بعد وفاة زوجي اسما السيد 1

بعد وفاة جوزي لاحظت طفله صغيره تتردد على زيارة قبره كل اسبوع.. لحد ما سالتها في يوم حبيبتي انتي تعرفيه؟! بصيتلي وقالتلي….اللي عمري ما فكرت اني امر بيه…
بعد وفاة زوجي بقيت أزور قبره كل يوم جمعة تقريبًا.
في الشهور الأولى، كنت يدوب عارفه أعيش إزاي من غيره.
كنت أقعد جنب قبره في مقابر العائله، وأحاول أستوعب إن “خالد” فعلًا راح… وإن صوته اللي كان مالي البيت اختفى للأبد.لكن بعد فترة… بدأت ألاحظ طفلة صغيرة.
كان عندها حوالي تمن سنين، تيجي كل شهر ماسكة مصحف صغير وورده، وتحطها بهدوء جنب قبر جوزي وتمشي من غير ما تتكلم.ماكانتش بتعيط.ولا حتى بتقف وقت طويل.
مجرد طفلة تيجي… تقرا الفاتحه وتحط الورده… وتمشي.
في الأول افتكرتها لخبطت بين القبور…بس تكرر الموضوع كتير.وفي يوم، وصلت بدري عن المعتاد… ولقيتها هناك تاني.
قربت منها بهدوء وسألت: ـ حبيبتي… إنتِ كنتِ تعرفي خالد؟
الطفلة شدت علي المصحف في إيديها الصغيرة وهزت راسها بالإيجاب.
ـ أيوه…استغربت. ـ تعرفيه منين؟
بصت للأرض وقالت بصوت خافت: ـ هو أنقذني أنا وماما.
حسّيت ببرودة غريبة سرت في جسمي.
ـ أنقذكوا؟ إزاي يعني؟
الطفلة عضّت على شفايفها كأنها متوترة، وبعدها قالت اللي مكنتش هعرفه إبدا لو فضل عايش…
الطفلة عضّت على شفايفها الصغيرة كأنها خايفة تقول أكتر، وبعدها رفعت عينيها ليا وقالت بصوت واطي جدًا: ـ بابا كان هيق*تل ماما… وخالد أنقذنا.
حسّيت الدنيا لفت بيا للحظة.
إيديا بردت رغم شمس الضهر اللي كانت نازلة على المقابر، وبصيت للطفلة كأني مستنية تكمل وتقول إنها غلطانة… إنها خبطت بين شخصين… إن في خالد تاني غير جوزي.
لكنها كانت باصة للقبر مباشرة… لقبره هو.
قعدت جنبها ببطء وأنا قلبي بيدق بعنف. ـ إنتِ اسمك إيه يا حبيبتي؟
ـ سلمى.
ـ ومامتك اسمها إيه؟
ترددت شوية قبل ما تقول: ـ هناء.
الاسم ماعرفتوش.
ودي كانت أول حاجة ريحتني شوية… لأن لو كان اسم أعرفه يمكن كنت هموت مكاني.
قلت بهدوء وأنا بحاول أسيطر على صوتي: ـ خالد أنقذكم إزاي؟
سلمى ضمت المصحف لصدرها أكتر وقالت: ـ بابا كان بيضرب ماما كل يوم… وفي مرة حاول يولع في البيت وإحنا جواه.
الهواء اختفى من حواليا.
خالد؟
جوزي الهادي اللي كان صوته عمره ما عليا؟ الراجل اللي كان بيضحك بخجل حتى وسط الناس؟ اللي كان بيصلي الفجر كل يوم؟ اللي كنت فاكرة إني أعرف عنه كل حاجة؟
الطفلة كملت وهي باصة للأرض: ـ خالد كسر الباب وطلعنا قبل الحريقة.
فضلت ساكتة.
عقلي بيحاول يلحق الكلام.
قلت: ـ هو كان يعرفكم منين؟
هزت كتفها الصغير: ـ كان شغال مع ماما.
ساعتها بس بدأت أفهم.
هناء غالبًا كانت زميلته في الشركة.
بس ليه عمره ما قالي؟
وليه طفلة بتيجي تزوره كل شهر من غير ما أمها حتى تظهر؟
قبل ما أسأل أكتر، سمعت صوت ست بتنادي من بعيد: ـ سلمى!
لفيت وشوفت ست واقفة عند مدخل المقابر، شكلها في آخر التلاتينات، لابسة إسدال أسود ووشها مرهق بشكل موجع.
أول ما عينيها جت عليا… اتجمدت مكانها.
سلمى قامت بسرعة وقالت: ـ دي ماما.
الست قربت بخطوات مترددة، وكل ما تقرب كنت أحس إنها متوترة أكتر.
وقفت قدامي وقالت بصوت مرتبك: ـ أنا آسفة… ماكنتش أعرف إنها بتكلمك.
بصيتلها مباشرة: ـ حضرتك تعرفي جوزي؟
ملامحها اتهزت فورًا.
واضح إن السؤال كان تقيل عليها.
بعدين قالت بهدوء: ـ أيوه… الله يرحمه.
سكتت شوية وبعدين بصت للقبر وعينيها دمعت. ـ هو أنقذ حياتنا فعلًا.
الكلمة خرجت منها بصدق خلاني مش عارفة أرفضها أو أشك فيها.
قلت: ـ ممكن نفهم؟
هناء بلعت ريقها، وبصت حواليها كأنها خايفة حد يسمعنا، وبعدها قالت: ـ مش هنا.
بعد ساعة، كنت قاعدة في كافيه هادي قريب من المقابر، وسلمى جنب أمها بتشرب عصير، وأنا حاسة إن حياتي اللي عرفتها بتتفك قدامي حتة حتة.
هناء كانت ماسكة كوب القهوة بإيديها المرتعشتين.
قالت: ـ أنا كنت بشتغل مع خالد من أربع سنين.
هزيت راسي بهدوء علشان تكمل.
ـ جوزي كان مدمن… وفي الأول استحملت علشان بنتي. لكن بعد فترة بقى عنيف بشكل مخيف.
سلمى نزلت عينها في الكوباية، كأن الكلام ده متكرر قدامها كتير.
هناء كملت: ـ كنت بروح الشغل بعلامات ضرب، وأكدب وأقول وقعت أو خبطت نفسي… لحد ما خالد لاحظ.
ابتلعت ريقي.
أيوه… دي حاجة يعملها خالد.
كان قلبه طيب بشكل أوقات يضايقني.
يفضل يساعد أي حد حتى لو على حساب نفسه.
لكن برضه… ليه ماعرفتش؟
هناء قالت: ـ في يوم جوزي جه الشركة وعمل فضيحة. كان شارب، وزعقلي قدام الناس كلها، وحاول يضربني.
عينيها دمعت وهي بتفتكر. ـ كل الناس اتفرجت… إلا خالد.
قلبي شدّ.
كملت: ـ وقف قدامه ومنعه… وأخدني أنا وسلمى وخرجنا من المكان.
بصيت لسلمى الصغيرة لقيتها باصة قدامها بشرود، كأنها شايفة المشهد قدامها.
هناء قالت: ـ بعدها بكام يوم، جوزي عرف عنواننا… وقفل علينا الشقة وحاول يولع فيها.
إيديا مسكت الكوباية بقوة.
ـ وخالد؟
دموعها نزلت. ـ خالد كسر الباب بنفسه.
سكتت.
وأنا فجأة افتكرت.
في الليلة دي.
اللي رجع فيها البيت الساعة ٣ الفجر، هدومه كلها تراب، وإيده مجروحة.
سألته وقتها: ـ مالك؟
ابتسم وقال: ـ خناقة بسيطة في الشارع.
وصدّقته.
يا رب…
كنت نايمة جنبه كل ليلة، وفاكرة إني أعرفه.
هناء قالت: ـ بعد اللي حصل، خالد نقلنا لشقة تانية ودفع الإيجار بنفسه كام شهر.
اتصدمت: ـ دفعلكم؟
هزت راسها بسرعة: ـ والله حاولت أرفض… لكنه كان يقول إن سلمى لازم تعيش بأمان.
بصيت للبنت الصغيرة.
كانت بتمسح على المصحف الصغير بإيديها بحنان.
وساعتها حسيت بحاجة غريبة…
غيرة.
مش من هناء.
من الجزء اللي ماكنتش أعرفه عن جوزي.
جزء عاش عمره يساعد ناس من غير حتى ما يقول.
قلت بصوت مخنوق: ـ ليه عمره ما حكالي؟
هناء ابتسمت وسط دموعها: ـ لأنه كان بيقول إن المعروف لما يتحكي يفقد معناه.
الجملة ضربتني بقوة.
لأنها فعلًا شبه خالد.
شبه طريقته في التفكير.
شبه الراجل اللي كان يسيب فلوس في جيب أخوه الصغير من غير ما يقوله. اللي كان يبعت علاج لخالته كل شهر سرًا. اللي كان كل شوية ألاقيه ناقص فلوس ولما أسأله يقول “مصروفات”.
يمكن كنت أعرفه فعلًا… بس ماكنتش أعرف قد إيه قلبه كبير.
هناء سكتت شوية، وبعدين قالت: ـ في حاجة لازم تعرفيها.
قلبي اتقبض تاني.
ـ إيه؟
بصتلي مباشرة: ـ خالد مات بسببي.
الدنيا سكتت.
حرفيًا سكتت.
الصوت اختفى من الكافيه، والناس بقت بعيدة، وأنا مش سامعة غير الجملة دي بتلف في دماغي.
ـ إيه؟
هناء دموعها نزلت بسرعة. ـ جوزي كان خرج من السجن قبل وفاة خالد بأسبوع.
حسيت ببرودة تسري في ضهري.
ـ سجن؟
ـ خالد بلغ عنه بعد محاولة الحريق… واتحبس سنة ونص.
سلمى قربت من أمها بخوف.
هناء حضنتها وكملت: ـ ولما خرج… فضل يهددنا.
بدأت أفتكر.
المكالمات اللي كانت تجيلخالد بالليل ويخرج يرد برا البلكونة. التوتر اللي بقى عليه آخر شهر. مرة صحيته من النوم لقيته قاعد على السرير ووشه شاحب.
قال وقتها إنه ضغط شغل.
بس يمكن ماكانش الشغل.
يمكن كان خايف.
هناء قالت: ـ قبل موته بيوم، خالد كلمني وقال إن جوزي السابق لف حوالين الشركة وسأل عنه.
قلبي بقى بيدق بعنف.
ـ إنتِ بتقولي إيه؟
بصتلي بعينين مليانين ذنب: ـ موت خالد… ماكانش حادث عادي.
جسمي كله اتجمد.
خالد مات في حادث عربية على الطريق الدائري.
الشرطة قالت وقتها إن عربية نقل خبطته وهربت.
الملف اتقفل بسرعة.
وكلنا سلّمنا بقضاء ربنا.
لكن دلوقتي…
كل حاجة بقت مختلفة.
قلت بصوت مرتعش: ـ إنتِ عندك دليل؟
هناء سكتت ثواني، وبعدها طلعت موبايل قديم من شنطتها.
حطته قدامي.
ـ خالد بعتلي تسجيل قبل ما يموت بساعات.
بصيتلها بصدمة.
ـ تسجيل؟
فتحت الموبايل، ودورت شوية، وبعدها شغلت مقطع صوت.
وفي اللحظة اللي سمعت فيها صوت خالد… قلبي اتكسر.
“هناء… لو سمعتي التسجيل ده، يبقى غالبًا حصل حاجة.”
دموعي نزلت فورًا.
حتى النفس اللي خدّه كان مألوف.
كملت أسمع وأنا حرفيًا برتعش.
“جوزك خرج ومش طبيعي… لو حصلي حاجة، خدي بالك من سلمى… وابعدوا.”
الصوت وقف ثواني، وبعدها خالد قال جملة خلت نفسي يتقطع:
“ولو مراتي عرفت يوم… قوليلها إني آسف إني خوفتها معايا.”
انفجرت في العياط.
مش قادرة أتنفس.
خالد كان عارف.
كان عارف إنه في خطر… وسكت علشان ما يخوفنيش.
هناء كانت بتعيط هي كمان. ـ والله حاولت أبعده عن الموضوع… لكنه رفض يسيبنا لوحدنا.
سندت وشي بإيديا وأنا بانتحب.
أول مرة من وفاته أحس إني غضبانة منه.
ليه عمل كده لوحده؟ ليه ماقاليش؟ ليه اختار يتحمل كل ده من غيري؟
لكن وسط وجعي… كنت فخورة بيه بشكل موجع.
جوزي مات وهو بينقذ ناس.
مش وهو بيهرب منهم.
بعدها بأيام، بدأت أدوّر.
رجعت ملف الحادث. كلمت معارف خالد. حتى رحت الشركة اللي كان شغال فيها.
وكل ما أسأل… أكتشف إن فيه خالد تاني ماعرفتوش.
سكرتيرة الشركة قالتلي: ـ أستاذ خالد كان بيساعد نص الموظفين هنا.
رجل الأمن قال: ـ عمره ما دخل حد زعلان إلا وطلعه مبتسم.
حتى عامل البوفيه عيط وهو بيقولي: ـ كان بيجيبلي علاج أمي كل شهر.
رجعت البيت في الليلة دي وأنا حاسة إن قلبي مليان وجع وفخر في نفس الوقت.
دخلت أوضته.
أوضته اللي فضلت مقفولة من يوم موته.
ريحة برفانه كانت لسه موجودة بشكل خفيف.
قعدت على سريره وفضلت أبص لقمصانه المعلقة.
وفجأة… لاحظت صندوق صغير تحت المكتب.
ماكنتش شوفته قبل كده.
طلعته ببطء وفتحته.
كان فيه أوراق… وإيصالات… وصور.
وصورة صغيرة لسلمى.
اتجمدت.
الصورة كانت متصورة في حديقة، وسلمى بتضحك وخالد قاعد بعيد بيبصلها بابتسامته الهادية.
وتحت الصورة بخطه: “البنت دي تستحق تعيش من غير خوف.”
انهرت.
حضنت الصورة وبكيت كأني بفقده من جديد.
لكن المرادي… كنت بفقد نسخة أعظم منه.
بعد أسبوع، رحت المقابر تاني.
قعدت جنب قبره، وحطيت وردة بيضا.
وقلت وأنا ببص لاسمه: ـ أنا كنت فاكرة إني زعلانة منك علشان سبتني…
دموعي نزلت. ـ بس دلوقتي عرفت إنك ما سبتنيش… إنت كنت بتحاول تنقذ ناس لآخر نفس.
سمعت صوت خطوات صغيرة.
لفيت لقيت سلمى واقفة جنبي بالمصحف.
بصتلي وقالت: ـ ماما قالت إنك زعلانة.
ابتسمت وسط دموعي: ـ شوية.
قعدت جنبي وقالت بحنان طفولي: ـ خالد كان بيقول إنك طيبة.
قلبي وجعني.
حتى وهو بيحمي ناس تانية… كان بيتكلم عني.
سألتها: ـ كان بيقول إيه كمان؟
ابتسمت: ـ كان بيقول إنه نفسه يخلف بنت شبهك.
غطيّت وشي وأنا بعيط.
لأن دي كانت الحقيقة الوحيدة اللي عمرنا ما لحقنا نحققها.
خالد كان نفسه في بنت… لكن القدر ماادّاناش وقت.
سلمى قربت مني فجأة وحضنتني.
حضن طفلة صغيرة… بس حسّيته طبطبة من السما.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة مهمة.
خالد ماكانش كامل. وكان عنده أسرار. وخوف. وحروب خاضها لوحده.
بس في النهاية… كان راجل عاش شريف.
ومات وهو بينقذ غيره.
ودي الحقيقة الوحيدة اللي احتاج أعرفها علشان أسامحه على كل السكوت اللي وجعني.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *