رجعت من السفر حكـايـات أسمـا ×1

رجعت من السفر بعد غياب أسابيع عشان أطمن على بنتي وحفيدتي… ولما دخلت البيت لقيتهم متسلسلين جنب بيت كلب في آخر الجنينة، بياكلوا من أطباق كلاب وبيناموا على التراب من سبع أيام كاملة.

الجزء الأول

ـ لو البت دي ما بطلتش عياط، والله لأرميها بره البيت زي الكلاب!

الحاج عبد الرحمن البحيري سمع الجملة دي أول ما عدّى من بوابة البيت الحديد الصدئة، والشنطة لسه في إيده وريحه البحر لازقة في هدومه.

كان راجع الفجر بعد سفر طويل من الإسكندرية.

الميكروباص نزله عند مدخل القرية، ومن هناك مشي على الطريق الترابي لحد البيت اللي ساكنة فيه بنته سلمى مع جوزها حسن وحفيدته الصغيرة مريم.

الضباب كان لسه مغطي الأراضي الزراعية.

وصوت الديوك بدأ يطلع من بعيد.

كل حاجة كانت شكلها عادي.بيوت بسيطة.شجر جميز.

أراضي خضرا.وكلاب نايمة قدام البيوت.

بس عبد الرحمن كان حاسس إن فيه حاجة غلط.

حاجة تقيلة قافلة على قلبه.

إحساس يعرفه كويس من سنين الشغل في البحر.

الإحساس اللي بيجيله قبل العاصفة.

قضى أكتر من أربعين سنة شغال على السفن.

لف مواني مصر كلها.من الإسكندرية لبورسعيد للسويس.

شاف بحار هادية وبحار مجنونة..

لكن عمره ما خاف من البحر قد ما خاف من الإحساس اللي جواه دلوقتي.

مراته أم سلمى ماتت من عشر سنين بعد صراع مع المرض

وساعتها ما لحقش يوصل قبل وفاتها.

كان في رحلة شغل بعيدة.

ولما رجع كانت خلاص فارقت الحياة.سلمى عمرها ما عاتبته بصوت عالي.

وده كان أصعب.في العزا قالتله جملة واحدة بس:

ـ إنت جيت متأخر يا بابا.

ومن يومها بقى بينهم حاجز كبير.

كلام قليل.مكالمات قصيرة.وزيارات متباعدة.

لكنها كانت دايمًا محترماه.

ولما خلفت مريم، افتكر عبد الرحمن إن الحياة بدأت تصلح اللي اتكسر.أما حسن…في البداية كان شايفه راجل محترم.ميكانيكي بسيط.هادئ.وبيحب بنته.

ولما اكتشفوا إن مريم عندها توحد وهي صغيرة، حسن وقتها كان بيقعد بالساعات جنبها.

يسيبها ترتب الحصى والألعاب بطريقتها.

ويقول:

ـ سيبوها براحتها… هي بتفهم الدنيا بشكل مختلف بس.

عشان كده عبد الرحمن وثق فيه.

لكن من تلات أسابيع…

سلمى اختفت.لا بترد على التليفون.لا على الرسايل.

ولا حتى بتبعت كلمة واحدة.في الأول قال يمكن تعبانة.

بعدها قال يمكن عندها ظروف.لكن سلمى كانت منظمة جدًا.لو حصل أي حاجة كانت دايمًا بتطمنه.

المرة دي مفيش أي حاجة.سأل عليها في الشغل.

قالوله إنها واخدة أجازة مرضية.

سأل الجيران.كلهم كانوا بيردوا بتوتر غريب:ـ موجودة يا حاج… متقلقش.وده اللي خلاه يقلق أكتر.

ساب شغله.وركب أول مواصلة.وجري على البلد.

دلوقتي كان واقف قدام بيت حسن.لاحظ إن الجنينة مهملة.زرع ناشف.وزجاجات فاضية مرمية.

وأدوات قديمة مصدية.وفي آخر الجنينة…بيت الكلب القديم.الكلب نفسه كان مات من سنة.لكن البيت الخشب لسه موجود.فجأة سمع صوت.مش صرخة.

ولا عياط..مجرد أنين ضعيف…كأنه صوت حد خلاص فقد الأمل.

جاي من ناحية بيت الكلب.ساب الشنطة.ومشي ناحيته.

خطوة ورا خطوة.لحد ما شاف أول حاجة.

طبقين أكل على الأرض.أطباق كلاب.واحد فيهم بقايا أكل ناشف.والتاني مية متسخة.

اتجمد مكانه.وبعدين شاف مريم.حفيدته الصغيرة.

عندها تمان سنين.قاعدة على التراب.هدومها متبهدلة.

وركبها متنية على صدرها.وحوالين رقبتها طوق جلد.

مربوط بسلسلة حديد.والسلسلة متثبتة في بيت الكلب.

عبد الرحمن حس إن قلبه وقف…لكن الصدمة الحقيقية كانت جنبها.سلمى.بنته.هي كمان مربوطة.وشها شاحب.

وعينها مزرقة من الضرب.وشفايفها متشققة.

وعلى رقبتها آثار واضحة.كانت شبه فاقدة الوعي.

مريم رفعت عينها.أول ما شافت جدها عرفته.

ما اتكلمتش.هي أصلًا نادر جدًا ما كانت بتتكلم.

لكن مدت إيدها الصغيرة ناحيته.كأنها كانت مستنياه من زمان.نزل عبد الرحمن على ركبته بسرعة.ومسك إيدها.

وقال بصوت مخنوق:ـ أنا جيت يا حبيبتي… خلاص أنا هنا.

سلمى فتحت عينيها بالعافية.وبصتله:ـ بابا…

همست بالكلمة بصوت ضعيف..في اللحظة دي…

باب البيت اتفتح…وحسن خرج…شعره منكوش.وعينيه حمرا..وبيبتسم ابتسامة باردة…كأن اللي قدامه مش كارثة.

ولا جري..مة.ولا حاجة…بص لعبد الرحمن وقال:ـ أهو الكبير وصل…أكيد جاي يحاسبني دلوقتي…عبد الرحمن وقف ببطء…بص للسلسلة اللي في رقبة حفيدته..وبص لبنته المربوطة جنب بيت الكلب…وبص لأطباق الأكل المرمية على الأرض.

وفي اللحظة دي…لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد

@أبرز المعجبين

الفصل الثاني

عبد الرحمن كان واقف قدام حسن، وعروقه بارزة من الغضب.

لكن الغريب إنه ما اندفعش عليه.

ما ضربوش.

ما شتموش.

بس بصله بنظرة خلت حسن نفسه يتراجع خطوة لورا.

نظرة راجل شاف الموت ألف مرة في البحر.

ونظرة أب شايف بنته متسلسلة زي الحيوانات.

قال بصوت منخفض:

ـ فك السلاسل.

ضحك حسن وهو يحك دقنه.

ـ وإلا إيه؟

عبد الرحمن قرب منه.

ـ قلت فك السلاسل.

ـ دي مراتي وبنتي… وأنا حر فيهم.

في اللحظة دي…

عبد الرحمن لكمه.

لكمة واحدة.

لكنها كانت كفاية.

حسن طار على الأرض وارتطم بباب البيت.

مريم انتفضت من الخضة.

وسلمى بدأت تبكي لأول مرة.

عبد الرحمن جرى على السلاسل.

كانت مقفولة بقفل حديد.

فضل يشد فيها بكل قوته.

لكنها ما فتحتش.

فجرى ناحية الورشة الصغيرة جنب البيت.

جاب شاكوش كبير.

وضرب القفل.

مرة.

واتنين.

وتلاتة.

لحد ما اتكسر.

أول واحدة حررها كانت مريم.

البنت الصغيرة وقعت في حضنه فورًا.

ودفنت وشها في صدره.

كأنها كانت مستنية اللحظة دي من أسبوع كامل.

وبعدين حرر سلمى.

سلمى وقعت على الأرض.

جسمها كان ضعيف جدًا.

ركبها ما بقتش شايلة وزنها.

عبد الرحمن شالها بإيده.

وقال:

ـ مين عمل فيكي كده؟

سلمى بصت ناحية حسن.

وسكتت.

لكن سكوتها كان كفاية.

في اللحظة دي…

صوت عربية شرطة وقف قدام البيت.

حسن ابتسم فجأة.

ابتسامة خبيثة.

وقال:

ـ الحمد لله إنهم جم.

عبد الرحمن استغرب.

لكن بعد ثواني نزل أمين شرطة من العربية.

ومعه عسكريين.

أول ما شافوا المشهد اتصدموا.

لكن حسن سبق الكل بالكلام.

جرى عليهم وهو بيصرخ:

ـ الحقوني!

الراجل ده اعتدى عليا!

وحاول يخطف مراتي وبنتي!

الضابط بص لعبد الرحمن.

وبص لسلمى.

ثم قال:

ـ حد يفهمني إيه اللي بيحصل هنا؟

حسن رد بسرعة:

ـ مراتي مريضة نفسيًا.

وبنتي عندها توحد.

وأبوها مسافر بقاله سنين.

وجاي دلوقتي يعمل مشاكل.

عبد الرحمن كان هيولع.

لكن سلمى رفعت إيدها المرتعشة.

وقالت:

ـ كداب.

الكل سكت.

حتى حسن نفسه.

سلمى كانت بالكاد واقفة.

لكنها بصت للضابط وقالت:

ـ من سبع أيام… وإحنا مربوطين هنا.

الضابط اتجمد.

ـ إيه؟

ـ كان بيأكلنا في أطباق الكلاب.

وبيضربني كل يوم.

وبيسيب مريم في الشمس بالساعات.

حسن بدأ يصرخ:

ـ كدب!

لكن الضابط رفع إيده.

وسأل:

ـ عندك دليل؟

هنا…

سلمى بصت ناحية بيت الكلب.

وقالت:

ـ تحت السقف الخشب.

فيه كاميرا.

حسن اتغير لونه فجأة.

لأول مرة الخوف ظهر في عينيه.

الفصل الثالث

العسكري طلع فوق بيت الكلب.

وبدأ يفتش.

بعد دقيقة واحدة فقط…

نزل وفي إيده كاميرا مراقبة صغيرة.

حسن بقى شاحب كالج..ثة.

الضابط أخد الكاميرا.

وشغل التسجيل.

وأول مشهد ظهر…

كان حسن وهو بيجر سلمى من شعرها.

بعدها مشهد تاني.

وهو بيضربها بحزام.

ثم مشهد أبشع.

مريم قاعدة تبكي.

وحسن بيربط الطوق الحديد في رقبتها.

أحد العساكر لف وشه من المنظر.

والضابط قفل الفيديو فورًا.

وقال:

ـ كفاية.

ثم بص لحسن.

ـ حطوا الكلب ده في العربية.

صرخ حسن:

ـ استنوا!

دي مراتي!

وأنا حر فيها!

لكن القيود كانت اتحطت في إيده بالفعل.

عبد الرحمن حضن مريم بقوة.

أما سلمى فكانت تبكي.

لكن دموعها المرة دي مختلفة.

دموع نجاة.

وأثناء ما الشرطة كانت بتسحب حسن…

صرخ فجأة:

ـ مش أنا السبب!

الكل بصله.

قال وهو يلهث:

ـ أمه هي اللي قالتلي أعمل كده!

سلمى رفعت رأسها بسرعة.

ـ حماتي؟

ـ أيوه!

ـ هي اللي كانت بتقولي إنك عار عليا.

وإن بنتك ملعونة.

وإن البنت المتوحدة دي عقاب من ربنا.

سكت الجميع.

الصدمة كانت أكبر مما توقعوا.

الضابط قال:

ـ وأمك فين دلوقتي؟

ابتسم حسن ابتسامة مجنونة.

وقال:

ـ جوه البيت.

الفصل الرابع

الشرطة دخلت البيت فورًا.

وفي الصالة…

كانت أم حسن قاعدة تشرب شاي.

كأن مفيش أي حاجة حصلت.

بصت للضابط باستغراب.

وقالت:

ـ خير؟

الضابط قال ببرود:

ـ قومي معانا.

ردت بعصبية:

ـ ليه؟

حسن صرخ من برة:

ـ يا أمي… قولي الحقيقة!

الست اتوترت.

وبدأت ترتعش.

بعد ساعة كاملة من التحقيق…

اعترفت.

اعترفت إنها كانت تكره سلمى من أول يوم.

وإنها كانت مقتنعة إن مريم “عبء”.

وإنها أقنعت ابنها إنهم لازم “يتربوا”.

لكن اللي اكتشفوه بعد كده كان أخطر.

في أوضة أم حسن.

وجدوا دفتر قديم.

مكتوب فيه كل حاجة.

تواريخ الضرب.

وأيام العقاب.

وحتى عدد مرات ربط مريم.

كأنها كانت بتسجل تعذيبهم بكل فخر.

الضابط قال:

ـ دي مش قسوة.

دي جري..مة كاملة.

في نفس الليلة…

تم القبض على حسن وأمه.

واتحولوا للنيابة.

أما سلمى ومريم…

فاتنقلوا المستشفى.

وقعدوا أيام طويلة في العلاج.

عبد الرحمن ما سابهمش لحظة.

كان بينام على الكرسي جنب سريرهم.

ويصحى كل ساعة يتأكد إنهم بخير.

وفي ليلة…

مريم عملت حاجة عمرها ما عملتها قبل كده.

رفعت رأسها.

وبصت لجدها.

وقالت أول جملة كاملة من سنين:

ـ جدو… متتأخرش تاني.

عبد الرحمن انفجر في البكاء.

لأنها كانت نفس الجملة اللي قالتها أمها زمان:

“إنت جيت متأخر يا بابا.”

لكن المرة دي…

كان لسه فيه وقت.

وقت ينقذ اللي باقي من عيلته.

وما يتأخرش تاني أبدًا.

النهاية

بعد ستة شهور…

صدر الحكم.

خمسة عشر سنة سجن لحسن.

وعشر سنوات لأمه.

بتهم التعذيب والاحتجاز والإيذاء الجسدي لطفلة من ذوي الاحتياجات الخاصة.

أما سلمى…

فبدأت حياة جديدة.

استأجرت بيتًا صغيرًا قريبًا من والدها.

واشتغلت من جديد.

ومريم بدأت جلسات علاج وتأهيل منتظمة.

ومع الوقت…

ابتسامتها رجعت.

وفي أول يوم مدرسة بعد شفائها…

وقفت تمسك إيد جدها.

وبعدين كتبت له على ورقة صغيرة:

“أنت بطلي.”

عبد الرحمن احتفظ بالورقة دي في محفظته.

وكل ما يطلع البحر بعد كده…

كان يفتحها ويقرأها.

ويبتسم.

لأنه أخيرًا…

وصل في الوقت المناسب.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *