سخريه لاذعه حكـايـات أسمـا ×1

سخر مني زملائي في الشغل لأني كنت بتغدى كل يوم مع بواب الشركة لمدة 11 سنة كاملة… لكن يوم جنازته، شدني المحامي على جنب وقال: “الحاج محمود ساب الحاجة دي ليكي.”

 

اشتغلت في نفس الشركة إحدى عشر سنة.

 

وطوال الفترة دي، أقرب شخص ليا وقت الراحة والغدا ماكانش مدير.

 

ولا زميل في القسم.

 

ولا حتى حد من الإدارة.

 

كان الحاج محمود.

 

بواب الشركة.

 

قابلته أول يوم شغل ليا.

 

وقت استراحة الغدا دخلت الكافتيريا وأنا مش عارفة أقعد فين.

 

كل الناس كانت تعرف بعضها.

 

وكل ترابيزة مليانة.

 

أما أنا فكنت واقفة لوحدي حاسة إني غريبة وسطهم.

 

ساعتها رفع راجل كبير هادي لابس يونيفورم رمادي بسيط عينه من على سندوتشه.

 

وابتسم وقال:

 

“لو حابة… اتفضلي اقعدي هنا.”

 

وقتها كنت ممتنة لدرجة إني كنت ممكن أعيط.

 

ومن اليوم ده…

 

بقيت أقعد معاه كل يوم.

 

حتى بعد ما اتعرفت على زمايلي.

 

وعملت صداقات.

 

واستقريت في الشركة.

 

فضلت محافظة على عادتنا.

 

كل يوم الساعة الواحدة.

 

أنا والحاج محمود.

 

نتغدى سوا.

 

نتكلم عن الحياة.

 

عن مشاكل الشغل.

 

عن أولادي.

 

عن أحلامنا.

 

وعن الحاجات الصغيرة اللي بتحصل خلال اليوم.

 

عمرنا ما تقابلنا بره الشركة.

 

لكن خلال سنين طويلة…

 

بقى واحد من أقرب الناس لقلبي.

 

مع الوقت بدأ بعض زمايلي يسخروا مني.

 

واحد كان يقول:

 

“رايحة تتغدي مع صاحبك البواب؟”

 

وواحدة تانية تضحك:

 

“خلي بالك… يمكن يرقوكي مسؤولة عن المساحات قريب.”

 

كنت أضحك معاهم.

 

لكن الحقيقة إن الكلام كان بيوجعني.

 

أما الحاج محمود…

 

فكان دايمًا يبتسم وكأنه مش فارق معاه رأي أي حد.

 

وفي يوم اتنين…

 

ماجاش الشغل.

 

قلنا يمكن تعبان.

 

لكن اليوم اللي بعده برضه ماجاش.

 

وبعد يومين عرفنا الخبر.

 

الحاج محمود توفى.

 

الغريب إن محدش تقريبًا اهتم.

 

ولا حد فكر حتى يحضر جنازته.

 

كأنه ماكانش موجود أصلًا.

 

عشان كده قررت أروح لوحدي.

 

بعد انتهاء العزاء وابتداء الناس تمشي…

 

قرب مني راجل لابس بدلة سودا أنيقة.

 

وقال:

 

“حضرتك الأستاذة سارة عبدالسلام؟”

 

هزيت راسي بالموافقة.

 

فمد إيده وقال:

 

“أنا الأستاذ كريم السيوفي… محامي المرحوم الحاج محمود.”

 

وبعدين سلمني صندوق أحذية قديم.

 

وقال:

 

“الحاج محمود طلب مني أسلمهولك شخصيًا.”

 

استغربت جدًا.

 

ومسكت الصندوق.

 

وبمجرد ما رفعت الغطا…

 

فهمت لأول مرة ليه الحاج محمود عمره ما اهتم بكلام أي حد في الشركة.

 

وليه كان دايمًا يبتسم لما الناس تسخر منه.

 

لأن الحقيقة اللي كانت مخبيها السنين…

 

أكبر بكتير مما تخيل أي حد.

الفصل الثاني

فضلت سارة واقفة في مكانها وهي ماسكة صندوق الأحذية القديم بإيدين مرتعشتين.

الناس كانت بتخرج من سرادق العزاء واحدة ورا التانية.

وأصوات قراءة القرآن بدأت تضعف بالتدريج.

لكن هي ما كانتش سامعة أي حاجة.

كل تركيزها كان جوه الصندوق.

لأن اللي شافته جواه ما كانش متوقع إطلاقًا.

في القاع كان فيه ظرف بني كبير.

وفوقيه صورة قديمة جدًا.

صورة راجل واقف قدام مصنع ضخم.

لابس بدلة فخمة.

وبجانبه عربية مرسيدس سوداء موديل قديم.

لكن الصدمة ما كانتش في الصورة.

الصدمة كانت في الراجل نفسه.

لأن الراجل ده كان الحاج محمود.

نفس البواب.

بنفس الابتسامة الهادية.

لكن أصغر بعشرات السنين.

وأغنى مما يمكن تتخيل.

رفعت عينيها بسرعة ناحية المحامي.

وقالت:

“إيه ده؟”

تنهد الأستاذ كريم وقال:

“كنت عارف إنك هتتصدمي.”

فتح الظرف الكبير.

وأخرج مجموعة أوراق مرتبة بعناية.

ثم قال بهدوء:

“الحاج محمود ماكانش مجرد بواب يا أستاذة سارة.”

سارة بلعت ريقها.

“أمال كان إيه؟”

ابتسم المحامي ابتسامة صغيرة.

وقال:

“كان مؤسس الشركة اللي بتشتغلي فيها.”

اتجمدت ملامحها.

حست إن قلبها وقف.

“إيه؟!”

“الحقيقة دي محدش يعرفها تقريبًا غير مجلس الإدارة والمحامي الشخصي وبعض أفراد العيلة.”

قعدت سارة على أقرب كرسي.

ورجليها مش شايلينها.

أما المحامي فواصل كلامه:

“من حوالي خمسة وعشرين سنة… الحاج محمود أسس الشركة من الصفر.”

“وكان وقتها واحد من أنجح رجال الأعمال في البلد.”

“لكن بعد وفاة مراته وابنه الوحيد في حادثة صعبة… باع معظم أملاكه.”

“وساب الإدارة لشركائه.”

“واختفى من الحياة العامة تمامًا.”

سارة كانت بتسمع وكأنها في حلم.

“طب ليه اشتغل بواب؟”

ابتسم المحامي بحزن.

وقال:

“عشان يعرف الناس على حقيقتها.”

سكت لحظة.

ثم أكمل:

“كان يقول دايمًا إن المناصب بتخدع.”

“والفلوس بتخدع.”

“لكن طريقة معاملة الناس للإنسان البسيط عمرها ما بتكدب.”

في الليلة دي.

سارة رجعت بيتها.

وقعدت تقلب محتويات الصندوق.

لقيت عشرات الصور القديمة.

وصور لمصانع.

وعقود.

وجرايد قديمة فيها أخبار عن رجل الأعمال محمود الجندي.

الاسم اللي كانت البلد كلها تعرفه زمان.

لكن محدش ربطه أبدًا بالحاج محمود البواب.

وفي آخر الصندوق.

كان فيه دفتر جلد أسود.

قديم.

متآكل الأطراف.

مكتوب عليه بخط اليد:

“مذكرات محمود.”

فتحت أول صفحة.

وكان أول سطر مكتوب:

“لو سارة بتقرأ الكلام ده… يبقى أنا مشيت.”

وفجأة دموعها نزلت.

بدأت تقرأ.

وكانت كل صفحة تكشف جزء جديد من حياة الراجل اللي قعدت معاه 11 سنة.

عرفت إنه كان يملك شركات بمليارات.

وإن عنده أراضي ومصانع ومشروعات في أكتر من محافظة.

وعرفت إنه بعد وفاة أسرته فقد الرغبة في كل شيء.

وفي أحد الأيام تنكر في هيئة عامل بسيط.

وزار شركته.

فاكتشف حقيقة مرة.

اكتشف إن معظم الناس بتحترم صاحب المنصب فقط.

أما العامل البسيط فلا يراه أحد.

ومن يومها قرر يعيش بينهم.

كواحد منهم.

يسمعهم.

ويعرف حقيقتهم.

وفي الصفحة الأخيرة.

وجدت رسالة.

رسالة طويلة موجهة ليها شخصيًا.

قرأتها بصوت مرتعش.

“يا سارة.”

“خلال 11 سنة شفت ناس كتير يدخلوا ويخرجوا من حياتي.”

“ناس كانت تبتسم ليا قدام الكاميرات.”

“وتسخر مني أول ما أديهم ضهري.”

“ناس كانت تعتبرني غير مرئي.”

“لكن إنتِ كنتِ الاستثناء.”

“عمرك ما سألتيني أنا غني ولا فقير.”

“ولا اهتميتي بمنصبي.”

“ولا خجلتي من صداقتي رغم سخرية الناس.”

“كل يوم كنتِ تقعدي جنبي بإرادتك.”

“وتسمعيني.”

“وتحكيلي.”

“وتعامِليني كإنسان.”

“وده شيء أغلى عندي من أي ثروة.”

سارة كانت بتبكي وهي بتقرأ.

ثم وصلت للسطر الأخير.

وهنا اتسعت عيناها من الذهول.

لأن الرسالة كانت بتقول:

“لهذا السبب… تركت لكِ 51% من أسهم مجموعة الجندي القابضة.”

سقط الدفتر من إيدها.

وتجمدت في مكانها.

وافتكرت إنها أكيد فهمت غلط.

رجعت قرأت السطر مرة.

واتنين.

وثلاثة.

لكن الكلمات ما اتغيرتش.

واحد وخمسين بالمية.

أغلبية الشركة بالكامل.

الشركة اللي بتساوي مليارات الجنيهات.

في صباح اليوم التالي.

كانت سارة قاعدة في مكتب المحامي.

ووشها شاحب من الصدمة.

أمامها ملفات ضخمة.

وعقود رسمية.

وختم الدولة.

وكل شيء قانوني.

قالت بصوت شبه هامس:

“حضرتك بتقول الحقيقة؟”

رد المحامي:

“كل كلمة.”

“المرحوم غير وصيته من ثلاث سنوات.”

“وسجل كل حاجة رسمي.”

“وأنتِ المالكة الجديدة لأغلبية المجموعة.”

سارة كانت عاجزة عن الكلام.

ثم سألت:

“وأولاده؟”

سكت المحامي.

ثم قال:

“مافيش أولاد.”

“ولا أحفاد.”

“ولا حد من العيلة كان بيزوره أصلًا.”

“آخر خمس سنين محدش منهم سأل عليه.”

بعد أسبوع.

وصلت سارة الشركة.

لكن المرة دي.

ما دخلتش من باب الموظفين.

دخلت من المدخل الرئيسي.

وسط حالة ذهول كاملة.

أعضاء مجلس الإدارة كانوا واقفين يستقبلوها.

والمدير التنفيذي بنفسه كان فاتح لها الباب.

أما الموظفين…

فكانوا واقفين يتفرجوا.

غير مصدقين.

ومن بينهم نفس الأشخاص اللي كانوا يسخروا منها كل يوم.

نفس الضحكات.

نفس التعليقات.

نفس النظرات المتعالية.

لكن المرة دي كانت مختلفة.

لأنهم عرفوا الحقيقة.

وعرفوا إن البواب اللي كانوا بيتجاهلوه.

كان صاحب المكان كله.

وإن الموظفة اللي كانوا يسخروا منها.

بقت صاحبة القرار الأول في الشركة.

دخلت سارة قاعة الاجتماعات الكبرى.

وجلست على المقعد الرئيسي.

المقعد اللي كان فاضي سنين طويلة.

ثم نظرت للجميع.

وقالت بهدوء:

“أنا مش جاية أنتقم من حد.”

ارتاحت بعض الوجوه.

لكنها أكملت:

“بس في قواعد جديدة هتتطبق من النهارده.”

سكت الجميع.

فقالت:

“أول قاعدة…”

“مفيش موظف في الشركة هيتعامل باحترام بناءً على منصبه.”

“كل الناس هنا سواسية.”

ثم أضافت:

“ثاني قاعدة…”

“مرتبات العمال والموظفين البسطاء هتزيد فورًا.”

بدأ الهمس ينتشر.

لكنها واصلت:

“وثالث قاعدة…”

“هنبني صندوق باسم الحاج محمود لمساعدة أسر العاملين المحتاجين.”

هنا نزل الصمت على القاعة كلها.

وفي نهاية اليوم.

خرجت سارة وحدها.

ووقفت أمام كرسي الحاج محمود القديم عند البوابة.

الكرسي اللي كان بيقعد عليه كل يوم.

مازال موجودًا كما هو.

لم تلمسه الشركة.

اقتربت منه.

وجلست مكانه.

ونظرت للمدخل.

نفس المكان اللي كان بيشوف منه آلاف الناس كل يوم.

ثم ابتسمت وسط دموعها.

وقالت بصوت منخفض:

“كنت أغنى راجل في المكان كله…”

“ومع ذلك اخترت تعيش أبسط واحد فينا.”

ثم رفعت عينيها للسماء.

وأضافت:

“شكرًا يا حاج محمود.”

“أخيرًا فهمت ليه كنت دايمًا مبتسم.”

يتبع… الفصل الثالث سيكشف السر الأخطر: لماذا ترك الحاج محمود ثروته كلها لسارة تحديدًا؟ وما هو الوعد القديم الذي قطعه لوالدها قبل أكثر من ثلاثين عامًا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *