ربيت ابن جوزي روماني مكرم -3

### الجزء السادس: أشباح الماضي

الراجل اللي كان واقف بعيد بزيّه الصعيدي الوقور فضل ثابت مكانه، وعينه ما نزلتش من عليا. ملامحه كانت مألوفة بشكل يوجع القلب، كأني شفت الوش ده في مرايتي أو في حلم قديم ممسوح.

يوسف لاحظ نظراتي، مسك إيدي وقال بشك: “ماما.. مين ده؟ وليه باصص لنا كدة؟”

قبل ما أرد، الراجل بدأ يتحرك ناحيتنا بخطوات تقيلة، وكل ما يقرب، ملامح الصدمة على وشه بتتحول لدموع محبوسة. وقف قدامي على بعد خطوة واحدة، وصوته طلع مبحوح وهزيل: “يا مريّم؟ مريّم الشريف؟”

* “أنا اسمي ريم.. إنت مين؟”

الراجل غطى وشه بإيديه وهو بيشهق: “يا بوي.. سبحان من يحيي العظام وهي رميم! أنا عمّك يا بنتي.. أنا جابر الشريف. إحنا قلبنا عليكي الدنيا عشرين سنة، قالوا لنا إنك موتي مع أبوكي وأمك في الحادثة، والمربية قالت إنها ملحقتش تطلعك من العربية!”

بصيت له بذهول.. يعني الكدبة مكنتش بس من هشام وأمه، دي كانت دايرة مقفولة من الخداع.

* “المربية خبتني في ملجأ يا عمي.. خافت عليا من التار.”

جابر مسك إيدي وباسها وهو بيبكي: “التار خلص من زمان يا بنتي.. اللي عملوا كدة خدوا جزاءهم، بس إحنا اللي عشنا في حسرة عليكي. طول السنين دي وإنتِ هنا؟ في الإسكندرية؟ وقريبة مننا كدة؟”

في اللحظة دي، حماتي “سهير” وهي بتتسحل من العساكر عشان تركب البوكس، صرخت بصوت عالي: “كدابين! دي بت ملجأ، إحنا اللي سترناها!”

عمي جابر لف لها، وعينه اسودت من الغضب، وبصوت هز المكان قال: “الست دي وأبنها حسابهم معايا أنا.. عيلة الشريف مش بتسيب حقها، واللي سرق وريثة العيلة وعيشها خدامة، هيدفع التمن غالي قوي.. التمن اللي القانون مش هيعرف يجيبه، أنا هجيبه.”

هشام بص لي من ورا قزاز عربية الترحيلات، كان بيترعش.. شاف في عيني نظرة عمري ما نظرتها له، نظرة قوة ممتزجة بجذور وعيلة وسند.

يوسف قرب من عمي جابر، وبص له بتحدي ممزوج بفضول: “يعني أنا ليا عيلة بجد؟ ليا ناس غير اللي باعونا دول؟”

عمي جابر حضن يوسف بقوة: “إنت ولد الشريف يا بطل.. إنت السند اللي كنا مستنيينه.”

روحنا مع عمي جابر لمكان هادي عشان نستوعب اللي بيحصل. قعدنا وحكى لي عن أهلي، عن شموخ أبويا وحنية أمي.. عرفت إن “سارة شريف” الاسم اللي هشام اختاره لي، كان هو نفسه جزء من الحقيقة اللي معرفش يداريها تماماً، كأنه كان بيحاول يثبت ملكيته لـ “وريثة الشريف” حتى وهو بيسرقها.

المحامي اتصل بيا وقال لي إن القضية كبرت، والنيابة وجهت لهشام وسهير تهم خطف قاصر (لأني كنت تحت السن لما زوروا ورقي)، وتزوير في أوراق رسمية، وانتحال شخصية.

بس وسط الفرحة دي، جالي تليفون من رقم مجهول.

فتحت الخط، وسمعت صوت لاهث ومرعوب: “مدام ريم.. أنا الممرضة اللي كانت موجودة ليلة الحادثة من 16 سنة.. أنا عندي سر هشام دفعه لي عشان أسكت، بس بعد اللي شفته في الفيديو بتاع ابنك، لازم أقوله.. هشام مكنش بس سايق سكران يا مدام ريم.. هشام كان قاصد يصدم العربية عشان يخلص من ‘ريم’ القديمة اللي كانت بتهدده إنها هتاخد يوسف وتمشي!”

اتسمرت مكاني.. يعني الحادثة مكنتش قضاء وقدر؟ ده كان شروع في قتل!

بصيت ليوسف ولعمي جابر، وقلت بصوت حديدي: “الحكاية لسه مخلصتش.. هشام لسه عنده مفاجآت تانية في جرابه، وأنا مش ههدا غير لما يلبس البدلة الحمراء.”

#الكاتب_روماني_مكرم

### الجزء السابع وقبل الأخير: الحساب الختامي

وقفت في نص الصالون والموبايل لسه في إيدي، وصوت الممرضة بيرن في وداني كأنه صرخة من القبر. هشام مكنش بس جبان، ده كان سفاح بيخطط بدم بارد.

عمي جابر شاف وشي اتخطف، قام وقف: “فيه إيه يا بنتي؟ الوجع اللي في عينيكي ده وراه خبر شؤم، قوليلي وماتخافيش.. الصعيد كله واقف في ضهرك.”

حكيت له اللي الممرضة قالته. يوسف كان واقف، ملامحه كبرت 10 سنين في كام ساعة، قبضة إيده كانت بتبيضّ من كتر الضغط. قال بصوت هادي ومرعب: “يعني كان عايز يموتك يا ماما؟ كان عايز ييتمّني وإنتِ عايشة؟”

* “يا عمي، الممرضة دي هي الخيط اللي هيوديهم المشنقة. هشام وسهير لازم يواجهوا تهمة الشروع في القتل، مش بس التزوير.”

في اليوم التاني، المحكمة كانت محاصرة بالصحافة والقنوات. “قضية ريم الشريف” بقت قضية رأي عام. دخلت القاعة وأنا لابسة أسود، مش حزن، لكن هيبة. يوسف عن يميني وعمي جابر عن شمالي، ورجالة الشريف مالية القاعة كأنها حصن.

لما دخل هشام القفص، كان باين عليه الانكسار، شعره شاب في يومين، وعينه كانت في الأرض. أما سهير، فكانت لسه بتحاول تداري وشها بالشال، كأنها لسه مكسوفة من الفضيحة مش من الجريمة.

المحامي بتاعي وقف وقدم المفاجأة: “سيادة القاضي، نطلب إضافة تهمة الشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، ومعنا شاهدة إثبات كانت شريكة بالصمت لمدة 16 عاماً.”

الممرضة دخلت، وبدأت تحكي بالتفصيل إزاي هشام جالها المستشفى، وإزاي طلبت منه سهير إن “ريم” لازم تخرج من الحادثة دي فاقدة لأي صلة بالماضي، وإزاي هشام اعترف لها وهو مخمور إنه داس بنزين للاخر وهو شايف العربية اللي كانت ريم سايقاها (بعد ما أجبرها تتبادل الكراسي معاه وهي شبه غائبة عن الوعي).

القاعة اتقلبت. هشام صرخ من ورا القضبان: “كدابة! أمي هي اللي قالت لي اعمل كدة! قالت لي البنت دي لو رجعت لأهلها هتاخد يوسف وهتتحرم منه!”

سهير بصت لابنها بذهول: “إنت بتبيعني يا هشام؟ يا خسارة تربيتي فيك!”

بدأوا يقطعوا في بعض قدام الكل، يرموا التهم على بعض كأنهم دياب بتنهش في جثة واحدة. في اللحظة دي، بصيت ليوسف، لقيته باصص لهم بقرف، مسك إيدي وهمس: “خلاص يا ماما.. مابقوش ليهم سلطة علينا. هما دلوقتي بيحفروا قبرها لبعض.”

القاضي أمر بتحويل القضية للجنايات بتهمة الشروع في القتل، وتزوير أوراق رسمية، وحرمان أم من ابنها، واستعباد إنسانة تحت مسمى هوية مزيفة.

واحنا خارجين من القاعة، هشام نادى عليا بصوت مكسور: “ريم! سامحيني يا ريم.. أنا حبيتك!”

وقفت، لفيت له وبصيت له ببرود: “إنت محبيتش ريم، ولا حبيت سارة.. إنت حبيت الضعف اللي كنت شايفه فيا. بس ريم الشريف مابتسامحش في عمرها اللي اتسرق، ولا في ابنها اللي اتحرم من حضن أمه وهو في بيتها.”

طلعت برا المحكمة، الشمس كانت قوية، بس لأول مرة مكنتش بتحرقني.. كانت بتنور طريقي. عمي جابر قال: “يلا يا بنتي.. الصعيد مستنيكي، حقك هناك محفوظ، وقصر أبوكي مفتوح ليكي ولولدك.”

بصيت ليوسف: “جاهز تبدأ حياة بجد؟”

يوسف ابتسم لأول مرة من قلبه: “طول ما أنا معاكي يا أمي، أنا جاهز لأي حاجة.”

بس قبل ما نركب العربية، المحامي جالي وهو بيجري، وشه كان مخطوف: “مدام ريم.. فيه خبر لسه واصل من النيابة.. سهير اعترفت بحاجة تانية خالص تخص الحادثة، حاجة هتغير مجرى القضية تماماً قبل الحكم النهائي!”

#الكاتب_رومانى_مكرم

 

### الجزء الثامن والأخير: شروق العدالة

اتسمرت مكاني قدام باب المحكمة والمحامي بيحكي النهج الأخير من الاعترافات. سهير، في لحظة يأس وخوف من حبل المشنقة، قررت تنهي اللعبة للنهاية.

* “مدام ريم.. سهير اعترفت إن الحادثة مكنتش بس محاولة قتل، دي كانت محاولة لإخفاء جريمة تانية. هشام كان بايع نص أملاك عيلتك اللي كانت تحت إيده بتوكيل قديم، وكان خايف إنك لو رجعتي لوعيك تطالبي بالحساب.. فكان لازم الذاكرة تتمحي، أو ريم نفسها تختفي.”

بصيت لعمي جابر، اللي هز راسه بأسى وقال: “الفلوس تعمي النفوس يا بنتي.. سرقوا مال اليتيمة وذلوها بلقمتها وهي صاحبة البيت.”

بعد شهور من الجلسات والتحقيقات، جه يوم النطق بالحكم. القاعة كانت ساكتة لدرجة إن دقات قلبي كانت مسموعة. دخل القاضي، وبص للأوراق اللي قدامه بجدية، وبدأ ينطق بكلماته اللي كانت زي السيف:

> **”حكمت المحكمة حضورياً على المتهم هشام الجندي بالسجن المؤبد عما أسند إليه من تزوير وشروع في قتل، وعلى المتهمة سهير الجندي بالسجن المشدد 15 عاماً بتهمة التحريض والتستر والاشتراك في التزوير.. مع إلزامهم برد كافة الحقوق المالية والممتلكات المغتصبة للسيدة ريم الشريف.”**

>

صوت الخبطة بالمطرقة كانت هي النهاية الرسمية لـ 16 سنة من العذاب. هشام وقع في القفص، وسهير غطت وشها وهي بتعيط، مش ندم، لكن هزيمة.

خرجت من المحكمة، ومعايا يوسف، اللي كان رافع راسه للسما. ركبنا العربية مع عمي جابر، واتجهنا للصعيد.. لبلدنا.

لما وصلنا، لقيت البلد كلها مستنية. الرجالة بيضربوا نار فرحة، والستات بيزغردوا لعودة “بنت الشريف”. دخلت القصر اللي اتولدت فيه، لمست الحيطان اللي كانت شاهدة على طفولتي، ولقيت صورة أبويا وأم في الصالة الكبيرة.. كأنهم بيبتسموا لي ويقولوا لي: “نورتي بيتك.”

**الحكمة:**

قعدت مع يوسف في جنينة القصر، وبصيت له وقلت:

* “عارف يا يوسف.. الدنيا دي غريبة قوي. ممكن الظلم يعيش سنين، وممكن الباطل يلبس توب الحق لحد ما الناس تصدقه.. بس الحقيقة زي الشمس، مهما غابت ورا سحب الكدب، لازم ييجي يوم وتشرق وتكوي اللي حاولوا يغطوها.”

يوسف مسك إيدي وقال: “أنا اتعلمت منك يا ماما إن القوة مش في الصوت العالي، القوة في الصبر.. وإن حق الواحد مابيروحش طالما وراه قلب مابينساش.”

**النهاية:**

ريم الشريف مستسلمتش للقدر اللي رسمه ليها ناس معندهاش ضمير. عاشت “مرات أب” بطلة، ورجعت “أم” وسيدة قصر بكرامة. والدرس اللي الكل عرفه في الإسكندرية والصعيد: **إن اللي يبني بيته على كدبة، لازم ييجي يوم والبيت يقع فوق راسه.. وإن المحنة اللي مابتكسركش، بتبنيك من جديد وبترجعك لأصلك.**

تمت.

#الكاتب_رومانى_مكرم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *