حفلة تخرج حكايات اسما كامله

أهلي سابوني في المستشفى وأنا مريضة… وبعد سنين رجعوا يظهروا في حفل تخرجي علشان يحاولوا يستفيدوا من نجاحي.
أول مرة شفت فيها أهلي الحقيقيين بعد خمستاشر سنة، كانوا قاعدين في الصف التالت في قاعة الاحتفال، عاملين نفسهم من حقهم يكونوا هناك.
أمي “سهام” كانت ماسكة شنطتها بإيديها بقوة، وشفايفها مضمومة بنفس الطريقة اللي كنت بشوفها زمان لما حاجة ما تعجبهاش.
أما أبويا “كمال الشريف”، فكان ماسك برنامج الحفل وبيقلب فيه بعصبية وطمع، كأنه بيدور على استثمار قديم فجأة رجع يجيب فلوس..كانوا أكبر سنًا مما أتذكر.
وأصغر… كمان…وده صدمني.
لأنهم في ذكرياتي كانوا عمالقة.
باردين.بعيدين…مستحيل تهزهم.
هما الاتنين اللي سابوا بنتهم عند سرير مستشفى وهي عندها 13 سنة… وعلّموني إن في ناس ممكن يختاروا الفلوس على حياة بنتهم… ويناموا مرتاحين بعدها.
لكن الصبح ده، وسط قاعة كلية الطب بجامعة القاهرة، وسط الأهالي اللي بيعيطوا ويصوروا ويصفقوا لأولادهم…
كانوا باينين كناس هلكهم الزمن والاختيارات الغلط.
على بعد كرسيين منهم كانت قاعدة “دكتورة رانيا منصور”، حضنة بوكيه ورد أبيض لصدرها.
كانت بتعيط قبل حتى ما اسمي يتنادى.
لابسة فستان كحلي بسيط، وكانت طول الشهر اللي فات تقول إنه “أفخم من اللازم على ممرضة قديمة”، رغم إني قلتلها مية مرة إنها أجمل واحدة في المكان.
وكانت لابسة السلسلة الفضة اللي جبتها لها يوم ما خلصت كلية العلوم…أول ما عيني جات في عينها…
وشها كله نور بالفخر.فخر حقيقي.
من غير حسابات.
من غير شروط.
دي كانت أمي.
مش الست اللي خلفتني.
ولا الست اللي قاعدة تحاول تعرف إذا كان لسه ليها حق تطالب بجزء مني…
أمي كانت الست اللي كانت بتوديني جلسات الكيماوي وأنا صلعاء ومكسورة وخايفة.
الست اللي كانت تنام على الكرسي جنب سريري لأن الكوابيس ما بتستناش مواعيد الزيارة.
الست اللي مضت أوراق تبنيّي وهي بتعيط وتقول: “دلوقتي بقيتي بنتي رسمي.”
الست اللي اشتغلت شيفتات زيادة علشان تخليني أدرس طب… وعمرها ما حسستني إني عبء.
اسمي “سارة منصور”.
لكن زمان كنت “سارة الشريف”.
الاسم ده انتهى يوم ما أهلي سابوني في أوضة مستشفى وأنا عندي 13 سنة.
قبل ما أطلع على المسرح كأولى دفعتي…
وقبل ما العميد ينادي اسمي وسط تصفيق آلاف الناس…
وقبل ما أمي البيولوجية تحط إيدها على بقها بصدمة وهي تستوعب إن البنت اللي رمتها زمان بقت الدكتورة اللي الكل واقف يصفقلها…
كان في أوضة رقم 314 في مستشفى سرطان الأطفال.
كان في روب مستشفى مفتوح من الضهر.
ودكتور عينيه تعبانة بيشرح نسب النجاة.
وكان في أب أول سؤال سأله: ..
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
وكان في أب أول سؤال سأله:
“العلاج ده هيتكلف كام؟”
الطبيب بصله وقتها بنظرة طويلة، كأنه مستني يسمع السؤال الحقيقي بعده… “بنتي هتخف؟” “هتعيش؟” “هتتألم قد إيه؟”
لكن السؤال الحقيقي ماجاش.
أبويا كان قاعد على طرف الكرسي البلاستيك في أوضة 314، لابس قميص أبيض بريحة السجاير الرخيصة والعرق، وبيحسبها في دماغه. وأمي كانت واقفة عند الشباك، دراعاتها متكتفة، باصة بعيد عني كأنها مش قادرة تبص لطفلة شعرها بيقع كل يوم أكتر من اللي قبله.
الدكتور قال بهدوء: “اللوكيميا اللي عندها محتاجة علاج طويل… وفيه أمل كويس جدًا لأنها لسه صغيرة.”
أمي سألت أول سؤال ليها: “يعني هتقعد قد إيه في المستشفى؟”
كنت وقتها نايمة نص نايمة بسبب المسكنات، لكن سامعة كل كلمة.
الدكتور حاول يشرح البروتوكول… كيماوي. تحاليل. جلسات. احتمالات. تعب. مضاعفات.
وأنا كنت ببص على باب الأوضة بخوف، مستنية حد يقرب مني… يمسك إيدي… يقولّي إن كل حاجة هتبقى بخير.
لكن محدش قرب.
أبويا قال بضيق: “إحنا أصلًا علينا ديون… والمصنع واقف بقاله شهور.”
أمي ردت بسرعة وهي لسه مش باصة ناحيتي: “وأخوها في ثانوية عامة… مش ناقصة.”
ساعتها فهمت حاجة عمري ما نسيتها… أنا بقيت المشكلة.
مش البنت. ولا المريضة. ولا الطفلة اللي مرعوبة.
أنا بقيت عبء.
بعدها بكام يوم، بقوا ييجوا أقل. في الأول كانوا بييجوا كل يومين. بعدها مرة في الأسبوع. بعدها بقوا يسيبوا شنطة هدوم عند الممرضة ويبعتوا مع السواق.
لحد ما اختفوا تمامًا.
كنت كل يوم أبص ناحية الباب أول ما أي حد يخبط. كل مرة أقول لنفسي: أكيد النهارده هييجوا.
لكن اللي كان بيدخل دايمًا… كان دكتورة رانيا.
في البداية كانت مجرد ممرضة في القسم. ست في آخر الثلاثينات، شعرها الأسود مربوط دايمًا بطريقة سريعة، وعينيها فيهم حنان غريب يخليك تحس بالأمان حتى وإنت بتموت من الخوف.
كانت أول واحدة لاحظت إني بخبي الأكل تحت المخدة.
قعدت جنبي يومها وقالت بهدوء: “ليه مبتاكليش؟”
قلت وأنا باصة للسقف: “لو خفيت بسرعة… هعرف أروح البيت أسرع.”
وشها اتكسر وقتها بشكل عمري ما نسيته.
ومن بعدها… بقت تيجي حتى في غير شيفتها.
تجيبلي كتب تلوين. تسرحلي البواقي الصغيرة من شعري قبل ما يقع كله. وتضحكني بحكايات عن مرضى عملوا مشاكل للممرضات وهربوا من الحقن.
ولأول مرة من ساعة ما تعبت… بدأت أضحك.
لكن في ليلة معينة… كل حاجة اتغيرت.
كنت عندي حرارة عالية جدًا، وبترعش بشكل مرعب. صحيت من النوم أدوّر على أمي.
“ماما…”
صوتي كان ضعيف أوي.
لكن اللي دخل يجري كانت دكتورة رانيا.
حضنتني بسرعة وهي بتنادي الدكتور المناوب. فضلت ماسكة إيدي طول الليل. حتى لما رجعت أهدى شوية، لقيتها نايمة وهي قاعدة على الكرسي وجسمها مائل ناحية السرير علشان إيدي تفضل في إيدها.
سألتها بصوت مبحوح: “إنتِ ليه لسه هنا؟”
فتحت عينيها وبصتلي كأني سألت أغبى سؤال في الدنيا. وقالت: “علشان بنتي تعبانة.”
الكلمة خبطت في قلبي وقتها بشكل خلاني أعيط لأول مرة من شهور.
بعد أسبوعين… الإدارة طلبت حضور أهلي.
ماحدش جه.
اتصلوا. بعتوا خطابات. حتى الشرطة المجتمعية حاولت توصلهم.
وفي الآخر… أبويا رد على التليفون.
قال ببرود: “إحنا مش قادرين نكمل. المستشفى تعمل اللي تشوفه مناسب.”
الجملة دي أنهت كل حاجة.
فاكرة دكتورة رانيا يومها وهي خارجة من مكتب الإدارة وعينيها حمرا. دخلت أوضتي وقعدت جنبي وساكتة شوية.
بعدها سألتني: “تحبي تيجي تعيشي معايا؟”
افتكرتها بتهزر.
بصتلها بصدمة: “يعني… أروح فين؟”
ابتسمت وسط دموعها: “البيت. بيتنا.”
بعدها بشهور طويلة… العلاج بدأ يجيب نتيجة.
ورجعت أمشي. ورجعت أضحك. وشعري بدأ يطلع تاني خفيف وباهت زي شعر العيال الصغيرة.
وفي يوم ممطر… لبست فستان أزرق بسيط، ووقفت قدام موظف المحكمة.
ودكتورة رانيا كانت واقفة جنبي، بتترعش من التوتر أكتر مني.
القاضي سألها: “حضرتك متأكدة إنك عايزة تتحملي مسؤولية كاملة؟”
قالت من غير تردد: “دي بنتي.”
ومضت.
في اللحظة دي… سارة الشريف ماتت.
وبقيت سارة منصور.
كبرت بعدها في شقة صغيرة في شبرا. ماكانش عندنا رفاهية. ولا عربية. ولا مصيف.
لكن كان عندنا أمان.
أمي كانت ترجع من الشيفت تعبانة لدرجة إنها أوقات تنام وهي قاعدة بتذاكرلي الأحياء. لكن عمرها ما اشتكت.
ولما دخلت ثانوية عامة، كنت بصحى أحيانًا الفجر ألاقيها نايمة على السفرة والآلة الحاسبة في إيدها، بتحاول تفهم مسائل الكيمياء علشان تشرحها لي.
وفي يوم النتيجة… طلعت من الأوائل.
الحي كله كان بيزغرط.
وأمي فضلت تعيط وهي تقول لكل الناس: “بنتي هتبقى دكتورة.”
ماكنتش تعرف إني كنت بذاكر بالشكل المجنون ده لسبب واحد بس…
كنت عايزة أبقى الشخص اللي ينقذ طفل مرعوب في أوضة مستشفى… زي ما هي أنقذتني.
دخلت طب. وكان أصعب من أي حاجة تخيلتها.
شفت ناس بتموت. ناس بتتخلى عن أهلها. وأطفال بيستحملوا ألم أكبر من أعمارهم بكتير.
وفي كل مرة كنت بتعب… كنت أفتكر أوضة 314.
وأفتكر الست اللي اختارتني بإرادتها… بينما أهلي الحقيقيين رموني بإرادتهم.
في سنة الامتياز… حصلت حاجة ما توقعتهاش.
كنت في قسم الطوارئ، داخلة شيفت 24 ساعة، مرهقة ومش شايفة قدامي.
الممرضة قالتلي: “في حالة جاية من انهيار سكري.”
دخلت بسرعة وأنا بلبس الجوانتي… واتجمدت مكاني.
أمي البيولوجية.
سهام الشريف.
كانت نايمة على السرير، وشها أصفر ومتجعد بشكل صادم، وأنفاسها متقطعة.
ولأول مرة من 14 سنة… بصتلي.
في الأول ماعرفتنيش.
لكن لما قرأت الاسـم على البادج… وشها ابيضّ تمامًا.
“س… سارة؟”
كل الدكاترة بصوا بينا باستغراب.
وأنا؟ ولا رمشت حتى.
بدأت أكشف عليها بهدوء مهني بارد. سألتها عن الأدوية. التحاليل. الأعراض.
كانت بتبصلي كأنها شايفة شبح.
وبعدين… بدأت تعيط.
“أنا… أنا كنت صغيرة وخايفة…”
إيدي ماوقفتش عن الكتابة.
قالت برجفة: “أبوكي هو اللي قرر…”
رديت لأول مرة وأنا ببصلها مباشرة: “وأنتِ وافقتي.”
سكتت.
ولأول مرة في حياتها… ماكنش عندها رد.
دخل أبويا بعدها بدقايق.
كبر أوي. وشعره كله شاب.
لكن عينيه؟ لسه نفس البرود.
أول ما شافني عرفني فورًا.
فضل واقف جامد ثواني… ثم قال: “كبرتي.”
الجملة كانت مستفزة بشكل خلاني أضحك من الصدمة.
كبرت؟
كأننا افترقنا في سفرية ورجعت بعدها.
كأنهم ما سابوناش نموت لوحدنا.
قال بتردد: “إحنا… كنا فاكرين إنك…”
“هموت؟”
ماقدرش يكمل.
اللي وجعني مش إنهم سابوني. اللي وجعني إنهم كانوا مرتاحين بالفكرة.
أنهيت الكشف وخرجت.
وأمي رانيا كانت مستنياني برا المستشفى بعربية الأجرة القديمة.
أول ما ركبت… انهرت.
فضلت أعيط بشكل هستيري وأنا بقول: “هما بجد سابوني.”
حضنتني وقالت بهدوء: “عارفة يا حبيبتي.”
“ليه؟”
سكتت ثواني طويلة… ثم قالت: “علشان بعض الناس مايعرفوش يحبوا غير نفسهم.”
في الشهور اللي بعدها… بدأوا يحاولوا يتواصلوا.
مرة برسالة. مرة بمكالمة. مرة عن طريق قرايب.
عرفوا إني الأولى على دفعتي. وإني داخلة نيابة. وإن الجرائد كتبت عني.
فجأة افتكروا إن عندهم بنت.
أبويا بعتلي رسالة: “الدم عمره ما يبقى ميه.”
ضحكت وقتها.
الدم؟ الدم هو الحاجة اللي كانت بتتنقللي وأنا لوحدي في المستشفى ومحدش منهم موجود.
الدم عمره ما كان عيلة.
العيلة كانت ست غريبة قعدت تمسحلي الترجيع من على هدومي الساعة 3 الفجر من غير ما تتقرف. العيلة كانت حضن دافي بعد جلسة كيماوي. العيلة كانت واحدة باعت دهبها علشان تدفع مصاريف الكتب.
يوم التخرج… كنت عارفة إنهم هييجوا.
واحدة من قرايبنا القديمة بعتتلي إنهم بيسألوا عن المعاد والمكان.
وأنا؟ ما منعتهمش.
كنت محتاجة يشوفوا.
مش نجاحي… لا.
كنت محتاجة يشوفوا النتيجة الحقيقية لاختياراتهم.
لما العميد نادى: “الدكتورة سارة منصور… الأولى على دفعة طب قصر العيني.”
القاعة كلها قامت تصقف.
سمعت صوت أمي رانيا وهي بتعيط بصوت عالي من الفرح.
طلعت المسرح ورجلي بتترعش.
أخدت الشهادة… والميدالية… وبعدين العميد سلمني المايك علشان كلمة الأوائل.
بصيت وسط الناس.
على أمي الحقيقية.
وعلى الاتنين اللي خلفوني.
وقلت:
“من وأنا عندي 13 سنة، اتعلمت إن المرض مش أصعب حاجة ممكن تحصل للإنسان… أصعب حاجة هي الوحدة.”
القاعة سكتت تمامًا.
كملت وأنا ببص مباشرة ناحية الصف التالت: “في ناس بتفتكر إن الأبوة والأمومة بييجوا بالدم… لكن الحقيقة إن الحب هو اللي بيخلق العيلة.”
أمي البيولوجية حطت إيدها على بقها وبدأت تعيط.
أما أمي رانيا… فكانت بتبكي وهي مبتسمة.
قلت: “النهارده لو في أي نجاح في حياتي… فهو ملك لست واحدة اختارت طفلة مريضة ومرعوبة وقالتلها: إنتِ بقيتي بنتي.”
ونزلت من على المسرح وسط تصفيق رهيب.
أول حد جريت عليه… كان أمي.
حضنتها بكل قوتي.
كانت بتترعش وهي بتقول: “أنا فخورة بيكي يا دكتورة.”
وفي اللحظة دي… حسيت أخيرًا إن الطفلة اللي كانت نايمة لوحدها في أوضة 314… اتعالجت.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *