. “هي زقتها.” وكان فعلًا بيقول الحقيقة طول الوقت. حط سيف إيده على وشه وهو بيحاول يستوعب. لكن فجأة… صوت حركة فوق قطع الكلام. رفع حسام مس*دسه فورًا. “في حد فوق.” وفي نفس اللحظة… النور قطع. الضلمة بلعت المكان بالكامل. صرخت مريم بخضة. وبعدين صوت خطوات نزلت السلالم ببطء. خطوة. خطوة. خطوة. وصوت ست ضحكت بهدوء. “كنت عارفة إنكم هتوصلوا هنا.” اتسعت عيون سيف. “ريهام؟!” النور اشتغل فجأة. وكانت واقفة فوق السلم. لكن شكلها اتغير بالكامل. ملابس سوداء. وشاحب. وعينيها فيها جنون حقيقي. وفي إيدها مس*دس. ابتسمت وهي بتبص لشريف. “واضح إنك لسه بتحب الرغي.” صرخت مريم: “إنتِ المفروض في المستشفى!” ضحكت ريهام. “حقنة منومة بسيطة… مش انتحار زي ما افتكرتوا.” وجهت المس*دس ناحية سيف. “كنت هسيبك تعيش مبسوط وجاهل… لكن الفضول وحش.” قال سيف بكره: “إنتِ شيطانة.” ابتسمت. “والشيطانة دي كنت نايم في حضنها كل ليلة.” حسام رفع مس*دسه بسرعة. لكن ريهام صرخت: “ولا خطوة!” وفجأة ظهر راجلين من الضلمة وراها. كل واحد ماسك سل*اح. شهقت مريم. أما سيف فبدأ يفهم. ريهام ما كانتش لوحدها أبدًا. قالت وهي بتنزل السلالم ببطء: “الملفات فين يا شريف؟” شريف سكت. قربت منه وضربته بالكعب في صدره بعنف خلاه يصرخ. “فين الملفات؟!” صرخ: “مش معايا!” ضربته تاني. ومريم جريت ناحيته تحاول تحميه. لكن واحد من الرجالة شدها بعنف. صرخت وهي بتحاول تفلت. وفي اللحظة دي… كل خوف سيف اختفى. بقى فيه غضب بس. غضب راجل اكتشف إن مراته اتق*تلت وابنه اتعذب وهو كان أعمى. قال بصوت هادي مرعب: “سيبيهم يا ريهام.” ضحكت. “وإلا هتعمل إيه؟” بص في عينيها مباشرة. “هق*تلك.” لثانية… الهواء نفسه اتجمد. لكن ريهام ابتسمت أكتر. “أهو ده سيف اللي حبيته.” وفجأة… صوت طلق نار دوى في القبو. صرخت مريم. حسام رمى نفسه على الأرض. واحد من رجال ريهام وقع مضروب في كتفه. سيف استغل اللحظة وهجم على الراجل التاني. ضربه في الحيطة بعنف وانتزع المس*دس من إيده. القبو اتحول لفوضى. ضرب وصراخ وطلقات. مريم زحفت بسرعة ناحية شريف تفك قيوده بالكامل. أما ريهام… فكانت واقفة وسط الفوضى وعينيها مثبتة على سيف. كأنها مستمتعة. رفع سيف المس*دس ناحيتها. “خلصت اللعبة.” لكنها ضحكت. وضغطت زر صغير في إيدها. وفجأة… صوت إنذار اشتغل. وبدأ دخان يطلع من فتحات التهوية. صرخت مريم: “غاز!” بدأ الكل يكح بعنف. ريهام رجعت لورا وهي بتضحك. “لو أنا هقع… هوقعكم معايا.” جري سيف ناحيتها قبل ما تهرب. مسك إيدها بعنف. لكنها غرست ضوافرها في وشه وحاولت تضربه بالمس*دس. الاتنين وقعوا على الأرض وسط الدخان. كان بيتخانق معاها كأنه بيحارب وحش. أما هي… فكانت