قطتي الصغيره حكايات اسما 2 والاخير
بعد الليلة دي… بقى في جزء من البيت اتغيّر للأبد.
مش حاجة كبيرة يقدر أي حد يلاحظها أول ما يدخل. لا لون الحيطان. ولا ترتيب الأثاث. لكن الإحساس نفسه اتغيّر.
البيت اللي كان مليان خوف وتعب ومستشفيات وعلب دوا… بدأ يبقى أهدى شوية.
الكابتن بقى ينام كل ليلة جنب سرير نوح. أحيانًا فوق رجله. وأحيانًا فوق المخدة نفسها كأنه حارس صغير بعين واحدة.
ونوح… رجع يضحك تاني.
مش طول الوقت. لسه كان فيه أيام يقف قدام المراية ويبص للرقعة على عينه ويسكت. لسه كان أوقات يرفض يخرج لما الأطفال يبصوا عليه كتير. لكن بقى فيه حاجة مختلفة.
بقى يحس إنه مش لوحده.
وفي كل مرة حد يبص للكابتن باستغراب… نوح كان يرفع راسه بفخر ويقول: ــ هو بطل… وأنا كمان.
وعادل بدأ يزورنا فعلًا.
في الأول كانت الزيارات قصيرة ومتوترة. يقعد عشر دقايق. يلعب مع الكابتن شوية. يسيب لعبة صغيرة لنوح أو كتاب تلوين ويمشي.
لكن مع الوقت… بدأت ألاحظ إنه بيحاول يضحك مخصوص علشان خاطر نوح. حتى لو عينيه دايمًا باين فيها الحزن.
وفي مرة… كنت واقفة في المطبخ بعمل شاي. وسمعته من الصالة بيسأل نوح: ــ تعرف ياسين كان بيحب إيه أكتر حاجة؟
نوح هز راسه.
عادل ابتسم بحزن: ــ كان بيحب الفضاء بشكل جنوني. كان مقتنع إن النجوم ناس راحوا السما بس منورين لسه.
سكت شوية. وبعدين سمعته يقول بصوت متكسر: ــ لما كان بيتعب جدًا… كان يقولي: “بابا… لو مت، ماتزعلش. أنا هبقى نجمة سهلة تلاقيها.”
وقفت مكاني وأنا حاسة بدموعي بتنزل.
لأن مافيش وجع في الدنيا أقسى من أب فقد ابنه.
لكن الأقسى… إنه يفضل عايش بعده.
بعد شهر تقريبًا… الدكتورة اتصلت بينا علشان متابعة دورية لنوح.
المستشفى كانت دايمًا بتخوفه. ريحة المعقمات لوحدها كانت كفاية تخليه يسكت تمامًا.
لكن المرة دي… دخل وهو شايل الكابتن في الحاملة الصغيرة.
ولما الممرضة ضحكت وقالت: ــ ده مين ده؟
نوح رد بثقة: ــ أخويا.
ضحكت الممرضة باعتباره هزار. لكن أنا وعادل… بصينا لبعض وسكتنا.
أثناء الكشف… الدكتورة كانت مبسوطة جدًا.
التحاليل ممتازة. والأشعة مطمنة.
قالت بابتسامة: ــ أعتقد إن بطلنا الصغير أخيرًا بدأ يستعيد نفسه.
أول ما خرجنا من العيادة… نوح شد جاكيتي بخفة.
نزلت لمستواه.
همس: ــ ماما؟
ــ نعم يا حبيبي؟
بص للكابتن اللي جوه الحاملة وقال: ــ هو ياسين شايفنا؟
قلبي اتعصر.
حاولت أجاوب. لكن الكلمات وقفت في زوري.
عادل هو اللي رد بهدوء: ــ أيوه.
نوح بصله بعين واسعة: ــ بجد؟
عادل ابتسم وسط دموع خفيفة: ــ ولو شافك دلوقتي… هيكون مبسوط جدًا.
نوح سكت ثواني. وبعدين قال: ــ وأنا كمان مبسوط إنه ساعدني.
في الليلة دي… بعد ما نوح نام… قعدت في البلكونة لوحدي.
القاهرة كانت هادية بشكل نادر. والهواء بارد شوية.
عادل خرج بعد دقايق وقعد بعيد باحترام.
فضل ساكت شوية… وبعدين قال: ــ شبه أمه.
بصيتله.
ابتسم ابتسامة صغيرة: ــ ياسين.
سكت لحظة. وبعدين كمل: ــ كانت قوية جدًا. حتى وهي بتنهار.
عرفت من نبرة صوته إنه بيتكلم عن مراته.
سألته بهدوء: ــ هي فين دلوقتي؟
بص للسما طويلًا قبل ما يرد: ــ مقدرتش تستحمل بعده.
نفسي اتسحب.
ــ ماتت؟
هز راسه ببطء: ــ لأ… بس سابت البيت وكل حاجة ومشت.
صوته كان مليان تعب سنين.
ــ قالتلي كل ركن بيفكرها بيه. حتى نفسها بقى يوجعها.
ماعرفتش أقول حاجة.
لأن الحزن أحيانًا بيكسر الناس بطُرق مختلفة. فيه اللي يعيط. وفيه اللي يختفي.
بعدها بأسابيع… بدأ نوح يطلب يروح المدرسة من تاني.
وده كان أكبر مفاجأة.
لأن بعد العملية… كان بيكره المدرسة.
الأطفال ماكانوش قاسيين عمدًا دايمًا. لكن فضولهم كان بيجرحه.
مرة طفل سأله: “إنت نص قرصان؟” وكل الفصل ضحك.
رجع البيت يومها وقفل على نفسه بالساعات.
لكن دلوقتي… كان مختلف.
أول يوم رجع فيه… أصر ياخد الكابتن معاه لحد باب المدرسة.
وقف القرفصاء قدامه وقال: ــ استناني أرجع يا كابتن.
القط موّاء بصوت خافت ولمّ نفسه حوالين رجله.
وأنا كنت واقفة أبص عليهم وقلبي بيوجعني ويخف في نفس الوقت.
بعد الضهر… رحت أستلمه وأنا متوقعة ألاقيه ساكت أو متضايق.
لكن أول ما شافني… جري ناحيتي مبتسم.
ابتسامة حقيقية. واسعة. من النوع اللي ماشفتهوش على وشه من سنين.
حضنته بسرعة: ــ عملت إيه؟
قال بحماس: ــ حكيتلهم عن الكابتن!
ضحكت وسط دموعي: ــ بجد؟
ــ أيوه! ووريتهم صورته… وكلهم قالوا إنه جامد.
سكت لحظة. وبعدين همس: ــ وحتى لو عنده عين واحدة… لسه كيوت.
الكلمة دي كسرتني.
لأن لأول مرة… كان بيتكلم عن نفسه برضه.
وفي يوم مطر… صحيت على صوت خبط خفيف على باب الشقة.
فتحت لقيت عادل واقف. لكن شكله كان غريب.
مرهق. وشاحب. وعينيه حمرا.
قلقت فورًا: ــ في إيه؟
حاول يبتسم: ــ ممكن أشوف نوح؟
دخل.
كان نوح وقتها بيرسم على الأرض مع الكابتن.
أول ما شاف عادل… ابتسم وجري عليه.
لكن عادل حضنه بطريقة خلت قلبي ينقبض.
طويلة أوي. كأنه بيتشبث بيه.
بعد شوية… طلب مني نتكلم برا.
خرجنا البلكونة.
وبصلي مباشرة وقال: ــ عندي سرطان.
الدنيا سكتت.
حتى صوت المطر اختفى.
شهقت: ــ إيه؟
ضحك بخفة متعبة: ــ ironic صح؟
دموعي نزلت فورًا.
قال: ــ اكتشفوه متأخر.
سند على سور البلكونة وكمل: ــ يمكن علشان كده كنت مصر الكابتن يوصلكم.
صوته اتكسر.
ــ كنت محتاج أتأكد إن آخر جزء من ياسين… هيبقى وسط ناس بتحبه.
عيطت غصب عني.
لكن عادل رفع إيده بسرعة: ــ ماتعيطيش… كفاية دموع في البيت ده.
رجعت بصيتله وأنا حاسة بالعجز.
قال: ــ أنا مش خايف أموت.
سكت لحظة.
ــ أنا بس كنت خايف أموت لوحدي.
في اليوم ده… نوح رفض يسيبه يمشي.
فضل ماسك فيه طول الليل تقريبًا. يحكيله عن المدرسة. وعن رسوماته. وعن الكابتن اللي سرق قطعة فراخ من المطبخ.
وعادل كان بيضحك… ضحك حقيقي لأول مرة.
لكن المرض كان أسرع.
خلال الشهور اللي بعدها… بقى أضعف بشكل يخوف.
الشعر الأبيض بدأ يقع. صوته بقى أهدى. وإيده بقت ترتعش أكتر.
ومع ذلك… مافاتش أسبوع من غير ما يزور نوح.
لحد ليلة الشتاء دي.
الساعة كانت قرب اتنين بعد منتصف الليل لما موبايلي رن.
أول ما شفت اسم المستشفى… قلبي وقع.
وصلت هناك وأنا حرفيًا مش قادرة أتنفس.
نوح كان صاحي رغم الوقت. مصر ييجي معايا.
وأول ما دخلنا الأوضة… عرفت.
عادل كان رايح.
الأجهزة صوتها بطيء. والهدوء تقيل.
لكن أول ما شاف نوح… ابتسم.
رفع إيده بصعوبة.
نوح جري مسكها فورًا.
عادل بصله طويلًا… كأنه بيحفظ ملامحه.
وبعدين همس: ــ بطل.
نوح بدأ يعيط: ــ ماتسبنيش.
قلبي اتكسر.
لكن عادل ابتسم بحنان موجوع: ــ فاكر النجوم؟
نوح هز راسه وهو بيشهق.
عادل بص للسقف: ــ لما تشتاقلي… بص لفوق.
الدموع كانت بتنزل من عينيه هو كمان.
ــ وأنا هكون هناك… جنب ياسين.
وفي اللحظة دي… الكابتن اللي كان نايم في حضن نوح رفع راسه فجأة.
وبطريقته العرجا البطيئة… مشى لحد سرير عادل.
وقف جنب إيده.
وحط راسه تحت كفه.
عادل بدأ يعيط بصمت.
أصابعه تحركت بصعوبة فوق فروه البرتقالي.
وهمس: ــ أهو… رجعتله أخيرًا.
بعدها بدقايق…
الأجهزة طلعت صوت طويل متواصل.
ونوح صرخ.
أما أنا… فحضنت ابني والقط الاتنين مع بعض… وإحنا بننهار.
عدّى سنة.
وفي ليلة صيف هادية… كنت واقفة في البلكونة.
نوح كان نايم. والكابتن كبر شوية وبقى أهدى.
فجأة… نوح خرج من أوضته وهو فرك عينه.
وقف جنبي وبص للسما.
وقال بهدوء: ــ ماما؟
ــ نعم؟
أشار لنجمتين منورين جنب بعض.
ــ أعتقد دول هما.
بصيت للسما… وحسيت دموعي بتنزل.
نجمتين جنب بعض فعلًا.
واحدة صغيرة… وواحدة أكبر شوية.
حضنت نوح وهو ساند راسه على كتفي.
والكابتن لف نفسه حوالين رجلينا.
وفي اللحظة دي… لأول مرة من سنين طويلة…
ماحسّتش إننا مكسورين.
بس ناس نجوا… وبيحاولوا يكملوا الحياة بقلوب فيها وجع… لكن فيها حب أكتر.
تمت