حفيدتي حكايات اسما ×1
توقفت حفيدتي عن الكلام بعد أن تزوج والدها من جديد ثم ناولتني دبدوبها المحشو وفي داخله تسجيل صوتي وملاحظة كُتب عليها: “اسمعي التسجيل لما ماما الجديدة ما تكونش موجودة.”
بعد وفاة بنتي سلمى، كان الشيء الوحيد اللي مخليني قادرة أكمل حياتي هو حفيدتي مريم.
كان عمرها ست سنين، بأسنانها الأمامية المخلخلة، وحذائها الوردي، والدبدوب المحشو اللي كانت شايلاته في كل مكان وكأنه جزء منها.
أنا اللي جبتهولها هدية في عيد ميلادها.
كان فيه جهاز تسجيل صغير جواه، تقدر تسجل رسالة وتمسحها وتسجل غيرها. وكانت مريم بتحب جدًا تتخيل إن الدبدوب بيكلمها ويرد عليها.
بعد ما سلمى ماتت، بدأت تهمس للدبدوب أكتر ما كانت بتتكلم مع الناس.
أما أبوها أحمد، فكان مكسور فعلًا في البداية.
ولن أنكر ده.
لشهور طويلة، كان بيقعد يعيط في مطبخي، وينسى ياكل، ويطلب مني أوصل مريم للمدرسة لأنه ماكانش قادر يواجه الناس لوحده.
عشان كده لما اتجوز تاني بعد سنة، حاولت ما أحكمش عليه.
حتى لما العروسة كانت ريم…
أقرب صاحبة لسلمى.
نفس الست اللي وقفت جنبي يوم العزا، ماسكة إيد مريم، وبتقولي:
“أنا هفضل جنبها على طول.”
بعد تلات أسابيع من الجواز، رحت أزورهم في بيتهم وأنا شايلة صينية محشي وكيس بسكويت مريم المفضل.
وأول ما دخلت البيت، عرفت إن فيه حاجة غلط.
كانت مريم قاعدة على الكنبة، حضنة الدبدوب الوردي.
قلت لها بهدوء:
“إزيك يا حبيبتي؟”بصتلي…لكن ما ردتش.
تنهد أحمد وقال:”بقالها فترة ما بتتكلمش.”
ابتسمت ريم بسرعة وقالت:”دي مجرد مرحلة تأقلم. بيت جديد، نظام جديد، وعيلة جديدة. الأخصائية النفسية قالت ما نكبرش الموضوع.”
لكن شهرين عدوا.ومريم لسه ما بتتكلمش.وفي يوم، بينما كانت ريم في المطبخ، جت مريم وقعدت في حضني في الصالون.
من غير ما تنطق بكلمة، حطت الدبدوب الوردي في إيدي.
وكان فيه ورقة صغيرة مطوية متدسوسة تحت الشريطة اللي حوالين رقبته.
فتحتها.
ولقيت مكتوب بخط مهزوز:
“اسمعي التسجيل لما ماما الجديدة ما تكونش موجودة.”
قبل ما أسألها تقصد إيه، حطت صباعها الصغير على شفايفها.
إشارة إنها عايزاني أسكت.
هززت راسي بالموافقة.
حطيت الدبدوب في شنطتي، وقلت بصوت عالي إني هاخد مريم أشتريلها شوية حلويات قبل ما أرجع بيتي.
سمعت ريم بتنادي من المطبخ:
“تمام!”
خرجت من البيت، ومشيت لحد آخر الشارع، وبعدها طلعت الدبدوب من الشنطة وضغطت على زر التشغيل.
اللي سمعته بعدها خلى رجلي ما بقوش شايليني من الصدمة…
⬇️لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
الفصل الأول: التسجيل
تجمدت يدي حول الدبدوب.
في البداية سمعت مجرد خشخشة خفيفة، كأن مريم كانت بتحاول تخبي الجهاز وهي بتسجل.
بعدها طلع صوتها الصغير المرتعش.
“تيتا… لو سمعتي الرسالة دي، يبقى أنا لوحدي.”
سكتت ثواني.
ثم همست:
“أنا بطلت أتكلم عشان ماما الجديدة قالتلي إن الأطفال اللي بيتكلموا كتير بيعملوا مشاكل.”
عقدت حاجبي.
لكن الصدمة الحقيقية لسه ما جتش.
سمعت صوت باب بيتقفل بقوة.
بعدها ظهر صوت ريم واضح في الخلفية.
“مش عايزة أشوف الدبدوب ده تاني.”
صوت مريم بكى.
“بس ماما سلمى جابتهولي.”
ردت ريم بحدة:
“ماما سلمى ماتت. ولازم تنسي الحاجات دي.”
شعرت بقلبي يتوقف.
ثم انتهى التسجيل.
بقيت واقفة في منتصف الشارع، غير قادرة على التنفس.
كانت الكلمات قاسية.
قاسية جدًا.
لكنها وحدها ما كانتش كفاية تفسر الرعب اللي شفته في عيون مريم.
عدت التسجيل مرة تانية.
ثم تالتة.
وفي كل مرة كنت أحس إن فيه حاجة ناقصة.
حاجة أكبر.
حاجة خلت طفلة عمرها ست سنين تختار الصمت.
رجعت لمريم وأنا بحاول أتصرف بشكل طبيعي.
اشترينا الحلوى.
وضحتكها شوية.
لكنها فضلت ماسكة إيدي بقوة غير معتادة.
ولما رجعنا البيت، رفضت تسيبني.
لدرجة إن أحمد اضطر يشيلها بنفسه.
وقبل ما أقفل باب العربية، رفعت رأسها ناحيتي.
وأشارت بإصبعها ناحية الدبدوب.
ثم حطت إيديها على قلبها.
كأنها بتقولي:
“لسه فيه.”
في تلك الليلة لم أنم.
قضيت ساعات أفكر.
ريم كانت أقرب صديقة لبنتي.
كانت بتحضر معاها الأعياد.
وتزورنا في البيت.
وتنادي عليّ “يا ماما”.
إزاي تتحول فجأة لشخص يخوف طفلة صغيرة بالشكل ده؟
في صباح اليوم التالي اتصلت بأحمد.
قلتله:
“محتاج أشوف مريم النهارده.”
رد باستغراب:
“لسه شفتيها امبارح.”
قلت بسرعة:
“وحشتني.”
وافق أخيرًا.
ولما وصلت البيت، كانت ريم خارجة.
ابتسمت وقالت:
“أنا رايحة النادي ساعة وأرجع.”
انتظرت حتى اختفت سيارتها.
ثم دخلت غرفة مريم.
كانت قاعدة على الأرض ترسم.
ولأول مرة منذ شهور، تكلمت.
بصوت بالكاد سمعته.
قالت:
“سمعتيه؟”
كادت الدموع تنزل من عيني.
هززت رأسي.
فسألت:
“زعلتي مني؟”
احتضنتها فورًا.
وقلت:
“عمري ما أزعل منك.”
سكتت قليلًا.
ثم همست:
“لسه فيه تسجيلات تانية.”
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
“فين؟”
أشارت للدبدوب.
اقتربت منه بسرعة.
وقلبته بين يدي.
وفي ظهره، تحت الخياطة القديمة، وجدت جيبًا صغيرًا لم أكن أعرف بوجوده.
أدخلت أصابعي.
وأخرجت بطاقة ذاكرة صغيرة جدًا.
في تلك اللحظة بالذات…
سمعنا صوت باب البيت الرئيسي يُفتح.
ورجعت ريم قبل موعدها بساعة كاملة.
رفعت مريم رأسها نحوي.
وعاد الخوف إلى عينيها فورًا.
ثم أطبقت شفتيها.
ورجعت للصمت من جديد.
أما أنا…
فأدركت أن ما بداخل تلك البطاقة قد يفسر كل شيء.
الفصل الثاني: ما داخل بطاقة الذاكرة
طوال الطريق إلى بيتي، كانت يدي ترتجف فوق المقود.
بطاقة الذاكرة الصغيرة كانت موضوعة على المقعد المجاور وكأنها قنبلة موقوتة.
لم أجرؤ على تشغيلها وأنا ما زلت داخل بيت أحمد.
كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط.
مريم كانت خائفة.
وخوف طفل في عمرها لا يأتي من فراغ.
بمجرد وصولي إلى البيت، أغلقت الباب بالمفتاح.
سحبت جهاز الكمبيوتر القديم من المكتب.
وأدخلت البطاقة.
ظهر مجلد واحد فقط.
اسمه:
“مريم”.
شعرت بانقباض في صدري.
فتحت الملف.
وجدت عشرات التسجيلات.
بعضها لا يتجاوز دقيقة.
وبعضها أطول.
ضغطت على أول تسجيل.
ظهر صوت مريم.
“النهارده ماما الجديدة زعقتلي عشان حطيت صورة ماما سلمى فوق السرير.”
توقفت قليلًا.
ثم أكملت:
“قالتلي لو فضلت أبص للصورة كتير عمري ما هكبر.”
أغلقت التسجيل.
ثم فتحت الثاني.
“ماما الجديدة رمت هدوم ماما سلمى من الدولاب.”
الثالث.
“قالتلي ما أقولش لبابا لأنها هتزعل.”
الرابع.
“أنا وحشاني ماما.”
هنا بدأت دموعي تنزل.
لكن شيئًا في داخلي كان يقول إن الأسوأ لم يأتِ بعد.
ثم وصلت إلى تسجيل تم حفظه قبل أسبوعين فقط.
ضغطت عليه.
في البداية سمعت صوت ريم.
كانت تتحدث عبر الهاتف.
صوتها بدا مختلفًا.
أقسى.
أبرد.
قالت:
“البنت دي لازم تتعلق بيا مش بأمها الميتة.”
ضحكت المرأة التي كانت على الهاتف معها.
ثم قالت:
“وماله؟”
ردت ريم:
“بالعافية لو لزم الأمر.”
شعرت بيدي تتجمد.
ثم سمعتها تكمل:
“أحمد بيصدق أي حاجة أقولهاله. لو البنت اشتكت هقول إنها بتتخيل بسبب الصدمة.”
أغلقت التسجيل فورًا.
لم أستطع الاستماع أكثر.
جلست على الكرسي أحدق في الشاشة.
كل شيء أصبح أوضح.
لكن ما زال هناك شيء ناقص.
شيء أكبر.
لأن طفلة لا تتوقف عن الكلام تمامًا بسبب كلمات قاسية فقط.
واصلت البحث.
حتى وجدت ملفًا أخيرًا.
تاريخه كان قبل ثلاثة أيام فقط.
ضغطت عليه.
سمعت صوت بكاء مريم.
ثم صوت ريم.
هادئ هذه المرة.
هادئ بشكل مخيف.
قالت:
“اسمعيني كويس.”
شهقت مريم.
فقالت ريم:
“لو حكيتي لحد أي حاجة بتحصل هنا…”
سكتت لحظة.
ثم أكملت:
“تيتا هتروح عند ماما سلمى.”
توقفت أنفاسي.
أما مريم فبدأت تبكي بشدة.
ثم انتهى التسجيل فجأة.
قفزت من مكاني.
الآن فهمت.
لم تكن الطفلة صامتة.
كانت مرعوبة.
كانت تعتقد أن أي كلمة تنطقها قد تؤذي الناس الذين تحبهم.
ولهذا اختارت السكوت.
في تلك اللحظة أمسكت الهاتف واتصلت بأحمد.
رد بعد عدة رنات.
قلت:
“لازم أشوفك حالًا.”
سأل بقلق:
“فيه حاجة حصلت؟”
قلت:
“أيوة.”
“وحاجة كبيرة كمان.”
بعد ساعة جلس أمامي في غرفة المعيشة.
كان متوترًا.
ينظر إليّ باستغراب.
وضعت الكمبيوتر أمامه.
وقلت:
“اسمع.”
استمع للتسجيل الأول.
ثم الثاني.
ثم الثالث.
بدأ وجهه يشحب تدريجيًا.
لكن عندما وصل إلى التسجيل الأخير…
تجمد تمامًا.
ظل صامتًا لدقائق.
ثم قال بصوت مكسور:
“لا…”
أعدنا التسجيل.
مرة.
واثنتين.
وثلاثًا.
وفي كل مرة كان صوته يزداد ضعفًا.
وأخيرًا وضع رأسه بين يديه.
وقال:
“أنا كنت فاكرها بتحاول تساعد مريم.”
لم أعرف ماذا أقول.
لأن الحقيقة كانت مؤلمة.
أحمد لم يكن يرى ما يحدث.
أو ربما لم يرد أن يراه.
وفجأة سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام المنزل.
نظر أحمد من النافذة.
وتغير وجهه.
همس:
“ريم.”
ثم نظر نحوي.
وأضاف:
“هي جاية هنا.”
بعد ثوانٍ قليلة فقط…
دق جرس الباب.
وكانت الطرقات على الباب أقوى وأعنف من المعتاد.
وكأن شخصًا ما عرف أن سره بدأ ينكشف.
يتبع