جدو حكايات اسما السيد الجزء الثاني

مرت الشهور ببطء، لكن ريم لم تعد كما كانت أبدًا.
الطفلة التي كانت تملأ الشارع ضحكًا أصبحت تتحرك بحذر، كأنها تخاف من أي صوت مرتفع أو حركة مفاجئة.
حتى وهي تلعب كانت تنظر خلفها كل دقيقة، وكأن العم سلطان سيخرج من الظل فجأة ويشدها من ذراعها من جديد.
الحاجه حفظه كانت تراقبها بقلب موجوع.
كل ليلة تقريبًا كانت ريم تصرخ من النوم.
“لا… حاضر… والله مش هاعمل كده تاني.”
ثم تبكي بعنف وهي ترتجف.
كانت حفظه تضمها لصدرها وتقرأ عليها القرآن حتى تهدأ.
وفي كل مرة كانت تشعر بغصة أكبر.
كيف لطفلة صغيرة تحمل هذا الكم من الرعب؟
لكن رغم ذلك… بدأت الحياة ترجع بالتدريج.
رجعت ريم المدرسة.
واشترت لها حفظه شنطة جديدة لونها وردي لأن القديمة كانت ما تزال في بيت العم سلطان.
يومها ظلت ريم تنظر للشنطة طويلًا ثم قالت: “دي بتاعتي؟”
ضحكت حفظه: “أيوه يا حبيبتي.”
لكن ريم سألت بحذر غريب: “يعني مش لازم أرجعها؟”
شعرت حفظه وقتها أن قلبها انكسر من جديد.
الطفلة تعودت أن كل شيء جميل مؤقت.
في المدرسة أيضًا كانت الأمور صعبة.
الأطفال سمعوا كلام الكبار.
بعضهم كان يهمس: “دي البنت اللي جدها اتحبس.”
وفي أحد الأيام عادت ريم للبيت صامتة بشكل غريب.
وضعت شنطتها وجلست في الركن دون كلام.
اقتربت منها حفظه: “مالك يا ضنايا؟”
هزت رأسها: “مفيش.”
لكن بعد إلحاح طويل انفجرت بالبكاء.
قالت بصوت متقطع: “البنات بيقولوا إني أكيد كنت وحشة علشان جدو كان بيضربني.”
أغلقت حفظه عينيها للحظة.
الناس دائمًا يجدون طريقة لمعاقبة الضحية بدل الجاني.
جلست أمامها ومسحت دموعها: “اسمعيني كويس يا ريم… اللي اتأذى عمره ما يبقى هو الغلطان.”
لكن الطفلة سألت السؤال الذي أخافها: “طب ليه بابا سابني؟”
صمتت حفظه.
ماذا تقول لطفلة تخلى عنها الجميع؟
أن أباها اختار زوجته الجديدة؟
أن الراحة كانت أهم من ابنته؟
أن بعض الآباء لا يستحقون الكلمة أصلًا؟
في النهاية قالت بهدوء: “أبوكي ضعيف يا ريم… والضعيف أوقات بيعمل حاجات مؤذية.”
لكن ريم همست: “أنا كنت بمو*ت هناك.”
ثم ضمت نفسها بخوف.
في تلك الليلة لم تنم حفظه.
ظلت جالسة قرب الشباك تتأمل الشارع القديم.
نفس الشارع الذي شهد بكاء ريم وصراخها… ونفس الشارع الذي أغلق نوافذه عندما كانت الطفلة تحتاج النجدة.
وفجأة شعرت بغضب كبير.
غضب من الناس.
من الصمت.
من فكرة أن الجميع رأى ولم يتحرك إلا متأخرًا.
في اليوم التالي قررت فعل شيء لم تتخيل يومًا أنها ستفعله.
ذهبت إلى المدرسة بنفسها.
طلبت مقابلة المديرة، ثم حكت كل شيء.
لم تبكِ.
لم تصرخ.
لكن كلماتها كانت قاسية.
قالت: “لو الأطفال بيكرروا كلام أهاليهم… يبقى لازم حد يعلم الأهالي الرحمة الأول.”
بعدها بأيام بدأت المدرسة جلسات توعية للأطفال عن العنف والخوف وطلب المساعدة.
ولأول مرة شعرت ريم أن هناك من يحميها فعلًا.
لكن الحياة لم تكن تنوي أن تهدأ بسهولة.
بعد حوالي شهرين، عاد والد ريم فجأة.
وقف أمام باب الشقة ببدلته الرخيصة وعينيه المرهقتين.
فتحت له حفظه بحذر: “خير؟”
قال وهو يتجنب النظر لعينيها: “عايز أشوف بنتي.”
كانت ريم تسمع صوته من الداخل.
تجمدت فورًا.
ثم بدأت ترتعش.
لاحظ الأب ذلك وشحب وجهه.
قال: “أنا أبوها.”
ردت حفظه ببرود: “الأب بيحمي.”
خفض رأسه للحظة ثم قال: “أنا غلطت.”
لكن حفظه لم تتحرك.
من الداخل خرج صوت ريم المرتجف: “خليه يمشي.”
تجمد الرجل مكانه.
ولأول مرة بدا مكسورًا فعلًا.
قال بصوت خافت: “ريم…”
لكن الطفلة اختبأت خلف باب الغرفة.
اقتربت حفظه منه وقالت بهدوء: “لو بتحبها بجد… سيبها ترتاح.”
غادر الرجل ببطء.
لكن قبل أن ينزل السلم قال: “أنا كل يوم بندم.”
لم ترد.
بعض الندم يأتي متأخرًا جدًا.
مرت الأيام، وبدأت ريم تتعلق بحفظه أكثر فأكثر.
كانت تنام بجوارها أحيانًا.
وتساعدها في إعداد الطعام.
وتجلس معها عصرًا فوق السطح يسقون الزرع الصغير.
وفي إحدى الليالي سألتها فجأة: “تيتا حفظه… هو أنا ممكن أبقى دكتورة؟”
ابتسمت حفظه: “طبعًا.”
لكن ريم قالت بتردد: “حتى لو كنت خايفة طول الوقت؟”
أخذت حفظه وجهها بين يديها: “الشجاعة مش إنك متخافيش… الشجاعة إنك تعيشي رغم الخوف.”
الكلمات ظلت في قلب ريم طويلًا.
ومع الوقت بدأت الطفلة تتغير فعلًا.
ضحكتها رجعت قليلًا.
صارت تنزل تلعب أمام البيت.
وصوت عجلة الدراجة عاد يرن في الحارة من جديد.
حتى أهل المنطقة بدأوا ينظرون لها بطريقة مختلفة.
خصوصًا بعد يوم الحريق.
كان ذلك مساء شتويًا باردًا.
فجأة اشتعلت النار في شقة بالطابق الأرضي بسبب أنبوبة غاز.
الناس تجمعت وهي تصرخ.
لكن الجميع تجمد عندما سمعوا صوت طفل صغير يبكي من الداخل.
الأم كانت في الشارع منهارة: “ابني! ابني جوه!”
النار كانت قوية.
ولا أحد تحرك.
إلا ريم.
قبل أن تستوعب حفظه، كانت الطفلة قد ركضت نحو الباب.
صرخت حفظه: “رييييم!”
لكن ريم دخلت بالفعل وسط الدخان.
الناس بدأت تصرخ.
ثوانٍ مرت كأنها دهر.
ثم خرجت ريم وهي تسعل بقوة وتحمل الطفل الصغير.
الشارع كله انفجر بالتصفيق والصراخ.
الأم احتضنت ابنها وهي تبكي.
أما ريم…
فوقفت ترتجف.
وحين ركضت حفظه نحوها، همست الطفلة: “أنا كنت خايفة جدًا.”
ضمتها حفظه بقوة وقالت وهي تبكي: “بس أنتي بطلة.”
في تلك الليلة، ولأول مرة منذ سنوات، شعرت حفظه بالفخر الحقيقي.
الطفلة التي كانت ترتجف من ظل رجل عجوز… دخلت النار لتنقذ غيرها.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت بعد أيام.
وصل خطاب رسمي لحفظه.
وعندما فتحته، اتسعت عيناها بصدمة.
كان من وزارة التضامن.
إحدى الجمعيات الخيرية الكبيرة سمعت قصة ريم، وقررت التكفل بمصاريف تعليمها بالكامل حتى الجامعة.
بكت حفظه وقتها بحرقة.
لم تبكِ من الفرح فقط…
بل لأنها شعرت أن الدنيا أخيرًا تعتذر قليلًا لتلك الطفلة.
أما ريم، فلم تفهم الأمر في البداية.
سألت ببراءة: “يعني هعرف أكمل مدرسة؟”
ضحكت حفظه وسط دموعها: “هتكملي وتبقي اللي نفسك فيه.”
مرت السنوات بعدها سريعًا.
كبرت ريم.
اختفى الخوف من عينيها بالتدريج، وحل مكانه هدوء غريب.
وفي الثانوية أصبحت من الأوائل.
كل أهل شبرا صاروا يعرفونها.
ليس كضحية.
بل كبنت قوية نجت.
حتى والدها عاد يحاول الاقتراب منها أحيانًا.
كان يأتي في المناسبات ويسأل عنها بخجل.
وريم كانت تعاملُه باحترام بارد.
لا كراهية.
ولا حب.
مجرد مسافة كبيرة صنعها الغياب.
أما حفظه، فكان عمرها يكبر بسرعة.
تعبت ركبتاها أكثر.
وصار صعود السلم مرهقًا.
وفي ليلة هادئة، كانت جالسة تشرب الشاي بينما ريم تذاكر بجوارها.
فقالت فجأة: “خايفة أسيبك لوحدك.”
تركت ريم الكتاب فورًا وأمسكت يدها: “متقوليش كده.”
ابتسمت حفظه بحنان: “كبرتي يا ريم.”
هزت رأسها بسرعة والدموع بعينيها: “أنا لسه بنتك الصغيرة.”
ضحكت حفظه: “أيوه… وهتفضلي.”
ثم سكتت قليلًا قبل أن تضيف: “بس أوعديني بحاجة.”
“إيه؟”
“لما تشوفي حد بيتأذى… متسكتِيش.”
دموع ريم نزلت فورًا.
وقالت: “أوعدك.”
بعد عام واحد فقط…
رحلت الحاجه حفظه أثناء نومها.
هادئة.
دون ألم.
ريم وجدتها صباحًا وكأنها نائمة فقط.
انهارت تمامًا.
شعرت أن العالم عاد يسحب الأمان منها مرة أخرى.
لكن هذه المرة… لم تكن الطفلة القديمة.
في الجنازة، وقف أهل الحي كلهم.
نساء كثيرات يبكين.
ورجال يرددون: “ست أصيلة.”
أما ريم فكانت واقفة صامتة تمسك صورة صغيرة لحفظه.
وفي نهاية العزاء، اقتربت منها سيدة عجوز وسألتها: “إنتي بنتها؟”
نظرت ريم للسماء للحظة…
ثم ابتسمت وسط دموعها وقالت: “أيوه.”
بعد سنوات طويلة…
أصبحت ريم طبيبة أطفال فعلًا.
وكانت كلما رأت طفلًا خائفًا… تتذكر نفسها.
وفي مكتبها علقت صورة صغيرة قديمة.
صورة للحاجه حفظه وهي تضحك فوق سطح البيت وبين يديها صينية كيك.
وكان تحت الصورة جملة واحدة فقط:
“شخص واحد صدقني… فنجوت.”
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *