شيكولاته داكنه اسما السيد
تو..في زوجي، في حا..دث سيارة… لكن بعد شهر من جنازته، اتصل بي مديره وقال: “سامح ترك ملفًا لكِ… ولازم تشوفيه قبل ما تشوفه الشرطة.”
توفي سامح في ليلة خميس ممطرة.
قالت الشرطة إنه فقد السـ,ـيطرة على سيارته عند منعطف خطر على الطريق الصحراوي خارج الإسماعيلية. الطريق كان زلقًا، وإطارات سيارته مهترئة، ولم يكن هناك أي شهود.
أطلقوا عليها مجرد حادث.
وصدّقتهم… لأنه لم يكن لدي أي سبب لأفعل غير ذلك.
كان سامح حذرًا بشكل مبالغ فيه. من النوع الذي يتأكد من غلق الأبواب مرتين، ويملأ خزان البنزين قبل أن ينخفض للنصف. لم يكن متهورًا أبدًا.
في الجنازة، أخبرني الجميع كم كنت محظوظة لأنني تزوجته.
زملاؤه في العمل بكوا. مديره احتضنني طويلًا. وأختي “ندى” بقيت بجانبي طوال الوقت، تحمل علبة المناديل بينما كنت عاجزة حتى عن البكاء.
ابنتنا مريم، ذات السبع سنوات، وابننا يوسف، صاحب الخمسة أعوام، كانا محطمين تمامًا. تشبثا بي طوال الوقت وكأنهما يخشيان أن أختفي أنا أيضًا.
لأسابيع، عشت كأنني شبح.
نمت في مكانه على السرير. ارتديت قمصانه القديمة. واستمعت إلى رسائله الصوتية مرارًا فقط لأسمعه يقول: “حبيبتي… هرجع بدري.”
ثم، ذات صباح، اتصل مديره.
كان صوته منخفضًا ومتوترًا.
قال: “يا إيمان… ماكانش المفروض أقولك ده في التليفون. سامح سايب حاجة في خزنة مكتبه… ملف عليه اسمك.”
جلست على حافة السرير وشعرت بقلبي يهبط فجأة.
سألته: “أي نوع من الملفات؟”
ساد الصمت للحظات.
ثم قال: “لازم تشوفيه بنفسك.”
قدت إلى مقر الشركة ويداي تقبضان على عجلة القيادة بقوة حتى شعرت بأصابعي تؤلمني.
استقبلني مديره عند المدخل، ثم اصطحبني إلى الطابق العلوي دون أن ينطق بكلمة واحدة.
داخل خزنة مكتب سامح كان هناك ظرف سميك.
وعلى مقدمته، بخط يده، ثلاث كلمات فقط:
“يُسلَّم لإيمان.”
فتحت الظرف بيدين مرتجفتين.
كان بداخله صور… كشوفات حسابات بنكية… وملاحظة قصيرة كتبها سامح بنفسه.
بدأت الرسالة بـ:
“إيمان… إذا كنتِ تقرئين هذا الآن، فمعنى ذلك أنهم وصلوا إليّ أخيرًا. أرجوكِ… لا تثقي بأختكِ ندى.”
تجمد الدم في عروقي.
لكن السطر التالي هو ما جعل معدتي تنقبض رعبًا…
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
خرج أحمد من الحمام مترنحًا وكأنه فقد القدرة على الوقوف، وانهار على الأرض بجوار السفرة بينما كان يتنفس بصعوبة شديدة، ركضت ريم نحوه وهي تصرخ باسمه لكن عينيه كانتا زائغتين بطريقة أرعبتها، حاولت ترفعه لكنه دفعها بعيدًا وهو يضغط على صدره وكأنه يحاول منع قلبه من التوقف، وفي نفس اللحظة عاد هاتفه للرنين، “ماما”.
هذه المرة ردت ريم.
جاءها صوت نادية سريعًا ومضطربًا: — أحمد عامل إيه؟ قوليلي بسرعة!
صرخت ريم: — إنتِ حطيتِ إيه في الشوكولاتة؟!
ساد الصمت لثوانٍ، ثم قالت نادية بصوت منخفض: — لازم تودوه المستشفى حالًا… ومتخلوش حد يعرف إنه أكل منها.
شعرت ريم ببرودة حادة تسري في ظهرها. قالت وهي ترتجف: — يعني إيه؟! إنتِ مجنونة؟!
لكن الخط انقطع فجأة.
بعد عشر دقائق كانت سيارة الإسعاف تشق شوارع القاهرة بينما أحمد ممدد داخلها فاقدًا الوعي تقريبًا، والممرض يحاول تثبيت جهاز الأكسجين فوق وجهه.
سأل الطبيب المرافق بسرعة: — أكل إيه قبل ما يتعب؟
ترددت ريم للحظة. ثم قالت: — شوكولاتة.
رفع الطبيب نظره فورًا: — عنده حساسية من حاجة؟
هزت رأسها بالنفي، لكنها تذكرت فجأة شيئًا غريبًا… أحمد كان دائمًا يتجنب الحلويات التي تحتوي على كحول أو أنواع معينة من الحشوات، وكانت نادية تعرف ذلك جيدًا.
وصلوا إلى المستشفى وتم إدخاله للطوارئ فورًا، جلست ريم بالخارج وهي ترتجف، تشعر أن عقلها يغرق وسط ألف احتمال مخيف.
بعد حوالي نصف ساعة خرج الطبيب بوجه متجهم.
قال: — حالته مستقرة مؤقتًا… لكن واضح إنه تعرض لتسمم حاد.
شعرت ريم أن الأرض اهتزت تحتها. همست: — تسمم؟!
أكمل الطبيب: — المادة لسه مش واضحة… لكن اللي أنقذه إن جسمه تخلص من جزء كبير منها عن طريق القيء بسرعة.
في تلك اللحظة، رأت نادية تدخل المستشفى بسرعة ومعها سارة.
كانت ملامح نادية شاحبة بشكل مرعب، بينما سارة بدت وكأنها تبكي بالفعل.
اقتربت نادية فورًا وسألت: — أحمد فين؟!
وقفت ريم أمامها مباشرة وقالت: — إنتِ لازم تفهميني إيه اللي كان في الشوكولاتة.
اتسعت عينا نادية وقالت بعصبية: — وطي صوتك.
صرخت ريم: — ابنك كان هيموت!
تدخلت سارة بسرعة: — إنتِ أكيد بتبالغي كالعادة.
لكن ريم لمحت شيئًا غريبًا. الخوف في عيني سارة لم يكن خوفًا على أخيها… كان خوفًا من شيء آخر.
اقتربت نادية أكثر وهمست: — مش هنا… مش قدام الناس.
ثم أمسكت ذراع ريم بقوة وأخذتها إلى آخر الممر.
قالت بصوت مرتجف: — الشوكولاتة مكانتش لأحمد.
شعرت ريم بدوار مفاجئ. — نعم؟!
أغمضت نادية عينيها للحظة وكأنها تحاول جمع شجاعتها: — كانت ليكي إنتِ.
ارتجفت شفتا ريم: — إنتِ بتحاولي تقتليني؟!
صرخت نادية فجأة: — اسمعيني الأول!
لكن ريم دفعتها بعنف. — أسمع إيه؟! إنتِ مريضة!
وفجأة قالت نادية جملة جعلت الدم يتجمد في عروقها: — لو كنتِ أكلتيها… مكنتيش هتموتي.
توقفت ريم عن الحركة تمامًا.
أكملت نادية بصوت مكسور: — كنتِ بس هتتعبي شوية… زي كل مرة.
حدقت ريم فيها بصدمة. — كل مرة؟!
في تلك اللحظة اقتربت سارة بسرعة وهي تصرخ: — ماما اسكتي!
لكن الأوان كان قد فات.
التفتت ريم نحوها ببطء. — يعني إيه كل مرة؟
بدأت نادية تبكي لأول مرة منذ عرفتها. بكاء حقيقي مرعب.
ثم قالت: — أحمد كان لازم يطلقك.
شعرت ريم وكأن أحدهم لكمها بقوة. قالت بصوت مخنوق: — إنتِ مجنونة.
هزت نادية رأسها بعنف: — إنتِ مش فاهمة… أحمد كان متعلق بيكي بطريقة مرضية… ومن يوم ما دخلتي حياتنا وهو بعد عننا كلنا… ساب شغله مع خاله… مبقاش يسمع كلامي… حتى فلوسه بقى يصرفها عليكي.
صرخت ريم: — ده طبيعي! أنا مراته!
لكن نادية اقتربت أكثر وهمست: — كنت محتاجة أخليه يشوفك عبء… واحدة دايمًا مريضة… ضعيفة… متعبة… عشان يزهق منك بنفسه.
تجمدت ريم بالكامل.
كل نوبات المرض. كل التسممات الغريبة. كل المرات التي شعرت فيها بدوار أو قيء بعد زياراتهم.
لم تكن صدفة.
قالت ريم بصوت مرتعش: — إنتِ كنتِ بتحطيلي حاجة في الأكل؟!
انهارت نادية على الكرسي وهي تبكي: — جرعات صغيرة بس… مش مؤذية… الدكتور كان بيقول إنها بس هتسبب إرهاق واضطرابات بسيطة.
قالت ريم بذهول: — دكتور؟!
في تلك اللحظة تغير وجه سارة فجأة. ثم قالت بعصبية: — خلاص بقى! ما تحمليش كل حاجة لماما لوحدها!
التفتت ريم نحوها ببطء.
ابتسمت سارة ابتسامة باردة وقالت: — إنتِ فاكرة إن ماما كانت الوحيدة اللي مش عايزاكي؟
شعرت ريم بأنفاسها تختنق.
أخرجت سارة هاتفها وفتحت صورة. ثم قربتها من وجه ريم.
كانت صورة لتحليل طبي باسم ريم.
لكنها لم ترَ هذا التحليل من قبل.
قالت سارة: — تعرفي ده إيه؟ ده تقرير الخصوبة بتاعك.
اتسعت عينا ريم بصدمة. — إنتوا جبتوه منين؟!
قالت سارة: — من عيادة الدكتور اللي كنتي بتتابعي عنده… الدكتور يبقى جوز صاحبتي.
ثم انحنت نحوها وهمست: — وإحنا عرفنا إنك غالبًا مستحيل تخلفي.
شعرت ريم بأن قلبها توقف.
كانت هذه أعمق نقطة ضعف لديها. الأمر الذي لم تخبر به أحدًا سوى أحمد.
همست: — أحمد ميعرفش…
ابتسمت سارة بسخرية: — لأ يعرف… وعشان كده كان لازم نبعدك عنه قبل ما تضيعي عمره.
في تلك اللحظة سمعت ريم صوتًا خلفها يقول: — كدابة.
التفت الجميع.
كان أحمد واقفًا عند باب الممر، شاحبًا ومتعبًا لكنه يسمع كل شيء.
نظر إلى أمه بصدمة حقيقية. ثم إلى أخته.
قال بصوت مكسور: — إنتوا عملتوا إيه؟
حاولت نادية الاقتراب منه: — حبيبي اسمعني…
لكنه تراجع للخلف. — كنتوا بتحطوا سم لمراتي؟!
صرخت سارة: — مكنش سم!
رد أحمد بغضب مرعب: — وأنا اللي كان ممكن أموت دلوقتي؟!
ساد الصمت.
ثم قال فجأة: — هو أنا… أنا أصلًا كنت الهدف؟
تبادلت نادية وسارة نظرة سريعة.
وهنا فهم أحمد الحقيقة وحده.
الشوكولاتة لم تكن له. كانت لريم.
لكن لأن الجرعة هذه المرة كانت أكبر… كادت تقتله.
اقترب من أمه ببطء وعيناه ممتلئتان بالدموع: — طول عمري فاكر إنك بتحبيني.
بكت نادية: — أنا عملت كده عشانك!
صرخ فيها لأول مرة في حياته: — إنتِ حاولتي تقتلي مراتي!
جاء أفراد الأمن بعد أن ارتفعت الأصوات، لكن الكارثة الحقيقية لم تبدأ بعد.
لأن الطبيب خرج في تلك اللحظة حاملًا نتائج التحاليل.
وقال جملة قلبت كل شيء: — لازم نبلغ الشرطة… المادة اللي في جسمه مادة محظورة ومش بتتباع قانوني.
تراجعت نادية للخلف فجأة وكأنها فقدت القدرة على التنفس.
أما سارة… فوجهها تحول إلى اللون الأبيض بالكامل.
لاحظت ريم ذلك فورًا.
ثم سمعت سارة تهمس: — ماما… إنتِ قلتي إن الجرعة آمنة.
التفتت نادية إليها بصدمة. — إنتِ اللي جبتي الدوا!
ساد الصمت ثانية.
ريم شعرت أن العالم يدور حولها. — سارة هي اللي حطت السم؟!
بدأت سارة تبكي بعنف: — أنا مكنتش عايزة أموته! والله ما كنت عايزة!
اقترب الأمن منهم بينما كانت نادية تصرخ: — اخرسي!
لكن سارة انهارت بالكامل. وقالت وهي تبكي: — هي اللي طلبت مني… قالتلي أحط الجرعة كلها في الشوكولاتة عشان ريم تتعب جامد وأحمد يزهق منها للأبد.
شعرت ريم بالغثيان.
كل شيء كان حقيقيًا.
كل ابتسامة. كل هدية. كل عزومة.
كانت محاولة جديدة لتحطيمها.
اقترب أحمد من زوجته ببطء ثم أمسك يدها. كانت يده ترتجف بشدة.
قال بصوت منخفض: — سامحيني.
نظرت إليه والدموع تملأ عينيها. — كنت بثق فيك.
أغمض عينيه بألم. — وأنا كنت أعمى.
بعد ساعة حضرت الشرطة وبدأ التحقيق الرسمي.
تم التحفظ على بقايا الشوكولاتة وإرسالها للمعمل الجنائي، بينما جلست نادية في غرفة منفصلة منهارة تمامًا.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت بعد منتصف الليل.
عندما اكتشفوا أن المادة المستخدمة ليست مجرد دواء مهدئ أو مادة تسبب الإرهاق…
بل مادة تؤثر على الأعصاب وتستخدم بجرعات محددة لعلاج حالات نفسية نادرة.
والجرعة الموجودة داخل الشوكولاتة كانت تكفي لإدخال شخص في غيبوبة.
سأل الضابط نادية مباشرة: — مين جاب المادة دي؟
نظرت نحو سارة.
لكن سارة صرخت فجأة: — الدكتور فؤاد!
تبادل الجميع النظرات.
قال الضابط: — مين الدكتور فؤاد؟
همست سارة: — الطبيب النفسي اللي ماما بتتعالج عنده من سنين.
شعرت ريم بقشعريرة عنيفة.
ثم أخرجت سارة هاتفها المرتجف وفتحت رسائل طويلة بينها وبين الطبيب.
رسائل تتحدث عن “التخلص من تأثير ريم على أحمد”. وعن “العلاقات المرضية بين الأمهات والأبناء”. وعن “ضرورة استعادة السيطرة على الأسرة”.
لكن أخطر رسالة كانت الأخيرة.
“الجرعة دي هتخليها تمرض يومين بس… المهم متزدش عنها.”
رفع الضابط نظره ببطء نحو نادية.
قال: — يعني كنتوا بتسمموها بقالكم سنين؟
انهارت نادية تمامًا. وضعت وجهها بين يديها وبدأت تصرخ بشكل هستيري: — أنا كنت بخاف ياخدوه مني! كلكم مش فاهمين! أحمد كان كل حياتي!
في تلك اللحظة أدركت ريم شيئًا مرعبًا.
هذه المرأة لم تكن تكرهها فقط.
كانت ترى فيها سارقة. شخصًا خطف ابنها منها.
وبالنسبة لها… أي شيء كان مبررًا لاستعادته.
عند الفجر، خرجت الشرطة بنادية وسارة من المستشفى وسط ذهول الجميع.
أما أحمد فجلس في غرفته صامتًا لساعات طويلة.
وعندما دخلت عليه ريم، وجدته يبكي لأول مرة منذ زواجهما.
قال بصوت مكسور: — أنا السبب… كنت دايمًا بخليكي تشكي في نفسك.
جلست بجواره بصمت.
ثم أخرج من درج الطاولة شيئًا صغيرًا.
علبة دواء قديمة.
قال: — لقيتها من شهور في بيت أمي… وكان عندي شك… بس خوفت أصدق.
نظرت إليه بذهول. — وإنت سكت؟!
أطرق رأسه بخجل: — كنت بخاف أخسرهم.
ساد الصمت طويلًا.
ثم قال: — بس النهارده فهمت إني كنت بخسرك إنتِ كل يوم.
بعد أسابيع بدأت القضية تتحول لفضيحة كبيرة، خاصة بعد اكتشاف وجود بلاغات قديمة غير مباشرة ضد الطبيب فؤاد بسبب وصف أدوية بطرق مشبوهة.
أما ريم… فكانت تحاول فقط أن تتعلم كيف تعيش من جديد دون خوف من كل لقمة تأكلها.
وفي إحدى الليالي، بينما كانت ترتب خزانة أحمد، وجدت ظرفًا صغيرًا سقط خلف الملابس.
فتحته بفضول.
فتجمدت مكانها.
كان تقرير تحليل DNA.
وبداخله نتيجة صادمة:
“أحمد نادية السيوفي… لا توجد صلة بيولوجية مثبتة بينه وبين نادية السيوفي.”
شعرت ريم بأن قلبها توقف مرة أخرى.
وفي تلك اللحظة تحديدًا… رن هاتف أحمد.
نظر إلى الشاشة ثم شحب وجهه فورًا.
سألته ريم: — مين؟
ابتلع ريقه بصعوبة وقال: — أبويا… اللي مات من عشر سنين.
تجمدت ريم وهي تنظر إلى الهاتف في يد أحمد، الاسم ما زال ظاهرًا على الشاشة بوضوح: “الحاج محمود”.
الرجل الذي دفنوه قبل عشر سنوات كاملة.
شعرت بقشعريرة تزحف في ذراعيها بينما أحمد يحدق في الشاشة وكأن عقله توقف عن العمل.
رن الهاتف مرة ثانية.
ثم ثالثة.
وأخيرًا ضغط أحمد على زر الرد بيد مرتجفة ووضع الهاتف على أذنه دون أن ينطق.
جاءه صوت رجل عجوز خافت: — أحمد؟
اتسعت عينا أحمد فورًا.
كان الصوت حقيقيًا.
صوت أبيه فعلًا.
همس بصعوبة: — مين… مين معايا؟
رد الرجل بعد صمت قصير: — أنا آسف يا ابني… بس مفيش وقت.
شعرت ريم بأن أنفاسها اختفت.
قال أحمد بصوت مرتعش: — إنت… إنت ميت.
جاءه الرد: — لا… أمك قالتلك كده.
جلس أحمد ببطء فوق السرير وكأنه فقد الإحساس بساقيه.
أما ريم فشعرت أن عقلها ينهار قطعة قطعة.
قال الرجل بسرعة: — لازم أشوفك قبل ما أمك تعرف إني كلمتك.
ثم أعطاه عنوانًا في منطقة قديمة على أطراف الجيزة وأغلق الخط فورًا.
ساد الصمت داخل الغرفة.
كان أحمد شاحبًا بشكل مخيف.
أما ريم فقالت أخيرًا: — لازم تبلغ الشرطة.
هز رأسه ببطء: — لو ده فعلًا أبويا… يبقى في حاجة أكبر بكتير إحنا منعرفهاش.
في صباح اليوم التالي خرجا معًا إلى العنوان.
بناية قديمة متهالكة في شارع ضيق شبه مهجور.
صعدا السلالم بصمت حتى الطابق الأخير.
وعندما فتح الباب…
شعر أحمد أن قلبه توقف.
رجل نحيف بشعر أبيض كامل يقف أمامه.
أكبر سنًا… أضعف… لكنه هو.
أبوه.
بكى أحمد فورًا دون أن يشعر.
أما الرجل فاحتضنه بعنف وكأنه يخشى أن يختفي.
وظل يردد: — سامحني… سامحني يا ابني.
دخلوا الشقة الصغيرة، وكانت مليئة بأدوية وأجهزة طبية وعلب قديمة.
جلس الرجل بصعوبة فوق الكرسي بينما أحمد ما زال عاجزًا عن الكلام.
أخيرًا قال: — الحقيقة اللي هقولها دلوقتي هتخليك تكره أمك.
رد أحمد بصدمة: — بعد اللي عملته… لسه في أسوأ؟
أغمض الرجل عينيه للحظة ثم قال: — نادية عمرها ما كانت أمك الحقيقية.
شعر أحمد بأن الهواء اختفى من المكان.
أما ريم فشهقت دون وعي.
قال الرجل: — إنت ابن أخويا.
نظر أحمد إليه بعدم استيعاب.
فأكمل: — أبوك وأمك الحقيقيين ماتوا في حادث وإنت عندك سنتين… ونادية كانت مرات أخويا… وكانت عندها هوس إنها تبقى أم لكن مخلفتش.
بلع أحمد ريقه بصعوبة.
— بعد موتهم طلبت تتبناك رسمي… وأنا وافقت لأني كنت مسافر طول الوقت ومش هعرف أربيك.
سأل أحمد بصوت مخنوق: — طب ليه قلتولي إنك أبويا؟
ضحك الرجل بمرارة: — لأنها هي اللي أصرت… كانت عايزة العيلة كلها تبقى بتاعتها… جوزها… وابنها.
ثم ساد الصمت للحظات قبل أن يقول: — بس مع الوقت… حبها ليك اتحول لمرض.
بدأ يحكي ببطء.
كيف كانت نادية تمنع أحمد من الاختلاط بالناس وهو صغير.
كيف كانت تغار من أي فتاة يقترب منها.
كيف كانت تفتعل المشاكل لأي خطوبة أو علاقة قبلك.
وكيف كانت تنهار كلما شعرَت أن أحمد أصبح مستقلًا عنها.
قال الرجل: — لما اتجوزتها… فهمت إنها ممكن تعمل مصيبة.
سألته ريم: — حضرتك عرفت إنها كانت بتحاول تسممني؟
أطرق الرجل رأسه بحزن: — كنت شاكك… خصوصًا بعد ما شوفتها بتاخد أدوية من الدكتور ده.
ثم فتح درجًا قديمًا وأخرج ملفًا سميكًا.
وضعه أمام أحمد.
— عشان كده رجعت.
فتح أحمد الملف ببطء.
كانت بداخله تقارير نفسية لنادية.
تشخيصات قديمة.
اضطراب تعلق مرضي. هوس السيطرة. وسلوك عدائي تجاه أي امرأة تقترب من “ابنها”.
لكن التقرير الأخير كان الأخطر.
“المريضة أبدت أفكارًا عنيفة متكررة تجاه زوجة الابن، وقد تصبح خطرًا مباشرًا إذا شعرت بفقدان السيطرة.”
شعرت ريم بالغثيان.
قال الرجل: — حاولت أخدك وأسافر بيك زمان… لكنها هددت تنتحر وتقتلك لو قربت منك.
جلس أحمد صامتًا تمامًا.
ثم همس: — حياتي كلها كانت كذبة.
وفجأة سمعوا طرقًا عنيفًا على باب الشقة.
قفز الجميع بفزع.
ثم جاء صوت امرأة تصرخ من الخارج: — افتح يا محمود!
تجمد الدم في عروق أحمد.
نادية.
نظر الرجل العجوز حوله بخوف: — مستحيل… محدش يعرف إني هنا.
لكن ريم فهمت فورًا.
التفتت إلى أحمد: — تليفونك.
نظر إليها بصدمة.
كان هاتفه مفتوحًا طوال الوقت داخل جيبه.
أغلقت نادية باب المستشفى بكفالة مؤقتة وتتبعته.
بدأ الطرق يزداد عنفًا.
ثم صرخت نادية بصوت هستيري: — أحمد! هي بتسرقك مني تاني!
أمسك أحمد رأسه بألم بينما الباب يهتز بقوة.
وفجأة…
انكسر القفل.
دخلت نادية بعينين حمراوين وشعر مبعثر بطريقة مرعبة.
كانت تبدو كإنسانة فقدت عقلها بالكامل.
ما إن رأت الرجل العجوز حتى صرخت: — إنت! إنت السبب!
ثم أخرجت شيئًا معدنيًا من حقيبتها.
سكين مطبخ كبيرة.
صرخت ريم بفزع بينما اندفعت نادية نحو الرجل العجوز مباشرة.
لكن أحمد وقف أمامها.
تجمدت نادية للحظة.
كانت السكين على بعد سنتيمترات من صدره.
بدأت تبكي فجأة.
— أبعد يا حبيبي… هو عايز ياخدك مني.
صرخ أحمد: — أنا مش ابنك أصلًا!
ساد الصمت.
كأن الجملة اخترقت قلبها.
ارتعشت شفتاها بعنف.
ثم همست: — لأ… إنت ابني… أنا ربيتك… أنا اللي سهرت عليك… أنا اللي حبيتك أكتر من نفسي.
بدأت السكين تهتز في يدها.
وقالت وهي تبكي: — كلهم كانوا عايزين يبعدوك عني… كل واحدة تدخل حياتك كنت بحس إنها بتموتني.
اقتربت ريم ببطء وقالت: — الحب مش امتلاك.
نظرت إليها نادية بعينين فارغتين.
ثم قالت بهدوء مرعب: — إنتِ خدتيه مني.
وفجأة رفعت السكين نحو نفسها.
صرخ أحمد واندفع ناحيتها، لكن الأوان كان متأخرًا.
سقطت نادية على الأرض وسط صرخات الجميع.
بعد دقائق وصلت الإسعاف والشرطة.
لكن نادية ماتت قبل أن تصل للمستشفى.
انتهت القصة رسميًا في نظر الجميع.
لكن آثارها لم تنتهِ أبدًا.
مرت شهور طويلة.
أحمد بدأ جلسات علاج نفسي ليتعامل مع حقيقة حياته كلها.
أما سارة، فتم تخفيف الحكم عنها بعد تعاونها الكامل مع التحقيقات ضد الدكتور فؤاد، الذي تم القبض عليه وإغلاق عيادته نهائيًا.
وفي إحدى الليالي، جلست ريم مع أحمد في شرفة شقتهما الجديدة بعيدًا عن الزمالك وكل الذكريات القديمة.
كان الصمت هادئًا هذه المرة.
قال أحمد أخيرًا: — تعرفي إيه أكتر حاجة مرعبة؟
نظرت إليه.
ابتسم بحزن: — إني طول الوقت كنت فاكر إن الحب يعني حد يخاف يخسرك… حتى لو خنقك.
أمسكت ريم يده بهدوء.
ثم قالت: — الحب الحقيقي… بيخليك حر.
نظر إليها طويلًا.
ولأول مرة منذ سنوات…
شعر فعلًا أنه حر.
تمت
