روج ناعم حكايات اسما ×2
حسام أول ما سمع الكلمة، وشه اصفر.
لف بسرعة وبص ناحية الشارع.
العربية السودة كانت واقفة آخر الحارة.
والراجلين لسه واقفين جنبها.
همس:
ـ اقفل الباب… بسرعة.
قفلت الباب فورًا.
ندى كانت بتبكي ومش مستوعبة اللي بيحصل.
بعد عشر سنين من الغياب، أخوها واقف قدامها.
لكن بدل الأحضان والفرحة، كان في خوف مرعب مالي المكان.
قلت له:
ـ مين دول؟
بص حواليه كأنه بيتأكد إن محدش سامعه.
ثم قال:
ـ لو كنتوا عاوزين تعيشوا… لازم تسمعوا كلامي للآخر.
قعدناه جوه الصالة.
كان مرهق بشكل مخيف.
هدومه متربة.
وإيده فيها جروح قديمة وجديدة.
كأنه عايش في حرب بقاله سنين.
بدأ يحكي.
من عشر سنين فعلًا كان مديون.
لكن المشكلة ما كانتش الفلوس.
المشكلة إنه اشتغل محاسب عند رجل أعمال كبير.
واكتشف بالصدفة شبكة ضخمة لغسيل الأموال والفساد.
ولما عرف معلومات ما كانش المفروض يعرفها…
بقوا عايزين يخلصوا منه.
بلغ جهة رقابية وقتها.
لكن قبل ما القضية تخرج للنور، اتسرب اسمه.
وبقى مطارد.
اضطر يختفي.
ويبدأ حياة جديدة بهوية مختلفة.
قلت:
ـ وبعد كل السنين دي رجعت ليه؟
نزل دموعه لأول مرة.
وقال:
ـ عشان بموت.
سكتنا كلنا.
حتى ندى بطلت عياط من الصدمة.
قال:
ـ عندي مرض في القلب.
والأطباء قالوا إن وقتي محدود.
كنت عاوز أشوف أمي وأختي قبل ما أموت.
لكن في حاجة أهم.
مد إيده داخل الجاكيت.
وطلع فلاشة صغيرة.
وحطها على الترابيزة.
ـ دي كل الأدلة.
كل المستندات.
كل الحسابات.
كل الأسماء.
لو حصلي حاجة… لازم توصل للجهات المختصة.
بصيت للفلاشة.
وحسيت إن وزنها أثقل من جبل.
ندى قالت بخوف:
ـ سلّمها بنفسك.
ابتسم بحزن.
ـ حاولت.
عشر سنين وأنا بحاول.
وفي كل مرة كانوا بيسبقوني.
في اللحظة دي…
سمعنا صوت فرامل عربية بعنف برا البيت.
كلنا اتجمدنا.
حسام قام واقف فورًا.
وشه فقد آخر نقطة لون.
بص من الشباك.
ثم همس:
ـ وصلوا.
والثانية اللي بعدها…
اتسمع صوت خبط قوي على الباب الخارجي.
خبطة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
كأنهم هيكسروا الباب.
العيال صحوا من النوم مرعوبين.
ندى جريت عليهم.
وأنا وقفت قدام الباب.
قلبي كان بيدق بعنف.
وصوت من الخارج صرخ:
ـ افتحوا الباب!
حسام مسكني من كتفي.
وقال:
ـ متفتحش.
لكن الخبط زاد.
وفجأة…
اتسمع صوت سيارات تانية داخلة الحارة.
وأضواء زرقا وحمراء انعكست على الحيطان.
ثوانٍ بعدها…
صوت جديد دوّى في الخارج:
ـ شرطة! محدش يتحرك!
بصينا لبعض بعدم تصديق.
حسام جري للشباك.
وبص للخارج.
ثم جلس على الأرض فجأة.
كأنه فقد كل قوته.
سألته:
ـ في إيه؟
بصلي والدموع في عينيه.
وقال:
ـ أخيرًا.
أخيرًا حد صدقني.
في الخارج كانت قوات الشرطة بتقبض على الراجلين اللي كانوا بيراقبوا البيت.
وفي الأيام التالية اتفتحت تحقيقات كبيرة.
واتضح إن جزءًا كبيرًا من كلام حسام كان صحيحًا.
أما هو…
فقضى الشهور التالية وسط أسرته.
رجع يشوف أمه.
ورجع يضحك مع أخته.
وقضى وقتًا مع أولاد ندى كأنهم أولاده.
أما أنا…
فكنت براقب ندى كل يوم.
وبدأت رحلة علاجها من جديد بإصرار أكبر.
وفي يوم من الأيام، بعد شهور طويلة من العلاج…
دخل الطبيب بابتسامة مختلفة.
وقال الجملة اللي كنا مستنيينها من زمان:
ـ النتائج ممتازة.
العلاج ماشي بشكل رائع.
ندى انفجرت في البكاء.
وأنا حضنتها.
لأول مرة من شهور حسينا إن المستقبل لسه موجود.
أما حسام…
فكان واقف عند باب الغرفة.
بيبتسم.
ورغم مرضه، كان شكله مرتاح.
كأنه أخيرًا شال الحمل اللي كان شايله عشر سنين.
وبعد ما خرج الطبيب، بصتلي ندى فجأة.
وابتسمت ابتسامة خفيفة.
ثم فتحت درج الكومودينو.
وطلعت نفس الروج القديم.
وقالت وهي تضحك:
ـ ها… دلوقتي بعد كل اللي حصل… هتجربه؟
بصيتلها.
وبعدين بصيت للروج.
وبعدين انفجرنا إحنا الاتنين في الضحك.
ضحك طويل…
ضحك على الخوف.
وعلى الوجع.
وعلى الأسرار.
وعلى الليالي اللي عدت.
لأننا أخيرًا فهمنا إن الحياة أقصر بكتير من إننا نضيعها في خلافات صغيرة.
بعد ما ضحكنا أنا وندى، حسيت لأول مرة من شهور إن البيت رجع بيت.
العيال رجعوا يجروا في الصالة.
أمي بقت تيجي تزورنا كل أسبوع.
وحسام بقى يقضي أغلب وقته معانا.
لكن الغريب إن الراجل رغم كل اللي مر بيه، عمره ما كان بيتكلم عن السنوات العشر اللي اختفى فيهم بالتفصيل.
كل ما حد يسأله يقول:
ـ ربنا ستر وخلاص.
ويغير الموضوع.
في البداية ما اهتمتش.
لكن بعد شهر تقريبًا بدأت ألاحظ حاجات غريبة.
كان بيصحى الفجر كل يوم.
ويقف في البلكونة يبص للشارع.
كأنه مستني حد.
أو خايف من حد.
وفي مرة صحيت بالليل أشرب مية.
فلقيته قاعد لوحده في الصالة.
والفلاشة القديمة قدامه.
بيبصلها.
بس ما بيفتحهاش.
سألته:
ـ مالك؟
اتنفض كأنه اتفاجئ.
وقال بسرعة:
ـ مفيش.
لكن كان واضح إن فيه.
وبعدها بأسبوع حصلت المفاجأة.
كنت راجع من الشغل.
ولقيت عربية فخمة واقفة تحت البيت.
ومنها نزلت ست كبيرة في السن.
شكلها راقي جدًا.
ولابسة أسود بالكامل.
طلعت الشقة مباشرة.
ولما دخلت وشافت حسام…
انهارت من العياط.
أما حسام فوقف مكانه وكأنه شاف شبح.
همس:
ـ مستحيل…
ندى سألت:
ـ مين دي؟
الست بصت عليها.
ثم قالت:
ـ أنا مراته.
الصمت اللي حصل بعدها كان مرعب.
أنا وندى بصينا لبعض.
مراته؟
حسام اتجوز؟
إمتى؟
إزاي؟
وليه عمره ما قال؟
الست قعدت وهي بتمسح دموعها.
وقالت:
ـ بقالنا تسع سنين متجوزين.
ندى شهقت.
أما حسام فقعد على الكرسي وهو حاطط وشه بين إيديه.
وبدأ يحكي سر جديد.
بعد هروبه بسنوات، عاش باسم مختلف.
وفي مدينة مختلفة.
وهناك اتعرف على الست دي.
اسمها سارة.
واتجوزها.
لكن عمره ما قدر يقولها حقيقته كاملة.
وعمره ما قدر يعرفها على أهله.
لأنه كان خايف.
خايف إن أي حد يقرب منه يتأذى.
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية.
سارة مسكت إيده.
وقالت:
ـ قولهم الحقيقة كلها.
رفع رأسه ببطء.
وقال:
ـ مش أنا بس اللي عندي عيلة.
ثم بص ناحية الباب.
وفي نفس اللحظة دخل ولد صغير.
عمره حوالي ثمان سنين.
نسخة مصغرة من حسام.
نفس العيون.
ونفس الملامح.
ونفس الابتسامة.
ندى حطت إيدها على بوقها من الصدمة.
أما الولد فجرى مباشرة ناحية حسام.
وقال:
ـ بابا.
وفي اللحظة دي…
عرفنا إن حسام ما رجعش لوحده.
رجع ومعاه ابن عمره ثمان سنين…
ابن ما حدش في العيلة كلها كان يعرف إنه موجود.
أول ما الولد قال:
ـ بابا.
ندى انفجرت في البكاء.
لكن المرة دي ماكانش عياط حزن.
كان عياط سنين ضاعت.
سنين كانت فاكرة فيها إن أخوها مات.
وفجأة اكتشفت إنه كان عايش.
واتجوز.
وخلف.
وعنده ابن كبر ووصل لثمان سنين.
جرت عليه وحضنته.
وقالت وسط دموعها:
ـ كنت فين يا حسام؟
كنت فين كل السنين دي؟
حسام ما ردش.
فضل يبكي هو كمان.
أما الولد الصغير فكان واقف محتار.
مش فاهم ليه كل الناس بتعيط.
ولا ليه الست دي حضنت أبوه بالشكل ده.
ندى نزلت على ركبتها قدامه.
وقالت بابتسامة:
ـ أنا خالتك.
الولد ابتسم بخجل.
وقال:
ـ يعني إنتِ أخت بابا؟
هزت رأسها.
ـ أيوه.
رد بسرعة:
ـ بابا كان بيحكي عنك كتير.
الجملة دي كسرت قلب ندى.
لأنها أدركت إن حسام رغم غيابه…
ما نسيهمش يوم واحد.
الأيام اللي بعدها كانت غريبة وجميلة في نفس الوقت.
الولد، واسمه ياسين، اندمج مع أولاد ندى بسرعة.
البيت بقى مليان ضحك وصوت لعب.
ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن ندى بدأت تنسى المرض شوية.
لكن السعادة ما بتستمرش بسهولة.
بعد أسبوعين فقط…
كان حسام قاعد بيتفرج على العيال وهما بيلعبوا.
وفجأة حط إيده على صدره.
وشه اتغير.
والكوباية وقعت من إيده.
جريت عليه بسرعة.
ـ حسام!
كان بيتنفس بصعوبة.
ندى صرخت.
وسارة جريت ناحيته.
أما ياسين فاتجمد مكانه.
الإسعاف وصلت بسرعة.
ونقلوه المستشفى.
الساعات اللي بعدها كانت من أصعب الساعات اللي عشناها.
الدكتور خرج بعد الفجر.
وشكله ماكانش مطمن.
قال:
ـ القلب ضعيف جدًا.
ولازم تدخل جراحي في أسرع وقت.
ندى سألت بسرعة:
ـ نسبة النجاح كام؟
الدكتور سكت.
ثم قال:
ـ مش عالية.
الصمت نزل على المكان كله.
أما ياسين…
فكان قاعد في آخر الممر.
سامع كل كلمة.
ولأول مرة شفته بيعيط.
راح ناحية أوضة أبوه.
ودخل لوحده.
فضل جوه حوالي عشر دقايق.
ولما خرج كان ماسك ورقة مطوية.
راح لسارة وقال:
ـ بابا طلب مني أديكي دي لو نمت ومصحاش.
سارة انهارت.
فتحت الورقة وهي بترتعش.
وكان مكتوب فيها:
“لو بتقروا الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا مش قادر أقول الكلام بنفسي.
أول حاجة… سامحوني.
سامحوني على الغياب.
وسامحوني على الخوف.
أنا ضيعت سنين كتير وأنا بهرب.
فاكر إني بحميكم.
لكن الحقيقة إني كنت بعاقب نفسي كل يوم.
ندى…
إنتِ أحسن أخت في الدنيا.
وأمجد…
شكراً إنك وقفت جنبها لما أنا ماقدرتش.
وسارة…
إنتِ المعجزة اللي ربنا بعتها لواحد زيي.
أما ياسين…
فأنت أحسن حاجة حصلت في حياتي كلها.
ولو ربنا كتبلي عمر جديد…
هعيشه جنبكم.
ولو ما كتبش…
عايزكم تفضلوا عيلة واحدة.”
مافيش حد في الممر قدر يمنع دموعه.
حتى الممرضات كانوا متأثرين.
وفي الصباح…
دخل حسام غرفة العمليات.
والساعات عدت ببطء قاتل.
ساعة.
اتنين.
تلاتة.
أربعة.
لحد ما أخيرًا خرج الجراح.
كلنا وقفنا مرة واحدة.
ندى كانت ماسكة إيدي بقوة.
وسارة حضنة ياسين.
أما الجراح…
فابتسم.
وقال:
ـ العملية نجحت.
وفي اللحظة دي…
كل التوتر اللي كنا شايلينه من شهور انفجر.
ضحك.
وبكاء.
وأحضان.
ودعاء.
أما حسام…
فلما فاق بعد يومين وشاف أسرته كلها حواليه…
ابتسم لأول مرة من قلبه.
وقال بصوت ضعيف:
ـ شكلي مش هخلص منكم بسهولة.
فضحكنا كلنا.
لأن بعض النهايات السعيدة…
بتحتاج رحلة طويلة جدًا من الألم قبل ما توصل لها. ❤️
تمت.
