ازمه صحيه اسما السيد-2

سارة فضلت ماسكة بطنها بإيديها الاتنين كأنها بتحاول تحمي الطفل من الدنيا كلها. دموعها كانت بتنزل بصمت، وأنفاسها متقطعة، بينما الدكتور ياسين واقف جنب السرير بيتابع الأجهزة بعين قلقة.
قال بهدوء: “لازم ترتاحي تمامًا… أي ضغط أو توتر دلوقتي خطر.”
ضحكت سارة ضحكة ضعيفة موجوعة: “هو أنا عرفت يوم من غير ضغط أصلًا؟”
الكلمة طلعت منها تلقائية، لكنها خلت الصمت يملأ الأوضة للحظات.
الدكتور بص لها طويل، وبعدين قال: “إنتِ فاكرة إن اللي عشتيه طبيعي لأنك اتعودتي عليه.”
سارة غمضت عينيها.
يمكن فعلًا اتعودت.
اتعودت على الإهانة لدرجة إنها بقت تشكر أحمد لما ما يضربهاش.
اتعودت على صوت حماتها وهي بتزعق من أول الفجر.
اتعودت على إنها تاكل آخر واحدة، وتنام آخر واحدة، وتصحى أول واحدة.
اتعودت على الخوف لدرجة إنه بقى جزء من جسمها.
وفجأة… افتكرت أول يوم دخلت فيه البيت ده.
كان عندها 19 سنة بس.
لابسة فستان بسيط أبيض، وخايفة وفرحانة في نفس الوقت.
أحمد وقتها كان مختلف.
أو يمكن هي اللي كانت شايفة اللي عايزة تشوفه.
كان بيضحك أكتر. بيقولها “حبيبتي”. يمسك إيدها قدام الناس.
لكن أول ما قفل باب الشقة بعد الجواز بأسبوع… كل حاجة بدأت تتغير.
أمه كانت موجودة في كل تفصيلة.
الأكل لازم بطريقتها.
البيت لازم بطريقتها.
حتى لبس سارة كان لازم يعجبها هي.
ولما سارة كانت تشتكي لأحمد، كان يقول نفس الجملة كل مرة: “استحمليها عشان خاطري.”
ومرة ورا مرة… الاستحمال بقى حياة كاملة.
صحّت من شرودها على صوت الممرضة وهي بتدخل: “فيه واحدة عايزة تشوفك.”
سارة توترت فورًا.
لكن لما الباب اتفتح… اتصدمت.
أمها.
فاطمة.
الست اللي ما شافتهاش بقالها شهور.
كانت واقفة بعبايتها القديمة ونظرتها المكسورة، وعينيها مليانين خوف.
أول ما شافت بنتها بالشكل ده، حطت إيدها على بوقها: “يا نهار أبيض…”
سارة عيطت فورًا: “ماما…”
جريت أمها عليها وحضنتها بحذر بسبب الأجهزة.
كانت أول حضن أمان تحسه من سنين.
فاطمة بدأت تبوس وشها وشعرها وهي بتعيط: “مين عمل فيكي كده يا بنتي؟”
سارة بصت بعيد.
لكن السكوت كان إجابة كفاية.
أمها رفعت عينيها للدكتور: “هي كانوا بيضربوها؟”
الدكتور ما ردش مباشرة، لكنه قال: “بنتك محتاجة حماية.”
فاطمة وشها اتغير.
بقت مرعوبة.
لأنها عارفة كويس عيلة أحمد.
عارفة نفوذهم، وصوتهم العالي، وقدرتهم على قلب الحق باطل.
قالت بصوت مهزوز: “أنا بنتي ترجع معايا.”
سارة قلبها دق بعنف.
ترجع؟
بعد كل السنين دي؟
لكن قبل ما حد يتكلم، الباب اتفتح بعنف.
أحمد دخل.
أول ما شاف أم سارة، ملامحه شدت: “مين جابها؟”
فاطمة قامت وقفت قدامه فورًا: “إنتَ اللي عملت في بنتي كده؟!”
قال بعصبية: “لو سمحتي ماتكبريش الموضوع.”
ضحكت ضحكة مصدومة: “مكبرش إيه؟! دي كانت هتموت!”
أحمد بص لسارة بسرعة: “إنتِ قولتي إيه؟”
الخوف رجع لعينيها فورًا.
وده كان كفاية يخلي أمها تفهم كل حاجة.
صرخت فيه: “إنت مريض!”
لكن أحمد فقد أعصابه: “خدي بالك وإنتِ بتتكلمي!”
وفي اللحظة دي… مالك وليان دخلوا ورا جدتهم أم أحمد بدون ما حد ياخد باله.
الأطفال وقفوا متجمدين.
شافوا أبوهم بيزعق، وأمهم بتعيط، والناس كلها متوترة.
ليان الصغيرة بدأت ترتعش.
أما مالك… فبص لأبوه فجأة وقال بصوت عالي: “إنت ضربت ماما؟”
الصمت وقع كالقنبلة.
أحمد اتجمد.
حتى أم أحمد اتوترت.
مالك كمل بعياط: “أنا شوفت تيتا وهي زقت ماما!”
سارة قلبها وقف.
الطفل كان شايل كل ده جواه.
وأخيرًا طلع.
أم أحمد جريت بسرعة: “الواد بيخرف!”
لكن مالك صرخ وهو بيعيط: “إنتِ وحشة! إنتِ دايمًا بتخلي ماما تعيط!”
ليان بدأت تعيط هي كمان.
والدنيا كلها قلبت فوضى.
الدكتور طلب الأمن فورًا.
وأحمد واقف مشلول مكانه.
لأن ابنه… ابنه اللي كان دايمًا بيستخبى وقت الخناقات… أخيرًا اتكلم.
وفجأة، مالك جري على سرير أمه وحضنها بعنف: “ماتسيبينيش يا ماما.”
سارة انهارت.
حضنته وهي بتبكي بشكل هستيري.
في اللحظة دي، فهمت الحقيقة اللي كانت بتحاول تهرب منها.
الأطفال مش محميين بسكوتها.
الأطفال بيتكسروا معاها.
بعد نص ساعة، الأمن خرج أحمد وأمه بره مؤقتًا عشان الحالة تهدى.
وسارة كانت قاعدة على السرير، ماسكة أطفالها، وأمها جنبها.
فاطمة قالت بحزم لأول مرة: “إنتِ هتيجي معايا.”
سارة بصتلها بخوف: “هيعرفوا مكاننا.”
قالت أمها: “والله لو الدنيا كلها وقفت قصادي… ما هرجعك هناك.”
الكلمة دخلت قلب سارة.
لأن أمها طول عمرها كانت ضعيفة.
طول عمرها بتقول: “استحملي جوزك.”
لكن أول ما شافت بنتها قربت تموت… اتغيرت.
وفي الليل، الدكتور ياسين دخل الأوضة بهدوء.
الأطفال كانوا نايمين جنب أمهم.
مالك ماسك طرف هدومها حتى وهو نايم، كأنه خايف تختفي.
الدكتور بص للمشهد بحزن.
وقال: “قدمت طلب رسمي لحمايتك.”
سارة اتوترت: “يعني إيه؟”
“يعني لو حاولوا ياخدوكي بالقوة، الشرطة هتتدخل.”
اتصدمت.
كل حاجة كانت بتحصل بسرعة أكبر من قدرتها على الاستيعاب.
قالت بخوف: “أحمد ممكن ياخد العيال مني.”
الدكتور هز راسه: “مش بعد تقرير الإصابات.”
سكت شوية وبعدين قال: “بس لازم تبقي قوية.”
الكلمة دي خوفتها أكتر.
لأنها عمرها ما كانت قوية.
هي بس كانت بتنجو يوم بيوم.
بعد يومين، خرجت سارة من المستشفى.
لكنها ما رجعتش بيت أحمد.
راحت بيت أمها.
شقة صغيرة قديمة في الدور الرابع، مافيهاش تكييف، والحي كله زحمة وصوت البياعين داخل من الشباك طول الوقت.
لكن لأول مرة من سنين…
نامت والباب مقفول من غير خوف.
أول ليلة، صحيت مفزوعة الساعة 3 الفجر.
قلبها بيدق بعنف.
افتكرت إنها لسه في بيت حماتها.
افتكرت إن أم أحمد هتفتح الباب وتشدها من شعرها عشان العشا اتأخر.
لكن لما بصت حوالين نفسها… لقيت أمها نايمة جنب الأطفال على الأرض.
والشقة هادية.
قعدت تبكي بصمت.
الحرية ساعات بتخوف أكتر من السجن.
بعد أسبوع، أحمد ظهر.
وقف تحت العمارة ينادي.
الجيران كلهم طلعوا البلكونات.
سارة جسمها كله ارتعش.
قالت أمها: “ما تنزليش.”
لكن أحمد فضل يصرخ: “يا سارة! انزلي نتكلم!”
كان صوته مليان غضب أكتر من الندم.
الدكتور ياسين كان متوقع ده.
عشان كده كان مبلغ قسم الشرطة مسبقًا.
بعد دقائق، عربية الشرطة وصلت.
أحمد اتصدم.
الضابط سأله: “فيه مشكلة؟”
أحمد حاول يضحك: “دي مراتي بس زعلانة.”
لكن قبل ما يكمل، مالك طلع البلكونة فجأة وصرخ: “إوعى تاخد ماما!”
الشارع كله سكت.
الضابط رفع عينه للطفل.
وشاف الرعب الحقيقي في صوته.
ومن اللحظة دي، ملامح الموضوع كله اتغيرت.
بعدها بأيام، سارة بدأت إجراءات قضية الحضانة والعنف.
كانت بترتعش كل مرة تدخل المحكمة.
أم أحمد كانت تبصلها بنظرات مليانة كره.
وأحمد لسه بينكر.
لكن تقرير المستشفى… وكلام الأطفال… وصور الإصابات… كلهم كانوا أقوى من الكدب.
وفي جلسة من الجلسات، القاضي سأل مالك بهدوء: “إنت بتحب بابا؟”
الولد هز راسه: “آه.”
“طيب ليه مش عايز تروحله؟”
مالك سكت شوية.
وبعدين قال جملة خلت القاعة كلها تسكت: “عشان لما تيتا تزعل… بابا بيبقى أطرش.”
حتى أحمد نزل عينه.
لأن ابنه الصغير وصفه بأدق طريقة ممكنة.
أطرش.
شايف وساكت.
بعد شهور طويلة، سارة بدأت تتغير.
ببطء.
لكن بوضوح.
بقت تضحك أحيانًا.
تعرف تنام ساعات متواصلة.
ترجع تاكل من غير خوف حد يعيب فيها.
وفي يوم، كانت قاعدة في المطبخ مع أمها، بتحضر شاي، لما أمها سألتها: “لو رجع الزمن… كنتِ هتسيبيه من أول قلم؟”
سارة فضلت ساكتة.
وبعدين قالت: “لا.”
أمها اتصدمت: “ليه؟”
سارة بصتلها بعينين مليانين وجع: “لأني وقتها كنت فاكرة إن ده حب.”
الصمت ملي المكان.
ثم كملت: “الناس بتخوف البنات من الطلاق أكتر ما بتخوفهم من العنف.”
الكلمة دي فضلت معلقة في الجو.
وفي مساء هادي، بعد سنة تقريبًا، كانت سارة ماشية على كورنيش إسكندرية مع أطفالها.
الهواء كان بارد خفيف، والبحر قدامهم واسع وهادي.
ليان كانت بتضحك وهي تجري ورا الحمام.
ومالك ماسك إيد أمه بفخر.
وقف فجأة وقال: “ماما؟”
ابتسمت: “نعم؟”
قال: “إنتِ بقيتي تضحكي كتير دلوقتي.”
الكلمة خلتها تقف مكانها.
لأنها ما كانتش واخدة بالها أصلًا.
بقت تضحك فعلًا.
بصت للبحر، وحست الدموع بتلمع في عينيها.
مش دموع خوف.
ولا وجع.
دي كانت دموع ست نجت أخيرًا.
ولأول مرة من سنين طويلة…
حست إنها مش عايشة بالدين والخوف.
حست إنها عايشة فعلًا.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *