اعتقاد خاطيء حكـايـات أسمـا ×2
الفصل التالي:
تجمدت أنا والمرأة في مكاننا.
الظلام يملأ الممر، وصوت الخطوات يقترب درجة بعد درجة.
همست المرأة:
— أغلقي الباب بسرعة.
دفعت الباب وأدرنا المفتاح.
لكن الخطوات لم تتوقف.
وصلت إلى أمام شقتي تمامًا.
ثم…
ساد الصمت.
صمت ثقيل جعل دقات قلبي أعلى من أي صوت آخر.
بعد ثوانٍ سُمع طرق خفيف على الباب.
طرقة واحدة فقط.
ثم صوت رجل يقول:
— ليلى… افتحي الباب.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
كنت أعرف ذلك الصوت.
حتى بعد ثلاث سنوات.
حتى بعد الموت.
كان صوت كريم.
نظرت إلى المرأة.
كانت ترتجف هي الأخرى.
قالت بسرعة:
— لا تفتحي.
— لكنه كريم…
— لا، اسمعيني، لا تفتحي الباب مهما حدث.
عاد الصوت من الخارج:
— ليلى… أعرف أنكِ بالداخل.
ثم أضاف بصوت مكسور:
— أرجوكِ… دعيني أشرح كل شيء.
كانت دموعي قد بدأت تنزل دون أن أشعر.
ثلاث سنوات من الحزن.
ثلاث سنوات من الفقد.
وثلاث سنوات من الأسئلة.
وها هو الصوت الذي ظننته اختفى للأبد يقف خلف الباب.
اقتربت ببطء.
وضعت يدي على المقبض.
لكن المرأة أمسكت بذراعي.
— إذا فتحتي الآن فلن تعرفي الحقيقة كاملة.
— وما الحقيقة؟
تنهدت بعمق وقالت:
— الرجل الذي بالخارج هو كريم فعلًا…
لكن هناك أشخاص يبحثون عنه منذ سنوات.
وأنتِ أصبحتِ جزءًا من القصة الآن.
قبل أن أستوعب كلامها دوى صوت قوي في أسفل العمارة.
ثم سمعنا صراخًا.
تلاه صوت محركات سيارات توقفت أمام المبنى.
أسرعت نحو النافذة.
كانت هناك ثلاث سيارات سوداء.
نزل منها عدة رجال.
يتحركون بسرعة وكأنهم يعرفون المكان جيدًا.
وفي اللحظة نفسها جاء صوت كريم من خلف الباب:
— لقد وصلوا.
ثم أضاف بصوت عاجل:
— لم يعد لدينا وقت.
فتحت المرأة الظرف مرة أخرى وأخرجت ورقة مطوية كانت مخبأة في بطانته ولم أرها من قبل.
وضعتها في يدي وقالت:
— هذه هي الحقيقة التي أخفاها عنكِ.
فتحت الورقة بسرعة.
وفي أول سطر قرأت:
“إذا وصلت هذه الرسالة إلى ليلى، فهذا يعني أنني فشلت في العودة إليها…”
وكان التوقيع في الأسفل:
“كريم.”
لكن الشيء الذي جعلني أختنق من الصدمة لم يكن التوقيع.
بل التاريخ المكتوب أعلى الرسالة.
لأن كريم كتبها…
قبل أسبوع واحد فقط من الحادث الذي قيل إنه مات فيه.
يتبع.الفصل التالي:
تردد صوت الطلقة في أرجاء العمارة.
صرخت المرأة وسقطت على الأرض.
ظننت للحظة أنها أصيبت.
لكن الرصاصة كانت قد اخترقت الحائط خلفها مباشرة.
أمسكني كريم من يدي بقوة.
— تعالي!
بدأنا نجري نحو سلم الطوارئ في آخر الممر.
خلفنا كانت أصوات الرجال تقترب بسرعة.
وصلنا إلى السلم ونزلنا عدة درجات دفعة واحدة.
كنت ألهث من الخوف والتعب.
وفجأة توقف كريم.
أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا وقديمًا.
وضعه في يدي.
— احتفظي به.
— ما هذا؟
— مفتاح صندوق أمانات.
— أي صندوق؟
— كل الإجابات موجودة بداخله.
قبل أن يكمل سمعنا أصوات خطوات تقترب من أعلى السلم.
نظر كريم حوله بسرعة.
ثم دفع بابًا معدنيًا يقود إلى سطح جزء قديم من المبنى.
خرجنا إلى السطح.
كانت السماء مظلمة والهواء باردًا.
في الأسفل كانت السيارات السوداء لا تزال متوقفة.
قال كريم وهو يراقب المكان:
— لم أكن أريد أن يحدث هذا.
— إذًا لماذا حدث؟
التفت نحوي.
ولأول مرة بدا مستعدًا للكلام.
— لأن الرجل الذي دفن مكاني لم يكن غريبًا.
شعرت بانقباض في صدري.
— من كان؟
أغمض عينيه لثانية.
ثم قال:
— كان أخي.
تجمدت في مكاني.
— أخوك؟
— أخي غير الشقيق.
— لكنك لم تخبرني أن لديك أخًا.
— لأنني لم أكن أعرف بوجوده إلا قبل الحادث بأشهر قليلة.
بدأت الصورة تتضح ببطء.
الصورة القديمة.
الرجل الذي يشبهه.
التشابه المخيف.
كل شيء بدأ يجد مكانه.
قال كريم:
— اكتشفت أن والدي كانت له حياة أخرى قبل أن أولد. — وعندما بحثت أكثر وجدت أخًا يشبهني إلى حد يصعب تصديقه. — اسمه محمود.
تذكرت الاسم الموجود في التقرير.
محمود السيوفي.
تابع كريم:
— عندما وقع الحادث كان محمود هو من يقود السيارة.
— وهل كان الحادث مقصودًا؟
ساد الصمت.
ثم قال:
— لا أعرف.
لكن ملامحه أخبرتني أنه لا يقول الحقيقة كاملة.
وقبل أن أسأله أكثر سمعنا صوت باب السطح يُفتح بعنف.
وصل الرجال.
تراجع كريم خطوة.
ثم قال بسرعة:
— اسمعيني جيدًا. — إذا حدث لي شيء الليلة، اذهبي إلى البنك الموجود في القاهرة. — افتحي صندوق الأمانات. — ستجدين كل شيء هناك.
— وماذا عنك؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
— طوال ثلاث سنوات كنت أحاول العودة إليكِ. — لكن كل مرة كنت أقترب فيها كنت أعرّضك للخطر.
اقترب أحد الرجال وهم يصيحون:
— انتهى الأمر يا كريم!
وفي اللحظة نفسها رفع قائدهم مصباحًا قويًا نحو وجوهنا.
وعندما سقط الضوء على وجهه شهقتُ من الصدمة.
لأن الرجل الذي كان يطارد كريم…
لم يكن غريبًا.
ولم يكن مجرمًا مجهولًا.
بل كان شخصًا أعرفه جيدًا.
شخصًا حضر جنازة كريم بنفسه قبل ثلاث سنوات.
وشهد أمام الجميع أنه رأى تقرير الوفاة.
كان…
عم كريم.
يتبع…
الفصل التالي:
شعرت وكأن الأرض تميد بي.
حدقت في الرجل غير مصدقة.
— عادل؟!
كان هو فعلًا.
عم كريم.
الرجل الذي وقف بجواري في أصعب أيام حياتي.
الرجل الذي ساعد في إجراءات الدفن.
والذي كان يزورني بين الحين والآخر بعد الحادث ليطمئن عليّ.
كيف يمكن أن يكون هو نفسه من يطارد كريم؟
ابتسم عادل ابتسامة باردة لم أرها على وجهه من قبل.
وقال:
— مرت سنوات طويلة يا كريم.
وقف كريم أمامي مباشرة وكأنه يحاول حمايتي.
— لا تقترب منها.
ضحك عادل.
— ما زلت تحاول حماية الآخرين أكثر من نفسك.
ثم نظر إليّ.
— ليلى… لا تصدقي كل ما يقوله.
صرخت:
— إذًا قل أنت الحقيقة!
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال عادل:
— الحقيقة بدأت قبل أكثر من ثلاثين سنة.
اقترب خطوة.
— والد كريم لم يكن مجرد رجل أعمال كما كان الجميع يعتقد.
— ماذا تقصد؟
— كان شريكًا في مشروع ضخم جدًا… وأموال ضخمة جدًا.
أموال اختفت فجأة.
ومع اختفاء الأموال اختفى أشخاص.
ومات آخرون.
وأضاف:
— قبل موته ترك والد كريم دليلًا يقود إلى مكان تلك الأموال.
نظر إلى كريم.
— وكان الدليل الوحيد عند ابنه.
هز كريم رأسه بغضب.
— لم يكن الأمر يتعلق بالمال.
— بل كان يتعلق بالحقيقة.
قالها كريم بصوت حاد.
ثم التفت نحوي.
— والدي اكتشف ج*ريمة كبيرة قبل وفاته. — وعندما حاول كشفها قُ*تل.
شعرت بقشعريرة.
نظر عادل إليه بازدراء.
— ما زلت تردد هذه القصة؟
— لأنها الحقيقة.
— لا.
ابتسم عادل ابتسامة مخيفة.
— الحقيقة أن والدك أخذ شيئًا لم يكن يخصه.
ثم أضاف:
— وأنا أمضيت ثلاثين سنة أحاول استعادته.
تسارعت دقات قلبي.
فجأة فهمت شيئًا.
— صندوق الأمانات.
نظر الجميع إليّ.
وأدركت أنني قلتها بصوت مرتفع.
اتسعت عينا عادل.
— إذًا أعطاك المفتاح.
في تلك اللحظة عرف كريم أن الأمر انتهى.
عرف أن عادل لن يتوقف بعد الآن.
رفع يده ببطء.
وقال:
— نعم. — المفتاح معها.
تغيرت ملامح عادل فورًا.
واقترب رجاله أكثر.
لكن كريم فاجأ الجميع.
أخرج من جيبه هاتفًا صغيرًا وضغط زرًا واحدًا.
ثم قال:
— تأخرت يا عادل.
عبس الرجل.
— ماذا فعلت؟
ابتسم كريم لأول مرة منذ رأيته.
— قبل ساعة أرسلت نسخة من كل الملفات إلى عدة جهات.
اختفت الابتسامة من وجه عادل.
— تكذب.
— جرّب حظك.
وفجأة…
بدأت أصوات صفارات سيارات ترتفع من الشوارع المحيطة بالمبنى.
سيارات كثيرة.
وليس سيارة واحدة.
نظر الرجال حولهم بقلق.
أما عادل فبدا وكأنه فهم ما يحدث.
قال بصوت خافت:
— لا…
ثم سمعنا عبر مكبرات صوت من الأسفل:
— الجميع يبقى في مكانه!
— المبنى محاصر بالكامل!
تبادل الرجال النظرات المرتبكة.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن وصول الشرطة.
بل الشيء الذي رآه كريم بين السيارات في الأسفل.
شيء جعله يشحب فجأة.
نظرت في الاتجاه نفسه.
ورأيت امرأة مسنة تنزل من إحدى السيارات.
كانت تبكي.
وكان كريم ينظر إليها وكأنه رأى شبحًا.
ثم همس بكلمتين فقط:
— أمي… مستحيل.
لأن والدة كريم…
كانت قد أُعلنت وفاتها منذ عشر سنوات.
يتبع…
الفصل الأخير
وقف كريم كالمجمد في مكانه.
كانت المرأة المسنة تصعد نحو المبنى محاطة بعدة أشخاص.
دموعها تنهمر وهي تنظر إلى السطح.
همس مرة أخرى:
— أمي…
لم أكن أفهم شيئًا.
كلما اقتربنا من الحقيقة ظهرت حقيقة أخرى أكبر منها.
بعد دقائق وصل عدد من الضباط إلى السطح.
تم القبض على عادل ورجاله دون مقاومة تذكر.
كان يدرك أن اللعبة انتهت.
أما المرأة المسنة فاقتربت من كريم ببطء.
وللحظة بدا وكأنه عاد طفلًا صغيرًا.
احتضنته بقوة.
وبكى.
بكى لأول مرة منذ رأيته.
بعد أن هدأ الجميع بدأت القصة الحقيقية تظهر قطعة قطعة.
قبل سنوات طويلة اكتشف والد كريم شبكة فساد وغسيل أموال متورطًا فيها شركاء مقربون منه، كان من بينهم عادل.
جمع أدلة كثيرة ووضعها في صندوق أمانات بنكي.
وعندما شعر بالخطر أخفى مكان الصندوق وأخبر زوجته فقط.
لكن قبل أن يتمكن من كشف كل شيء قُ*تل في حادث دُبر ليبدو طبيعيًا.
خافت والدة كريم على ابنها.
فتم تهريبها سرًا خارج البلاد بعد أن انتشرت شائعات عن وفاتها.
وكان الهدف أن يظن الجميع أنها ماتت حتى لا يلاحقها أحد.
مرت السنوات.
وعندما كبر كريم عرف أجزاء من الحقيقة.
ثم اكتشف وجود أخيه غير الشقيق محمود.
وحاولا معًا الوصول إلى الأدلة.
لكن قبل أن ينجحا وقع حادث السيارة.
الحادث لم يكن مدبرًا كما ظن كريم دائمًا.
كان حادثًا حقيقيًا.
محمود كان يقود السيارة وحده في ذلك اليوم.
ومات فعلًا.
أما عادل فاستغل التشابه الكبير بين الأخوين.
وسرّع إجراءات الدفن.
وعندما انتشرت الأخبار اعتقد الجميع أن الميت هو كريم.
في البداية حاول كريم تصحيح الخطأ.
لكن عندما علم أن الأشخاص الذين ق*تلوا والده ما زالوا يراقبونه، خاف أن يؤدي ظهوره إلى تعريض ليلى وطفلته القادمة للخطر.
فاتخذ أسوأ قرار في حياته.
اختفى.
بعد أشهر طويلة انتهت التحقيقات.
كُشفت الشبكة بالكامل.
وصدر الحكم على عادل ومن شاركه.
أما صندوق الأمانات فاحتوى بالفعل على كل الأدلة التي كانت تنقص القض*ية.
وفي أحد الأيام جلست أنا وكريم على ضفة النيل في القاهرة.
كانت الشمس تغرب.
ولأول مرة منذ سنوات شعرت بالهدوء.
قلت له:
— هل تعلم ما أصعب شيء مررت به؟
نظر إليّ بصمت.
قلت:
— ليس فقدانك.
— بل أن أتعلم كيف أعيش بعد فقدانك.
أخفض رأسه.
— أعرف أن الاعتذار لا يكفي.
— لا يكفي فعلًا.
سكتنا قليلًا.
ثم قلت:
— لكن الكراهية أيضًا لن تعيد السنوات التي ضاعت.
رفع عينيه نحوي.
— هل يمكن أن تسامحيني يومًا؟
ابتسمت بحزن.
— لا أعرف.
— لكنني مستعدة أن أبدأ من جديد.
لم تكن تلك نهاية قصة حب عادت كما كانت.
فبعض الجروح لا تختفي تمامًا.
لكنها كانت بداية جديدة.
بداية مبنية على الحقيقة هذه المرة.
بعد عامين افتتحنا مؤسسة خيرية باسم محمود، الرجل الذي لم أعرفه أبدًا لكنه دفع حياته ثمنًا لقصة لم يخترها.
وفي يوم الافتتاح وقفت أتأمل لوحة الاسم.
ثم شعرت بيد صغيرة تمسك بيدي.
نظرت إلى الأسفل.
كانت طفلة صغيرة تبتسم لي.
ابنتي.
الطفلة التي رزقنا الله بها بعد سنوات من الألم.
ابتسم كريم وهو يحملها وقال:
— هل اتفقتما أخيرًا على الاسم؟
ضحكت.
ونظرت إلى صغيرتي.
ثم قلت:
— نعم.
اسمها سارة.
الاسم الذي حلمت به يومًا.
والاسم الذي عاد ليذكرني أن بعض الأحلام قد تتأخر…
لكنها لا تضيع دائمًا.
تمت النهاية. 🌷