علي الطريق أسمـا السـيد ×2

مرّت الأيام التالية ببطء.

بدا المنزل هادئًا من الخارج.

لكن في الداخل كانت آثار ما حدث ما تزال موجودة في كل زاوية.

أصبحت مريم تتبعني أينما ذهبت.

إذا دخلت المطبخ تبعتني.

إذا جلست أعمل على الحاسوب جلست بجواري.

وإذا ذهبت إلى غرفتي تسأل بعد دقائق:

“ماما إنتِ هنا؟”

في البداية كنت أجيبها مبتسمة.

لكن مع الوقت أدركت أن الأمر لم يكن مجرد تعلق عادي.

كانت خائفة.

خائفة أن تختفي كما اختفى الجميع يوم تُركت على الطريق.

وفي إحدى الليالي استيقظت على صوت بكاء مكتوم.

نهضت بسرعة وذهبت إلى غرفتها.

وجدتها جالسة على السرير تحتضن ركبتيها.

وجهها شاحب وعيناها ممتلئتان بالدموع.

جلست بجوارها فورًا.

“مالك يا حبيبتي؟”

همست:

“حلمت إنكم سبتوني تاني.”

شعرت بوخزة مؤلمة في قلبي.

مددت ذراعي واحتضنتها.

وبقيت أهدهدها حتى هدأت.

لكن بعد أن نامت ظللت مستيقظة.

أنظر إلى السقف.

وأفكر.

الأطفال ينسون أشياء كثيرة.

لكن بعض الجروح تترك أثرًا طويلًا.

وفي صباح اليوم التالي اتصلت بأخصائية نفسية للأطفال وحجزت موعدًا.

عندما أخبرت أمي بذلك بعد أيام بالصدفة أثناء مكالمة قصيرة، انفجرت غضبًا.

قالت:

“يعني هتودي البنت لدكتور نفسي عشان موقف بسيط؟”

أجبت ببرود:

“الموقف مش بسيط.”

قالت بسخرية:

“كده بتعلميها إنها ضحية.”

أغلقت المكالمة قبل أن أكمل النقاش.

لأنني بدأت أفهم شيئًا مهمًا.

هناك أشخاص لا يبحثون عن الحقيقة.

بل يبحثون عن طريقة تجعلهم أبرياء دائمًا.

في الجلسة الأولى جلست مريم متوترة.

لكن بعد دقائق بدأت تتحدث.

كنت أراقبها من بعيد.

وأشعر بغصة مع كل كلمة.

قالت للأخصائية:

“أنا افتكرت إني وحشة.”

“ليه؟”

“عشان الكل كان زعلان مني.”

“وإنتِ عملتي إيه؟”

“رجعت.”

ثم أطرقت برأسها.

كأنها تعترف بذنب كبير.

عندما خرجنا من الجلسة كانت الأخصائية هادئة جدًا.

وقالت لي:

“مريم محتاجة وقت. لكنها قوية.”

سألتها:

“هتتجاوز اللي حصل؟”

ابتسمت وقالت:

“الأطفال بيتجاوزوا أشياء كثيرة لما يكون عندهم شخص آمن يرجعوا له.”

عدت إلى المنزل وأنا أفكر في تلك الجملة.

شخص آمن.

ربما هذا كل ما يحتاجه الطفل أحيانًا.

ليس الكمال.

ولا الحلول السحرية.

فقط شخص لا يتركه عندما يخاف.

بعد أسبوعين تقريبًا حدث شيء لم أتوقعه.

كنت أرتب بعض الأوراق عندما وصلني اتصال من رقم غريب.

أجبت بحذر.

جاءني صوت امرأة.

“حضرتك والدة مريم؟”

“نعم.”

“أنا اسمي منى.”

توقفت لحظة.

ثم أكملت:

“أنا كنت من الناس اللي شافوا بنتك يوم كانت واقفة على الطريق.”

تجمدت يدي.

جلست ببطء على الكرسي.

“إيه؟”

قالت:

“كنت معدية بعربيتي وشفتها.”

شعرت بأنفاسي تتسارع.

“وبعدين؟”

قالت:

“وقفت أسألها إذا كانت محتاجة مساعدة. لكنها كانت مرعوبة من إنها تركب مع حد غريب.”

أغمضت عيني.

مريم كانت وحدها فعلًا.

وحتى الغرباء لاحظوا ذلك.

أكملت السيدة:

“فضلت واقفة بعيد عنها أراقبها لحد ما وصلتي.”

لم أعرف ماذا أقول.

همست فقط:

“شكرًا.”

قالت:

“بصراحة أنا اتصدمت. فضلت طول اليوم أفكر فيها.”

ثم أضافت:

“أنا أم. ومقدرتش أتخيل اللي حصل.”

بعد انتهاء المكالمة جلست صامتة طويلًا.

كنت أظن أنني سمعت أسوأ ما في القصة.

لكن معرفة أن الغرباء توقفوا لأنهم شعروا بالخطر جعل الأمر أكثر فظاعة.

إذا كان شخص لا يعرف ابنتي شعر بالمسؤولية تجاهها…

فكيف لم يشعر أجدادها؟

مر شهر كامل.

ثم شهر آخر.

وبدأت الحياة تستعيد إيقاعها تدريجيًا.

عادت مريم تضحك أكثر.

عادت تلعب.

وعادت تنام ليلًا دون كوابيس كثيرة.

لكن علاقتها بجدّيها لم تعد كما كانت.

كلما ذُكر اسمهما يتغير وجهها.

وإذا سألتها إن كانت تريد التحدث معهما تهز رأسها بالرفض.

وفي أحد الأيام وصلت رسالة طويلة من أمي.

فتحتها بتردد.

كانت تتوقع أن أسامحها.

أن أنسى.

أن أتصرف وكأن شيئًا لم يحدث.

لكن اللافت أنها لم تعتذر مرة واحدة.

كتبت عشرات السطور عن تعبها.

وعن ظروفها.

وعن سوء فهمي للموقف.

وعن أن العائلة يجب أن تبقى متماسكة.

لكن لم تكن هناك جملة واحدة تقول:

“أنا أخطأت.”

عندها أدركت أن بعض الناس يعتبرون الاعتراف بالخطأ هزيمة.

حتى لو كان الثمن خسارة أحبائهم.

أغلقت الرسالة دون رد.

بعد عدة أشهر كان عيد ميلاد مريم التاسع.

قررت أن أجعله يومًا مميزًا.

زينّا المنزل.

ودعونا صديقاتها.

وأحضرت لها الكعكة التي تحبها.

وفي نهاية الحفل جلست تفتح الهدايا.

ثم فجأة رفعت رأسها نحوي.

وقالت أمام الجميع:

“ماما.”

ابتسمت.

“نعم؟”

قالت:

“أحسن هدية إنتِ.”

ضحك الحاضرون.

لكنني شعرت بدموعي تقترب.

سألتها:

“ليه؟”

فكرت قليلًا.

ثم قالت ببساطة الأطفال الصادقة:

“عشان إنتِ رجعتي أخدتيني.”

ساد الصمت للحظة.

ولم يفهم معظم الموجودين المقصود.

أما أنا…

ففهمت.

وفهمت أن تلك اللحظة ستبقى في ذاكرتها سنوات طويلة.

ربما للأبد.

اقتربت منها واحتضنتها.

بينما كانت هي تضحك دون أن تدرك أن كلماتها أعادت إليّ كل شيء.

الطريق الطويل.

الشمس الحارقة.

اللافتة الصدئة.

الطفلة الصغيرة الواقفة وحدها.

والأم التي كانت تقود بجنون وهي تخشى أن تصل متأخرة.

لكنها لم تصل متأخرة.

وهذا وحده كان كافيًا.

لأن بعض القصص لا تنتهي عندما يختفي الخطر.

بل عندما يعرف الطفل، في أعماقه، أن هناك من سيعود دائمًا من أجله.

مهما ابتعد.

ومهما طال الطريق.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *