بالغلط حكايات اسما ×2
آدم الحديدي ابتسم.
بس المرة دي…
ماكانتش ابتسامة راجل معجب.
كانت ابتسامة راجل عرف إن الحرب بدأت.
ليلى حسّت إن الهوا جوه العربية اختفى. إيديها اتخشبت على شنطتها الصغيرة، وعينيها فضلت رايحة جاية بين وش آدم الهادي زيادة عن اللزوم، وبين الإزاز الفيميه اللي وراها، كأنها ممكن تشوف الموت وهو ماشي وراهم على أربع عجلات.
همست بصوت مخنوق: — عربية ماشية ورانا؟ يعني إيه؟
آدم ما ردش عليها فورًا. مد إيده وضغط زر صغير جنب الكرسي، فالإزاز الفاصل بينه وبين السواق نزل بسلاسة.
قال بصوت بارد: — لف من شارع التسعين… وبعدها ادخل يمين ناحية الطريق الجانبي.
السواق رد فورًا: — حاضر يا آدم بيه.
ليلى اتنفضت: — استنى! أنت رايح فين؟ أنا عايزة أنزل.
آدم بص لها بهدوء: — تنزلي دلوقتي؟
— أيوه.
— في المطر؟ وفي عربية بتراقبنا؟ وبعد ما وشك بقى ظاهر في كاميرات القصر جنب سيف الكيلاني؟
ليلى بلعت ريقها، لكن صوتها طلع حاد من الخوف: — أنا معرفش سيف ده! أنا حتى مش فاكرة إني وقفت جنبه!
آدم رفع التابلت تاني قدامها. الصورة كانت واضحة. ليلى واقفة جنب راجل في الخمسينات، لابس بدلة رمادي، ماسك كوباية في إيده، وبيميل ناحيتها كأنه بيقولها حاجة. لكن في الصورة، ليلى كانت باصة ناحية القاعة ومش مركزة معاه أصلًا.
قالت بسرعة: — ده كان واقف جنبي بس! أنا كنت بدور على أمي. ما اتكلمتش معاه.
آدم ضيّق عينيه. — وهو اتكلم معاكِ؟
ليلى حاولت تفتكر، وسط ضربات قلبها اللي كانت أعلى من صوت المطر. — يمكن… يمكن قال حاجة عن الزحمة أو عن الحفلة. مش فاكرة. كان كلام عادي.
— مافيش كلام عادي مع سيف الكيلاني.
— وأنا مالي؟! أنا كنت في خطوبة بنت خالتي، مش في اجتماع عصابات!
الكلمة خرجت منها قبل ما تفكر.
العربية كلها سكتت.
السواق بص في المراية بسرعة وبعدين رجّع عينيه للطريق.
أما آدم… ففضل باصصلها.
ثانية.
اتنين.
وبعدين قال بهدوء: — خافي من اللي بيستحق الخوف يا ليلى، مش من الكلمة.
ليلى اتنهدت بقوة وهي تحاول تسيطر على رعشة إيديها: — أنا عايزة أروح. أمي بره القصر دلوقتي أكيد هتموت من الرعب.
آدم مد إيده للموبايل. — رقمها؟
ليلى بصت له بشك: — ليه؟
— علشان أقولها إنك بخير.
ضحكت بمرارة: — آه طبعًا. هتطمن جدًا لما أخطر راجل في مصر يكلمها يقولها بنتك معايا.
للمرة التانية في الليلة دي، لمحة ابتسامة ظهرت على وشه. — عندك حق.
مد التليفون ناحيتها. — اكتبي لها رسالة.
ليلى أخدت الموبايل بحذر، وكأنها ماسكة سلاح. كتبت بسرعة: “ماما أنا كويسة. هبقى أكلمك بعد شوية. ما تقلقيش.” وبمجرد ما بعتت الرسالة، آدم خد الموبايل منها وحطه جنبه.
قالت بغضب: — هو أنا مسجونة؟
آدم مال بجسمه سنة بسيطة لقدام. — لو كنتِ مسجونة، ماكنتش هسألك تبعتي رسالة.
— لأ، أنت بس مهذب وإنت بتخطفني.
عينيه لمعت بشيء بين الغضب والإعجاب. — لسانك هيوديك في داهية.
— واضح إنه بدأ بالفعل.
قبل ما يرد، العربية انعطفت فجأة بقوة. ليلى اتزحلقت على الكنبة الجلد، وكتفها خبط في الباب. صرخت: — إيه ده؟!
صوت السواق جه حاد: — العربية اللي ورانا زودت السرعة يا آدم بيه.
آدم ما اتحركش. ولا حتى رمش. قال فقط: — قرب من الكوبري.
ليلى بصت من الإزاز الخلفي، رغم الفيميه، وشافت نورين عاليين بيقربوا وسط المطر. عربية سودة تانية، أقل فخامة، لكن أسرع، بتقطع الطريق وراهم كأنها مصممة تلحقهم.
قلبها وقع.
دي ماكانتش حفلة. ولا سوء تفاهم. ولا قصة غريبة هتضحك عليها بكرة.
دي مصيبة حقيقية.
همست: — أنا مالي بكل ده؟ أنا عملت إيه؟
آدم بص لها، ولأول مرة صوته بقى أقل برودة: — يمكن ولا حاجة.
— يمكن؟!
— أو يمكن حد استغلك علشان يقرب مني.
— يستغلني إزاي؟ أنا ماعرفكش!
— وده بالظبط اللي يخليكِ اختيار ممتاز.
الجملة خبطتها زي القلم.
اختيار ممتاز.
يعني ممكن تكون متورطة من غير ما تعرف. ممكن تكون اتزرعت جنب سيف الكيلاني بالغلط. ممكن تكون اللي حصل في القاعة مش صدفة. ممكن العصير نفسه…
لا.
عقلها رفض يكمل.
قالت بسرعة: — أنا اتزحلقت. كعبي اتزحلق على الرخام.
آدم سأل فجأة: — مين اداكِ العصير؟
ليلى اتجمدت.
الصورة رجعت في دماغها. جرسون شاب، وشه عادي جدًا، قرب منها وقال: “مدام تحبي عصير؟” وهي أخدت الكوباية من غير ما تفكر. وبعدها بثواني، حد خبط كتفها من ورا. هي حاولت تتوازن. كوعها خبط الصينية. العصير طار.
قالت وهي بتتوه: — جرسون.
— شكله؟
— مش فاكرة.
— حاولي.
غمضت عينيها. — شاب… شعره أسود… كان عنده علامة صغيرة هنا.
حطت صباعها جنب دقنها.
وش آدم اتغير.
تغير بسيط جدًا، لكن ليلى لاحظته.
قالت: — أنت تعرفه؟
آدم بص للسواق: — كلم مراد. عايز كل تسجيلات كاميرات قصر المنياوي خلال خمس دقايق. خصوصًا الجرسونات.
السواق قال: — حاضر.
ليلى سألته برعب: — العلامة دي معناها إيه؟
آدم سكت.
— جاوبني!
قال بهدوء: — معناها إن الليلة دي ماكانتش صدفة.
في نفس اللحظة، العربية اللي وراهم زودت سرعتها واصطدمت بخفة في مؤخرة عربيتهم.
ليلى صرخت واتمسكت بالكرسي.
السواق شتم بصوت مكتوم، وآدم مد إيده بسرعة وثبت ليلى من كتفها قبل ما تتخبط في الكرسي اللي قدامها.
لمسته كانت قوية، ثابتة، لكنها مش مؤذية.
ولسبب غريب، وسط كل الرعب ده، ليلى حسّت بالأمان لجزء من الثانية.
بصت لإيده على كتفها.
هو شالها فورًا، كأنه لاحظ قبلها.
قال: — انزلي تحت.
— إيه؟
— دلوقتي.
ماستناش ردها. شدها من دراعها ونزلها من على الكنبة ناحية أرضية العربية بين الكرسيين. ليلى كانت هتعترض، لكن صوت رصاصة خبط في الإزاز الخلفي خلاها تخرس.
الطلقة ماكسرتش الإزاز، بس الصوت كان كفيل يخلّي دمها ينشف.
صرخت: — بيضربوا نار؟!
آدم قال بهدوء مخيف: — واضح إنهم مستعجلين.
— مستعجلين على إيه؟!
— ياخدوكِ.
الكلمة نزلت عليها زي تلج.
— ياخدوني أنا؟ ليه؟!
آدم طلع مسدس صغير من درج جانبي في العربية، فتحه واتأكد منه بحركة سريعة محترفة. — لأنهم فاكرين إنك تعرفي حاجة.
— وأنا معرفش!
— هما مش مهتمين بالحقيقة. مهتمين يستخدموكِ ضدي.
ليلى حسّت دموع الخوف تحرق عينيها، لكنها رفضت تبكي. رفعت راسها من تحت الكرسي وقالت: — وأنا ذنبي إيه إنك عندك أعداء؟!
آدم بص لها من فوق. — مافيش حد بيختار يدخل دايرتي يا ليلى. أحيانًا الدايرة هي اللي بتبلعه.
— لا، أنا مش هتبلع. وقف العربية ونزلني.
رد بحدة: — لو نزلتك دلوقتي، هيتخطفوكِ قبل ما تخطي خطوتين.
العربية انعطفت فجأة ودخلت طريق جانبي ضيق. المطر كان بيغرق الزجاج، وأضواء المدينة بقت خطوط مهزوزة. صوت الماتور عالي. صوت العربية اللي وراهم أعلى. كل ثانية كأنها بتسحبهم أعمق في كابوس.
ليلى كانت قاعدة على أرضية العربية، شعرها مبلول من المطر اللي لسه عليه، وفستانها الأزرق اتكرمش، ووشها شاحب. من نص ساعة كانت بتتمنى تهرب من حفلة مملة. دلوقتي كانت بتستخبى من رصاص ناس مجهولة في عربية أخطر رجل في مصر.
ضحكت فجأة.
ضحكة قصيرة مجنونة.
آدم بص لها باستغراب. — بتضحكي؟
قالت وهي على وشك الانهيار: — أصل أمي كانت خايفة إن الناس يسألوني بشتغل إيه. طلعت المشكلة أكبر شوية.
وللمرة التالتة، آدم ابتسم.
لكن الابتسامة اختفت فورًا لما السواق قال: — قدامنا عربية قافلة الطريق.
آدم التفت قدام.
ليلى رفعت رأسها بحذر وشافت من بين الكراسي نور عربية واقفة بالعرض في آخر الشارع.
اتحاصروا.
آدم قال للسواق: — ارجع.
السواق حط الفتيس بسرعة، لكن العربية اللي كانت وراهم وقفت قريبة جدًا، قافلة الرجوع.
ليلى همست: — يا نهار أسود…
آدم فتح باب العربية ناحيته. — خليكِ تحت.
مسك المسدس ونزل تحت المطر.
في اللحظة اللي الباب اتفتح فيها، صوت المطر دخل العربية كأنه عاصفة. ليلى شافت آدم واقف قدام النور، قميصه الأسود ابتل، كتفه ثابت، المسدس في إيده لتحت، مش مرفوع. ومع ذلك، كان شكله أخطر من أي سلاح.
من العربية اللي قدامهم، نزل تلات رجالة.
ومن اللي وراهم، نزل اتنين.
ليلى حست إن نفسها بيتقطع.
واحد من الرجالة نادى: — سلّم البنت يا آدم بيه… والليلة تعدي من غير دم.
آدم وقف في نص الشارع كأنه مالك المطر والطريق والظلام. — مين بعتك؟
الراجل ضحك. — إنت عارف.
— لو كنت عارف، ماكنتش سألت.
واحد تاني رفع سلاحه ناحية العربية.
آدم اتحرك بسرعة مستحيل ليلى تتابعها. طلقة. صرخة. الراجل وقع سلاحه وهو ماسك كتفه.
ليلى حطت إيدها على بقها علشان ما تصرخش.
الدنيا انفجرت.
رصاص. مطر. صوت كاوتش بيزحف على الأرض. السواق خرج من العربية بسلاحه. آدم اتحرك حوالين الباب المفتوح كأنه متعود على الموت أكتر من التنفس.
ليلى كانت مرعوبة، لكنها لمحت حاجة غريبة.
راجل من اللي وراهم ماكانش بيضرب على آدم.
كان بيحاول يلف من الناحية التانية ناحية بابها.
ناحيتها هي.
قلبها ضرب بعنف.
افتكرت كلام آدم: “ياخدوكِ.”
زحفت على أرضية العربية وفتحت شنطتها الصغيرة بإيد بتترعش. مافيش حاجة مفيدة. روج. مناديل. مفاتيح. دبوس شعر معدني طويل.
مسكت الدبوس.
باب العربية ناحيتها اتفتح فجأة.
إيد ضخمة دخلت ومسكت فستانها.
ليلى صرخت بكل قوتها وغرست الدبوس في إيده.
الراجل شتم وسحب إيده، لكنها ما استنتش. ركلت الباب برجليها بكل قوتها، فالباب خبط في صدره وخلاه يتراجع.
آدم لف بسرعة.
نظرة واحدة منه كانت كفاية.
رفع سلاحه وضرب طلقة جنب رجل الراجل، مش فيه.
الراجل اتجمد.
آدم قال بصوت منخفض: — لمستها؟
الراجل حاول يرجع لورا.
آدم قرب منهوو
يتبع