بتضحك بشكل مرعب. وفجأة صرخت فيه: “أنت السبب!” اتجمد ثانية. “إيه؟” “لو كنت حبيتني… ماكنتش عملت كل ده!” صرخ فيها: “إنتِ مجنونة!” دموعها نزلت وهي بتضحك. “أنا ضيعت عمري بحبك!” وفي اللحظة دي… مدت إيدها ناحية المس*دس. لكن طلقة خرجت قبل ما توصله. وجسمها اتجمد. بصت لتحت ببطء. الدم بدأ ينزل من صدرها. رفعت عينيها بصدمة ناحية حسام اللي كان واقف بعيد ماسك سل*احه. الوقت وقف. ريهام رجعت خطوة لورا. ثم وقعت على الأرض. سكتت الضحكة أخيرًا. أما سيف… فكان واقف يبصلها وهو مش قادر يصدق إن كل شيء انتهى. بعد دقائق وصلت الشرطة والإسعاف. القبو اتقفل بالكامل. والملفات اتصادرت. واتضح إن شبكة كاملة من رجال أعمال وغسيل الأموال كانت مستخبية ورا القصة. أما ياسين… ففضل أسبوع في المستشفى تحت الملاحظة. وفي كل يوم كان سيف يقعد جنبه بالساعات. يقرأله. يأكله بإيده. ويعتذر. كل يوم يعتذر. وفي ليلة هادية… كان ياسين نايم وسيف قاعد جنبه. فجأة الطفل فتح عينيه وقال: “هي ماتت؟” سكت سيف شوية. ثم هز راسه. ياسين بص للسقف بتعب. “كنت بخاف تنزل من الأوضة بالليل.” اتكسر قلب سيف. “خلاص يا حبيبي… محدش هيأذيك تاني.” سكت ياسين شوية. ثم قال: “أنا كنت فاكر إنك مش بتحبني.” الدموع نزلت من عيون سيف فورًا. ومسك إيد ابنه بقوة. “إنت أغلى حاجة في حياتي… وأنا أغبى أب في الدنيا إني ما صدقتكش.” حضنه ياسين بهدوء. ولأول مرة من سنة… نام من غير كوابيس. بعد شهر… رجعت الحياة للفيلا. لكن بشكل مختلف. الضحك رجع. النور رجع. وحتى الهوا بقى أخف. مريم فضلت تشتغل معاهم. لكن علاقتها بياسين بقت أكبر من مجرد مربية. كانت أول شخص صدقه. وأول شخص أنقذه. وفي يوم… كان سيف واقف في الجنينة بيتفرج على ياسين وهو بيلعب. قربت منه مريم وقالت: “الدكتور قال إنه بقى كويس تمامًا.” ابتسم سيف وهو بيبص لابنه. “علشان أخيرًا حس بالأمان.” سكت شوية. ثم بص لمريم. “إنتِ أنقذتي ابني.” ابتسمت بخجل. “أنا عملت اللي أي حد لازم يعمله.” لكن سيف هز راسه. “لا… الناس كتير بتخاف.” بصتله مريم للحظة. ثم قالت بهدوء: “وأنت برضه واجهت الحقيقة في الآخر.” ابتسم بحزن. “بعد ما خسرت نص عمري.” وفي نفس اللحظة… جري ياسين عليهم وهو بيضحك. أول ضحكة حقيقية من وقت طويل. مسك إيد أبوه وإيد مريم. وقال بحماس: “تعالوا نتصور.” ضحكوا هما الاتنين. والشمس كانت داخلة على وش ياسين لأول مرة من شهور من غير خوف. أما تحت الفيلا… خلف باب القبو المقفول بالشمع الأحمر… فكانت آخر نقطة دم ناشفة على الأرض شاهدة على اللي حصل. وعلى الحقيقة المرعبة اللي محدش هيعرفها كاملة أبدًا. تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *