طليقة زوجي حكايات اسما 2
الجزء الثالث
الإسعاف أخدت كريم تحت حراسة الشرطة.
والفيلا اتحولت في أقل من نص ساعة لفوضى كاملة.
ظباط داخلين خارجين. أسئلة. تصوير. أوراق بتتجمع من المكتب. ودينا قاعدة على الكنبة في الصالة ووشها شاحب كأنها رجعت تعيش أسوأ أيام عمرها.
أما أنا… فكنت حاسة إن عقلي انفصل عن جسمي.
كل حاجة حواليا كانت بتحصل ببطء غريب.
ضابط قرب مني وقال: “مدام ياسمين… محتاجين حضرتك تيجي معانا القسم تدينا أقوالك.”
بصيتله بدون استيعاب. وبعدين سألت السؤال الوحيد اللي كان بيلف في دماغي: “هو… كان بيسممنا فعلًا؟”
الضابط سكت لحظة. وبعدين قال بحذر: “لسه التحقيقات ماخلصتش.”
لكن نظرة عينيه قالت الحقيقة.
ركبت العربية مع دينا. والطريق كله ماحدش فينا اتكلم.
لحد ما هي همست فجأة: “أنا كنت عارفة إنه هيحاول يقتلك أسرع لما يعرف إني كلمتك.”
لفيت أبصلها بسرعة. “أسرع؟”
أومأت وهي بتبص من الشباك: “لأن ده اللي حصل معايا.”
بلعت ريقي بصعوبة.
قالت: “أول ما بدأ يشك إني عرفت… الأعراض زادت بشكل مخيف.”
صوتها بدأ يتهز.
“كنت بصحى أرجع دم… شعري وقع نصه… وكل يوم كان يقنعني إني مريضة نفسيًا.”
غمضت عينيها بقهر.
“كان يقولي: إنتِ متوهمة… إنتِ محتاجة علاج نفسي.”
الكلمات ضربتني في قلبي بعنف.
لأن كريم كان بيقولي نفس الجمل بالحرف.
كل مرة أشتكي من التعب… كان يضحك بحنان ويقول: “إنتِ بس مضغوطة من الشغل.”
كل مرة أقول عندي دوخة… كان يرد: “لازم تبطلي قهوة.”
كل مرة أقول حاسة إن في حاجة غلط… كان يبوس راسي ويقول: “إنتِ بتفكري كتير.”
وفجأة… افتكرت حاجة خلت الدم يبرد في عروقي.
قبل شهرين… كنت حامل.
حمل صغير جدًا. ووقع فجأة.
الدكتور قال: “بيحصل.”
لكن كريم يومها… ماكانش متفاجئ.
أبدًا.
إيدي بدأت ترتعش.
همست: “هو… ممكن يكون السبب؟”
دينا بصتلي بحزن. لكنها ماجاوبتش.
وده كان أسوأ من أي إجابة.
وصلنا القسم. وأخدوا أقوالنا لساعات.
عرفت منهم إن دينا بلغت عن كريم من سنة تقريبًا. لكن ماكانش عندها دليل كفاية.
التحاليل كانت بتطلع “احتمالات”. مفيش دليل مباشر.
لكن بعد مكالمتها ليا الليلة دي… ولما الشرطة فتشت البيت… لقوا مواد سامة فعلًا.
بكميات صغيرة.
مخبية وسط أدوية وفيتامينات.
وفي اللحظة دي… انهرت.
حرفيًا.
قعدت أعيط لأول مرة من بداية الكابوس.
مش بس خوف.
إحساس خيانة مرعب.
إزاي الشخص اللي كنت بنام جنبه كل ليلة… كان بيقتلني ببطء؟
إزاي حضنه اللي كنت بهربله وقت خوفي… كان أخطر مكان في حياتي؟
رجعت بيت أمي الفجر.
أمي فتحت الباب مفزوعة أول ما شافت الشرطة معايا.
حضنتني وأنا بنهار بين إيديها.
كانت بتسأل ألف سؤال… لكن ماقدرتش أشرح.
كنت حاسة إني لو نطقت الحقيقة بصوت عالي… هتتحول لحاجة حقيقية أكتر.
دخلت أوضتي القديمة. نفس الأوضة اللي سيبتها وأنا عروسة.
قعدت على السرير أبص للسقف.
وفجأة… افتكرت الفلاشة.
طلعتها بسرعة من جيبي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بشغل اللابتوب.
فتحت الفلاشة.
كان جواها فولدر واحد بس.
اسمه: “لو حصلّي حاجة.”
قلبي وقف.
فتحت الملف.
فيديو.
دوسـت تشغيل.
ظهرت ست… شاحبة جدًا.
ضعيفة.
لكن عرفتها فورًا من الصور.
نهى.
الزوجة الأولى.
الفيديو كان متصور بكاميرا موبايل قديم. وشها كان مرهق بطريقة تخوف.
وقالت بصوت متعب: “لو حد بيشوف الفيديو ده… يبقى أنا غالبًا مت.”
شهقت وغطيت بقي بإيدي.
نهى كملت: “أنا مش مجنونة… ومش بتوهم.”
بدأت تعيط بصمت.
“كريم بيحطلي حاجة في الأكل… أنا متأكدة.”
نفسي اتقطع.
قالت: “حاولت أقنع نفسي إني ظلمـاه… لكن كل مرة ببعد عنه شوية ببقى أحسن.”
كانت بتتكلم بصعوبة كأنها بتقاوم الألم.
“أنا عملت تحاليل سرية… والدكتور قالي في نسبة معدن غريبة في جسمي.”
بعدها سكتت لحظة… وبعدين قالت الجملة اللي كسرتني:
“بس أنا بحبه… ودي مشكلتي.”
دموعي نزلت غصب عني.
نهى قالت: “كل مرة أقرر أهرب… يرجع يعتذر ويبكي ويقولي إنه بيحبني وخايف عليا.”
ابتسمت ابتسامة مكسورة.
“وللأسف… كنت بصدقه.”
الفيديو خلص فجأة.
قعدت مصدومة.
وبعدين لقيت فيديو تاني.
دينا.
وشها كان أضعف بكتير من دلوقتي.
وقالت: “أنا اللي لقيت فيديو نهى بعد موتها.”
حكّت وشها بتوتر.
“كنت فاكرة إنه مش هيأذيني… لأنه كان بيقول إن نهى كانت بتخونه وبتكدب عليه.”
ضحكت ضحكة باكية.
“صدقته… زي الغبية.”
قالت إن بعد الجواز بفترة… بدأت تمرض بنفس الطريقة.
ولما واجهته… انهار بالبكاء.
وقالها إنه بيحاول “يعالجها”.
يعالجها من إيه؟
قالت إن كريم كان مقتنع إن كل الستات اللي بيحبهم عندهم “مرض وراثي” زي أمه.
مرض بيخلي الجسم “يفسد ببطء”.
وكان بيؤمن إن الجرعات الصغيرة من المعادن هتخلي الجسم “يبني مقاومة”.
اتسعت عيني بصدمة.
يعني…
هو كان فعلًا مقتنع إنه بيعالجهم.
دينا قالت: “المشكلة إنه ذكي جدًا… وبيصدق نفسه.”
بعدها همست: “وأخطر شخص… هو اللي بيأذيك وهو مقتنع إنه بيحبك.”
قفلت اللابتوب وأنا جسمي كله بيرتعش.
وفجأة… رن موبايلي.
رقم غريب.
ترددت. لكن رديت.
صوت راجل قال: “مدام ياسمين؟”
قلت بحذر: “أيوه.”
قال: “أنا دكتور هشام… الطبيب النفسي المعالج للأستاذ كريم.”
الهواء اختفى من حواليا.
قال: “أنا لازم أقابلك ضروري.”
بعد ساعة… كنت قاعدة قدامه في عيادته.
راجل عنده حوالي ستين سنة. وشه مرهق بشكل واضح.
قال بهدوء: “كريم كان مريض نفسي من سنين.”
حسيت بالغضب انفجر جوايا.
“ومحدش قالنا؟!”
نزل عينه بحرج.
“كان بيرفض العلاج.”
سكت شوية. وبعدين قال: “والدته ماتت قدامه وهو عنده 14 سنة.”
بلعت ريقي.
قال إن أمه كانت عندها فشل كلوي حاد. وإن كريم فضل يشوفها بتضعف يوم بعد يوم.
ولأن أبوه كان مهمل… فضل حاسس إنه “كان لازم يعمل حاجة”.
العقدة دي كبرت جواه بشكل مرعب.
وبعد موتها… بدأ يقرأ بشكل مهووس عن الطب والسموم والمناعة.
وقال الدكتور: “في دماغه… هو مش قاتل.”
غمض عينيه بتعب.
“هو شايف نفسه منقذ.”
همست: “بس ده قتل.”
رد فورًا: “أيوه… قتل.”
سكتنا شوية.
وبعدين قال: “في حاجة لازم تعرفيها.”
قلبي اتقبض.
قال: “كريم كان بيحبك أكتر من أي واحدة قبل كده.”
ضحكت بمرارة.
“دي أسوأ جملة سمعتها في حياتي.”
قال: “علشان كده حالتك كانت أبطأ.”
برد غريب جرى في جسمي.
يعني… لو ماعرفتش الحقيقة… كنت هموت أنا كمان.
رجعت بيت أمي وأنا حاسة إن العالم كله اتشوّه.
وفي الليل… جالي اتصال من رقم القسم.
الضابط قال: “الأستاذ كريم فاق… وطلب يشوف حضرتك.”
رفضت فورًا.
لكن الضابط قال جملة خلتني أسكت: “قال إنه لو ماشفكيش… في سر هيدفنه معاه.”
بعد ساعة… كنت داخلة مستشفى السجن.
قلبي كان بيدق بعنف.
أول ما شفته… اتصدمت.
كأنه كبر عشر سنين في يوم واحد.
وشه شاحب. وعينه غائرة.
لكن أول ما شافني… ابتسم.
نفس الابتسامة اللي كنت بحبها.
وده كان المرعب.
قعدت بعيد عنه.
قلت ببرود: “عايز إيه؟”
بصلي طويل. وبعدين قال: “إنتِ خايفة مني.”
صرخت: “المفروض أبقى إيه؟!”
نزل عينه.
وقال بهدوء: “أنا ماكنتش عايز أئذيكي.”
ضحكت بعصبية: “كنت بتموتني بالبطيء!”
رفع عينه بسرعة وقال: “كنت بعالجك!”
ضربت الترابيزة بإيدي.
“من إيه؟!”
سكت ثانية… وبعدين همس: “من اللي حصل لأمي.”
دموعي نزلت من القهر.
قلت: “إنت محتاج علاج.”
قال: “يمكن.”
وبعدين فجأة قال: “بس في حاجة إنتِ ماتعرفيهاش.”
قلبي اتقبض.
ميل ناحية الأمام وهمس: “نهى ما ماتتش لوحدها.”
حسيت الدنيا لفت.
قلت بصدمة: “إيه؟”
قال: “يوم ما ماتت… كان في حد معانا في البيت.”
الهواء تقل.
“مين؟”
بص في عيني مباشرة.
وقال: “أبويا.”
سكتت ثواني طويلة.
قال: “وهو السبب الحقيقي في كل حاجة.”
بدأ يحكي…
أبوه كان دكتور كيميائي. قاسي بشكل مرعب. وكان بيجرب خلطات وأدوية على أمه بحجة العلاج.
وكريم وهو طفل… كان بيشوف ده كله.
لحد ما أمه ماتت.
لكن أبوه أقنعه إنهم كانوا “قريبين من علاجها”.
ومن يومها… كريم اتكسر.
وبدأ يكرر نفس الج*ريمة… وهو فاكر إنه بيصلح الماضي.
كنت بسمعه وأنا حاسة إني قدام طفل ضايع… في جسم قاتل.
وفجأة قال: “أنا بحبك يا ياسمين.”
الكلمة كسرتني بطريقة غريبة.
لأن جزء صغير جوايا… لسه مصدق إنه كان بيحبني فعلًا.
وده كان أبشع شيء.
قال: “عمري ما كنت هسيبك تموتي.”
همست بدموع: “بس نهى ماتت.”
سكت.
ولأول مرة… شفت الرعب الحقيقي في عينيه.
كأنه أخيرًا استوعب الج*ريمة.
وقال بصوت مكسور: “أنا… ماكنتش أقصد.”
وقتها بس… فهمت الحقيقة المرعبة.
أوقات أخطر الوحوش… ما بتبقاش واعية إنها وحوش أصلًا.
يتبع