زوجتي واخي حكايات اسما الأخيره
بعد الحكم على كريم بثلاث شهور كاملة، بدأت أصدق إن حياتي أخيرًا رجعت هادية… ودي كانت أول مرة أكتشف إن الهدوء أحيانًا بيبقى أخطر من العاصفة نفسها. لأن العاصفة لما بتعدي… بتعرف إنها عدّت. لكن الهدوء؟ الهدوء بيخليك تنسى إن الخراب لسه مستخبي تحت التراب مستني حد يدوس عليه. كنت قاعد في مكتبي آخر الليل، أغلب الموظفين مشيوا، والدور كله ساكت إلا من صوت التكييف الخافت وضوء القاهرة اللي داخل من الشباك الكبير ومرسوم على الأرضية الرخام. كنت براجع عقد شراكة جديد، وحاسس لأول مرة من سنين إني ببني حاجة بإيدي من غير خوف إنها تتسرق مني وأنا غافل. موبايلي اهتز جنب اللاب توب. رقم غريب تاني. الغريب إن بعد كل اللي حصلي، بقيت أي رقم مجهول يحسسني إن الماضي لسه بيراقبني من مكان ما. رديت بهدوء: “ألو؟” وجالي صوت راجل كبير في السن، صوته فيه رهبة غريبة: “أستاذ محمود؟” “أيوه.” “أنا… أنا المحامي الخاص بالحاج فؤاد الدمنهوري.” الاسم خلاني أعتدل في قعدتي فورًا. فؤاد الدمنهوري ما كانش اسم عادي. ده واحد من أقدم رجال الأعمال في مصر، راجل الناس كانت بتقول إن نص الشركات الكبيرة مدينة له بحاجة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. قلت بحذر: “خير؟” الراجل سكت ثانية وبعدين قال: “الحاج عايز يقابلك شخصيًا.” ضيقت عيني: “وليه؟” “ده شيء يخص المرحوم والد حضرتك.” قلبي دق مرة واحدة جامدة. أبويا مات من سبع سنين. ومن يومها وأنا كنت فاكر إن كل أسراره دفنت معاه. قلت ببطء: “أنا جاي.” العنوان كان في الزمالك. فيلا قديمة جدًا مستخبية وسط الشجر، شكلها يوحي إن الزمن وقف فيها من التمانينات. البواب فتحلي من غير ما يسأل عن اسمي كأنهم كانوا مستنييني. دخلت لحد أوضة مكتب ضخمة ريحتها خشب قديم وسيجار فاخر. والحاج فؤاد كان قاعد على كرسي جلد كبير، جسمه ضعيف من السن، لكن عينيه… عينيه كانت لسه حادة بشكل يخوف. شاورلي أقعد. “إنت شبه أبوك جدًا.” ما رديتش. فقال بابتسامة صغيرة: “وده مش دايمًا شيء كويس.” حط قدامي ملف قديم. أصفر من الزمن. وقال: “قبل ما أبوك يموت، ساب عندي أمانة.” فتحت الملف بحذر… وأول صورة شفتها خلت الدم ينسحب من وشي. كريم. بس صغير. عنده يمكن عشر سنين. واقف جنب راجل غريب. الراجل ده أنا شوفته قبل كده. بس فين؟ عقلي فضل يقلب لحد ما افتكرت… كان موجود في واحدة من القضايا اللي اكتشفتها بعد سرقة الشركة. واحد من رجال الأعمال اللي اتسجنوا في قضايا غسل أموال زمان. رفعت عيني للحاج فؤاد. “إيه ده؟” تنهد وقال: “أخوك ما كانش بيشتغل لوحده يا محمود.” حسيت جسمي برد. “قصدك إيه؟” “أقصد إن اللي حصل معاك… كان أكبر منك.” فتح الملف قدامي. مستندات. تحويلات. صور. أسماء. وكلهم بيربطوا كريم بشبكة ناس كانوا بيستغلوا الشركات الصغيرة علشان يغسلوا فلوسهم. وأنا… كنت الهدف المثالي. شركة محترمة. صاحبها طيب. وعنده أخ يقدر يدخل ويخرج من غير شك. حسيت الغضب بيرجعلي من جديد. بس المرة دي كان أهدى… وأعمق. قلت: “وأبويا كان يعرف؟” الحاج فؤاد بص بعيد شوية وقال: “أبوك اكتشف متأخر. حاول يخرج كريم من السكة دي… بس كان فات الأوان.” سكت شوية وبعدين كمل: “وقبل ما يموت… طلب مني لو حصلك أي أذى بسبب أخوك، أسلمك الملف.” ضحكت ضحكة قصيرة كلها مرارة. “جميل. حتى وهو ميت سايبلي مشاكل.” الحاج فؤاد بصلي بثبات: “لا يا محمود… هو حاول يحميك.” خدت الملف وقمت أمشي. لكنه قال قبل ما أخرج: “خلي بالك… الناس اللي ورا كريم مش هيسيبوا الورق ده يفضل معاك.” وقفت مكاني. “يعني إيه؟” “يعني من اللحظة اللي خرجت فيها من هنا… إنت دخلت لعبة أكبر بكتير من الخيانة.” وأنا نازل درجات الفيلا، حسيت نفس الإحساس اللي حسيت بيه يوم ما فتحت أوضة الضيوف وشفت نيرمين في حضن كريم. إحساس إن الأرض اللي واقف عليها طلعت مزيفة طول الوقت. ركبت عربيتي وفضلت الملف جنبي على الكرسي. كنت محتاج أروح البيت بسرعة. محتاج أقفل الباب على نفسي وأفهم أنا داخل على إيه. لكن قبل ما أوصل حتى، لاحظت عربية سودا ماشية ورايا من أول كوبري أكتوبر. في الأول قلت صدفة. لكن لما غيرت الطريق وغيرت الحارة وهي لسه ورايا… فهمت. الضغط بدأ يرجع لصدري. مسكت الموبايل وبعت لوكيشن لسلمى. كتبتلها: “لو ما رديتش خلال ساعة، كلمي الشرطة.” ردت فورًا: “في إيه؟” لكني ما جاوبتش. العربية فضلت ورايا لحد شارع هادي في مدينة نصر. وفجأة… سرعت. خبطت عربيتي من الجنب بعنف. الدركسيون فلت من إيدي. العربية لفت نص لفة وصوت الكاوتش صرخ في الشارع. حاولت أتحكم فيها بالعافية. العربية السودة وقفت قدامي فجأة. ونزل منها اتنين. أول واحد كان ضخم بشكل مرعب. والتاني لابس جاكيت جلد ووشه هادي بطريقة تخوف أكتر من العصبية. خبط على إزاز العربية بتاعي بإيده وقال: “افتح يا أستاذ محمود… نتكلم كلمتين.” قلبي كان بيدق بعنف… لكن وشي فضل ثابت. نزلت الإزاز سنة بسيطة. قلت: “عايزين إيه؟” الراجل ابتسم ابتسامة باردة. “الملف.” قلت: “معرفش بتتكلم عن إيه.” فجأة لكم العربية بقبضته بعنف خلا نيرانه الداخلية تبان. “ما تخليناش نزعل.” في اللحظة دي فهمت إن الحكاية دخلت حتة تانية خالص. دول مش ناس بتخاف من قانون ولا فضيحة. دول ناس متعودة تاخد اللي عايزاه بالقوة. بصيت حوالي بسرعة. الشارع شبه فاضي. والغلط الوحيد اللي ممكن أعمله دلوقتي… إني أخاف. حطيت العربية على D فجأة ودست بنزين بكل قوتي. العربية اندفعت لقدام وخبطت في باب عربيتهم، وسمعت صوت شتيمة وصريخ ورايا وأنا بطير في الشارع. موبايلي وقع على الأرضية، وصوت نفسي كان عالي جوا العربية بشكل مخيف. وصلت البيت وأنا حرفيًا إيدي بتترعش لأول مرة من سنين. قفلت الباب ورايا بالمفتاح مرتين. وبعدين فتحت الملف تاني فوق السفرة. ومع كل ورقة كنت بقراها… كنت بفهم إن كريم ما خاننيش علشان الفلوس بس. كريم كان غرقان لحد رقبته من زمان. وكل ما حاول يطلع… شدني معاه لتحت. وفجأة لقيت صورة في آخر الملف. صورة لنيرمين. اتجمدت. كانت قاعدة مع نفس الراجل اللي كان في الصور القديمة مع كريم. الصورة حديثة… من شهرين بس. حسيت بطعنة باردة في معدتي. يعني نيرمين كانت لسه متورطة؟ ولا كانت بتحاول تهرب؟ عقلي بدأ يلف. وفي اللحظة دي بالذات… جرس الباب رن. وقفت مكاني. الساعة كانت ٢ بعد منتصف الليل. محدش يعرف إني هنا غير سلمى. جرس الباب رن تاني. وبعدين صوت واطي من برا: “محمود… افتح. بالله عليك.” نيرمين. قربت من الباب بحذر. “إنتِ جاية تعملي إيه؟” صوتها كان مرعوب بجد. “هما عرفوا إن الملف عندك.” قلبي وقع. “مين؟” “الناس اللي كريم كان شغال معاهم.” سكتت ثانية وبعدين قالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي: “وكريم… هرب.”
تمت