عروسه ايجار حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثاني: السلسلة التي أعادت الماضي
تجمدت السيدة ناهد الحديدي في مكانها وهي تحدق في السلسلة المعلقة حول عنق ياسمين.
لم تسمع شيئًا مما كان يدور حولها.
لا اعتراضات العائلة.
ولا صدمة داليا.
ولا حتى صوت سليمان وهو يكرر بهدوء:
— ياسمين مراتي… والجواز تم بشكل قانوني.
كل ما كانت تراه هو تلك السلسلة.
القلب الفضي الصغير المحفور عليه حرف واحد.
“س”.
نفس السلسلة.
نفس الشكل.
نفس الخدش الصغير الموجود عند الحافة.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
مستحيل.
مستحيل تكون هي.
لكن كيف وصلت السلسلة إليها؟
بعد انتهاء العشاء المتوتر، طلبت ناهد من ياسمين أن تتبعها إلى المكتب الخاص بها.
دخلت ياسمين وهي متحفزة.
كانت تعرف أن المعركة بدأت.
جلست ناهد خلف مكتبها الضخم وقالت ببرود:
— السلسلة دي جتلك منين؟
نظرت ياسمين إلى القلادة.
ثم ابتسمت.
— دي الحاجة الوحيدة اللي فضلت معايا من وأنا صغيرة.
— مين اداهالك؟
— أمي.
ارتجفت أصابع ناهد.
— أمك اسمها إيه؟
— هدى السيوفي.
شعرت ناهد وكأن أحدهم لكمها في صدرها.
هدى.
الاسم الذي كانت تحاول نسيانه منذ ربع قرن.
همست:
— وهي عايشة؟
— أيوه.
ثم أضافت ياسمين بحذر:
— حضرتك تعرفيها؟
رفعت ناهد رأسها بسرعة.
— لأ.
لكن ياسمين لاحظت الارتباك الواضح.
ولأول مرة بدأت تشعر أن وجودها في هذا القصر ليس مجرد صدفة.
في نفس الليلة…
كانت داليا المنصوري تجلس داخل جناحها بالفندق.
أمامها مجموعة صور.
صور لياسمين.
وصور لسوق العتبة.
وصور لوالدتها المريضة.
وصور لأخيها.
دخل رجل ضخم يرتدي بدلة سوداء.
— جمعنا كل المعلومات يا هانم.
سألته ببرود:
— عليها ديون؟
— لا.
— فضايح؟
— لا.
— سوابق؟
— ولا حاجة.
ضربت الطاولة بعصبية.
— لازم يبقى عندها نقطة ضعف.
رد الرجل:
— أمها.
ساد الصمت.
ثم ظهرت ابتسامة باردة على وجه داليا.
ابتسامة لم تبشر بأي خير.
في اليوم التالي.
استيقظت ياسمين على طرقات عنيفة على باب غرفتها.
فتحت الباب.
لتجد خادمة مذعورة.
— الحقيني بسرعة.
— في إيه؟
— الست الكبيرة وقعت.
ركضت ياسمين إلى غرفة ناهد.
لتجدها ممددة على الأرض.
وجهها شاحب.
وتتنفس بصعوبة.
أما بقية أفراد العائلة فكانوا واقفين في حالة ذعر.
صرخت إحدى الخادمات:
— حد يجيب دكتور!
ركعت ياسمين بجوارها فورًا.
تحسست نبضها.
راقبت تنفسها.
ثم رفعت رأسها فجأة.
— ابعدوا كلكم.
نظروا إليها باستغراب.
لكن نبرة صوتها كانت حادة بشكل جعل الجميع يطيعها.
بدأت تفحص ناهد بسرعة وثقة.
ثم قالت:
— أزمة قلبية بسيطة بسبب ارتفاع الضغط.
اتسعت عينا سليمان.
— إنتِ عرفتي إزاي؟
لم تجبه.
بل بدأت تعطي تعليمات دقيقة للخدم.
بعد دقائق قليلة وصلت سيارة الإسعاف.
وأول ما دخل الطبيب المختص توقف فجأة.
حدق في ياسمين.
ثم قال بدهشة:
— دكتورة ياسمين؟!
ساد الصمت.
نظر سليمان إليها.
— دكتورة؟
نظر جميع أفراد العائلة إليها بصدمة.
أما ياسمين فأغمضت عينيها للحظة.
كانت تعلم أن هذه اللحظة ستأتي يومًا ما.
لكن ليس بهذه السرعة.
همس الطبيب:
— حضرتك مختفية من خمس سنين.
سأل سليمان بذهول:
— إنتِ طبيبة؟
تنهدت ياسمين.
ثم قالت:
— كنت.
— كنت؟
ابتسم الطبيب بحزن.
— دي كانت أصغر جراحة قلب في دفعتها.
وكانوا متوقعين تبقى من أشهر الأطباء في مصر.
أما سليمان…
فشعر بشيء غريب يهز داخله.
لأن هناك ذكرى بعيدة بدأت تستيقظ.
غرفة مستشفى.
حادث سيارة.
وجه فتاة شابة تضع كمامة طبية.
وعينان سوداوان حادتان.
عينان تشبهان عيني ياسمين بشكل مخيف.
وفجأة سألها:
— إحنا اتقابلنا قبل كده؟
رفعت ياسمين رأسها نحوه.
وتجمدت مكانها.
لأنها تعرف الإجابة.
نعم.
اتقابلا.
بل وأكثر من ذلك.
هي نفسها الطبيبة التي أنقذت حياته قبل ثلاث سنوات.
الطبيبة التي اختفت بعدها مباشرة.
لكنها لم تخبره أبدًا بالحقيقة.
لأن اختفاءها لم يكن بإرادتها…
بل لأنها اكتشفت سرًا خطيرًا داخل المستشفى جعل حياتها كلها في خطر.
وسر هذا السر مرتبط بعائلة الحديدي نفسها.
يتبع…الفصل الثالث: الطبيبة التي اختفت
ظل سليمان يحدق في وجه ياسمين وكأنه يحاول انتزاع ذكرى ضائعة من أعماق عقله.
أما هي فشعرت بقلبها ينبض بعنف.
لم تكن تتوقع أبدًا أن يأتي هذا اليوم.
اليوم الذي يقف فيه أمامها الرجل الذي أنقذته من الموت، دون أن يعرف من تكون.
قال سليمان ببطء:
— أنا متأكد إني شوفتك قبل كده.
ابتسمت ياسمين ابتسامة صغيرة متوترة.
— ممكن.
لكن الطبيب الذي كان يقف بجوارهما قاطعها:
— مش ممكن يا أستاذ سليمان… أكيد.
ثم نظر إليه وأضاف:
— حضرتك فاكر حادثة الطريق الصحراوي من ثلاث سنين؟
تجمد سليمان.
كيف يمكن أن ينساها؟
كانت أسوأ ليلة في حياته.
سيارته انقلبت أكثر من مرة بعد محاولة متعمدة لاصطدامه.
نزيف داخلي.
كسور متعددة.
وتوقف القلب مرتين أثناء الجراحة.
قال الطبيب:
— الشخص اللي أنقذك وقتها كانت الدكتورة ياسمين.
ساد الصمت.
كأن الزمن توقف داخل الغرفة.
التفت سليمان نحوها ببطء.
عيناه مليئتان بالصدمة.
— إنتِ؟
لم تجب.
لكن صمتها كان كافيًا.
همس:
— يعني أنا بدور عليكي من ثلاث سنين…
وأنتِ كنتِ موجودة طول الوقت؟
خفضت ياسمين عينيها.
— مكنتش أقدر أظهر.
— ليه؟
سكتت.
لكن الطبيب قال بحذر:
— بعد العملية بأسبوع اختفت فجأة.
— اختفت؟
— استقالت وسابت شقتها وتليفونها وكل حاجة.
شعر سليمان أن الأسئلة تتراكم داخل رأسه.
لكن قبل أن يتكلم…
دخل أحد الحراس مسرعًا.
وجهه شاحب.
— أستاذ سليمان… لازم تيجي حالًا.
— في إيه؟
— حصل حادث.
بعد نصف ساعة.
كانت سيارة سليمان تتوقف أمام المستشفى.
نزل الجميع بسرعة.
وهناك رأوا سيارة سوداء محطمة بالكامل.
وسيارة إسعاف تستعد للمغادرة.
ركضت ياسمين نحو أحد المسعفين.
— مين المصاب؟
رد الرجل:
— سيدة في الخمسينات.
شعرت ياسمين بانقباض في قلبها.
ثم رأت الحقيبة.
حقيبة والدتها.
شهقت.
— أمي!
ركضت كالمجنونة نحو النقالة.
كانت هدى السيوفي مغطاة بالدماء.
فاقدة الوعي.
وأجهزة الإسعاف تحيط بها.
صرخت ياسمين:
— ماما!
لكن أحد الأطباء أمسكها.
— لازم تبعدي.
— سيبني!
— النزيف خطير.
تجمدت.
شعرت وكأن الأرض سحبت من تحت قدميها.
أما سليمان فوقف بجوارها.
ثم سأل الطبيب بهدوء:
— الحادثة حصلت إزاي؟
رد الشرطي:
— عربية نقل دخلت فيها بشكل مباشر.
— السواق؟
— هرب.
تبادل سليمان والحارس الخاص به نظرة سريعة.
نظرة فهمها الاثنان فورًا.
هذا لم يكن حادثًا عاديًا.
بعد ساعات طويلة.
كانت ياسمين جالسة أمام غرفة العمليات.
وجهها شاحب.
وعيناها حمراوان من البكاء.
جلس سليمان بجوارها.
ولأول مرة منذ أن عرفها…
بدت ضعيفة.
مكسورة.
مرهقة.
قال بهدوء:
— هتبقى كويسة.
ضحكت بمرارة.
— كل الناس بتقول الجملة دي.
ثم أضافت:
— بس الحقيقة إن محدش بيبقى عارف.
ظل صامتًا للحظة.
ثم قال:
— الحادث متدبر.
رفعت رأسها فورًا.
— إيه؟
— العربية اللي خبطتها كانت مستنياها.
اتسعت عيناها.
— مستحيل.
— للأسف مش مستحيل.
ساد الصمت.
ثم همست:
— ليه؟
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— السؤال الأهم…
مين اللي عايز يأذي أمك؟
في تلك اللحظة بالذات…
خرج الجراح من غرفة العمليات.
وقف الجميع.
قال الطبيب:
— العملية نجحت.
أغمضت ياسمين عينيها من شدة الارتياح.
لكن الطبيب أكمل:
— في حاجة غريبة لازم تعرفوها.
نظروا إليه باستغراب.
قال:
— أثناء الفحوصات اكتشفنا إن المريضة كانت محتفظة داخل حقيبتها بملف قديم جدًا.
— ملف؟
— أيوه.
ثم سلمهم ظرفًا بنيًا سميكًا.
أخذته ياسمين بارتباك.
وعندما فتحته…
سقطت مجموعة أوراق وصور قديمة على الأرض.
انحنت تلتقطها.
ثم تجمدت تمامًا.
لأن أول صورة ظهرت أمامها كانت صورة شابة صغيرة.
تقف بجوار رجل تعرفه جيدًا.
رجل لم تتوقع أبدًا أن تراه في هذه الصور.
والد سليمان الحديدي.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في الجهة الخلفية للصورة.
حيث كُتبت جملة بخط اليد:
“ابنتنا الصغيرة… ياسمين.”
شحب وجه سليمان.
أما ياسمين فتوقفت أنفاسها.
لأن التاريخ المكتوب أسفل الصورة يعود إلى سنة قبل ولادتها مباشرة.
وكأن أحدًا كان يقول لها شيئًا مستحيلًا…
شيئًا قد يقلب حياتها كلها.
هل يمكن أن تكون ياسمين مرتبطة بعائلة الحديدي بطريقة لم يتخيلها أحد؟
وهل كان حادث والدتها مجرد محاولة لإسكات الحقيقة قبل أن تظهر؟
يتبع…