حماتي حكايات اسما ×2
بعد أسبوع من الليلة اللي اتقلب فيها الفرح لكابوس… اسم كريم البدري كان في كل مكان.
الناس في البلد ماكانوش بيتكلموا غير عن “العريس النصاب” اللي اتقبض عليه ببدلته البيضاء قدام المعازيم.
فيديو القبض عليه انتشر أسرع من النار.
مرة تشوفه وهو بيحاول يجري. مرة وهو بيزعق للضباط. ومرة وهو بيبصلي بنظرة كلها كره… كأنه لسه شايف إني السبب.
لكن الحقيقة؟
الطمع هو اللي سلّمه بإيده.
البيت عندنا بقى ساكت بشكل غريب بعد اللي حصل.
سلمى كانت بتقضي أغلب وقتها في أوضتها، قافلة على نفسها، حتى الأكل بالكاد تاكله.
كل شوية أسمعها تعيط بالليل.
وأنا؟
كنت بقف قدام بابها بالعجز اللي مافيش أم تحبه.
لأن فيه وجع مافيش حضن يداويه.
وجع إنك تكتشفي إن الراجل اللي حلمتي تبني معاه عمرك… كان بيعد فلوسك مش نبضك.
لكن رغم كل ده… كان فيه حاجة غلط لسه.
إحساس قديم في قلبي بيقول إن الموضوع أكبر من مجرد عريس طماع.
وأنا عمري ما تجاهلت إحساسي.
في صباح يوم الجمعة، كنت قاعدة في الجنينة أسقي الورد اللي زرعه الحاج محمود زمان، لما عربية سوداء وقفت قدام البيت.
نزل منها ياسين.
لكن المرة دي وشه ماكانش مطمني.
أول ما شفته قلت: — فيه إيه؟
بص حواليه قبل ما يتكلم: — لازم أتكلم معاكي لوحدنا.
قلبي وقع.
دخلنا أوضة المكتب القديمة.
قفل الباب وطلع ملف جديد.
أكبر.
وأتخن.
وحطه قدامي بهدوء.
قال: — كريم مش شغال لوحده.
سكت لحظة.
ثم قال الجملة اللي خلت الدم يبرد في عروقي: — وفيه احتمال إن سلمى نفسها كانت تحت المراقبة من شهور.
اتجمدت مكاني.
— يعني إيه؟
فتح الملف.
صور.
كتير.
صور لسلمى وهي خارجة من الجامعة. صور ليها في النادي. صور ليها حتى وهي داخلة محل الفساتين قبل الخطوبة.
حسيت نفسي هقوم أصرخ.
قلت: — مين الناس دي؟!
رد بصوت منخفض: — شبكة سماسرة وشركات استثمار غير قانونية… بيستهدفوا أصحاب الأراضي القديمة اللي جنب المشاريع الحكومية الجديدة.
مافهمتش.
فكمل: — بيقربوا من العيلة بأي طريقة… جواز… شراكة… ديون… أي مدخل.
بصيت للصور تاني وأنا حاسة بغثيان.
يعني بنتي كانت متراقبة؟
متخططلها؟
قال ياسين: — كريم كان مجرد واجهة. فيه ناس أكبر منه بكتير.
رفعت عيني عليه: — وإنت عرفته منين؟
سكت لحظة.
ثم قال: — لأن اسم الحاج محمود ظهر في ملفات قديمة عندنا.
وقتها حسيت الدنيا وقفت.
الحاج محمود؟
جوزي؟
قال بسرعة: — ماتخافيش… مش متهم. بالعكس.
فتح ورقة قديمة جدًا.
وقال: — جوزك زمان رفض يبيع الأرض لنفس المجموعة دي من حوالي خمس سنين.
افتكرت فورًا.
الليلة دي.
الحاج محمود رجع البيت متعصب بشكل عمري ما شفته عليه.
وقال: “لو حصلي حاجة… ماتبيعيش الأرض يا أمينة.”
وقتها افتكرته خايف من السماسرة العاديين.
ماكنتش أعرف إن الموضوع أكبر.
ياسين قال: — بعد رفضه… بدأوا يضغطوا عليه ماليًا. وبعدين حصل حادث العربية.
نفسي اتقطع.
بصيتله بصدمة: — تقصد إن الحادث…
ماكملش.
لكن سكوته كان كفاية.
ولأول مرة من وفاة جوزي… الخوف الحقيقي دخل قلبي.
مش على الأرض.
على بنتي.
في نفس الليلة…
كنت قاعدة مع سلمى في المطبخ لأول مرة من أيام الفرح.
قدامنا شاي بالنعناع… بيبرد من غير ما حد يلمسه.
وشها كان مرهق. عينها غرقانة سواد من كتر العياط.
وفجأة قالت: — ماما… هو بابا مات فعلًا حادث؟
الكوباية وقعت من إيدي.
بصتلها بصدمة: — مين قالك كده؟
قالت وهي بتبلع ريقها: — كريم… قبل الفرح بأسبوع… قال جملة غريبة.
قلبي دق بعنف: — قال إيه؟
قالت: — قال إن “أبوكي كان عنيد… والعند ساعات بيقت*ل صاحبه.”
حسيت التلج بيجري في ضهري.
وسلمى كملت: — وقتها افتكرته بيتكلم عادي… لكن بعد اللي حصل… بقيت مرعوبة.
قمت فورًا واتصلت بياسين.
وفي أقل من ساعة كان عندنا.
سمع كلام سلمى كله.
ثم سألها: — كريم كان بيختفي كتير؟
هزت راسها: — أيوه… وكان دايمًا يقفل موبايله لما أسأله عن شغله.
— عمره جابك مكان غريب؟
سكتت.
ثم قالت بتردد: — مرة أخدني في فيلا على طريق الصحراوي… وقال إنها تبع شريك مهم.
وياسين هنا انتبه جدًا.
طلع صورة من الملف.
ولما سلمى شافتها… وشها شحب فورًا.
— ده هو!
ياسين بصلي بسرعة: — إحنا كده قربنا.
لكن قربنا من إيه؟
ده اللي اكتشفناه بعدها بيومين.
الساعة كانت 11 بالليل لما ياسين كلمني.
صوته كان حاد: — اقفلي البيت كويس وماتفتحيش لحد.
قلبي وقع: — فيه إيه؟
— فيه حد حاول يدخل المخزن بتاع الأرض النهاردة.
جسمي كله اتجمد.
المخزن ده فيه أوراق قديمة تخص الأرض والعقود.
قلت بخوف: — اتقبض عليهم؟
قال: — هربوا… لكن سابوا حاجة مهمة.
بعد ساعة وصل عندنا.
وكان معاه ظرف بني صغير.
فتحه قدامي.
وفيه…
صورة.
صورتي أنا وسلمى.
متصورة من بعيد قدام البيت.
ومكتوب وراها بقلم أحمر: “الدور الجاي عليكم.”
سلمى صرخت أول ما شافتها.
أما أنا…
فحسيت بحاجة غريبة جدًا.
الغضب.
مش الخوف.
أربعين سنة وأنا ست هادية بتزرع وتسقي وتربي.
لكن فيه لحظة معينة…
الإنسان بيتكسر فيها أو بيتحول لوحش.
وأنا كنت قربت أتحول.
قلت لياسين: — خلص الموضوع ده.
بصلي بثبات: — هنخلصه.
بعدها بثلاث أيام…
الشرطة عملت مداهمة ضخمة على الفيلا اللي سلمى وصفتها.
واتقبض على تلات رجالة.
واحد منهم رجل أعمال مشهور.
والتاني محامي.
أما التالت…
فلما شفت صورته في الأخبار… شهقت.
لأني أعرفه.
كويس.
الراجل ده كان حاضر عزاء جوزي.
وقتها افتكرت.
كان واقف بعيد يراقب الناس أكتر ما بيعزي.
وكان أول واحد سألني يومها: “هتعملي إيه في الأرض يا أمينة هانم؟”
يا نهار أسود.
يعني كانوا مستنيين موته من البداية.
التحقيقات استمرت أسابيع.
واتكشف إن الشبكة دي استولت على أراضي ناس كتير بالتزوير والتهديد والزواج الصوري.
وفي كل مرة… كانوا يختاروا ضحية يفتكروا إنها ضعيفة.
أرملة. عجوز. واحدة مالهاش ضهر.
لكنهم اختاروا الغلط المرة دي.
أما كريم…
ففي أول جلسة تحقيق انهار.
واعترف بكل حاجة تقريبًا.
اعترف إنه اتقرب من سلمى بأوامر. وإنهم خططوا للجواز من أول يوم. وإنه كان لازم يجيب المفاتيح بأي طريقة ليلة الفرح علشان صفقة البيع تخلص.
لكن لما سألوه عن الحاج محمود…
طلب محامي.
وسكت.
وده كان أسوأ اعتراف ممكن.
بعد شهرين…
الحياة بدأت تهدى شوية.
سلمى بدأت ترجع لنفسها بالتدريج.
بطلت تستخبى في أوضتها.
وبقت تنزل الأرض معايا كل صباح.
أول يوم نزلت فيه الغيطان بعد اللي حصل… وقفت وسط التراب وبكت.
قالت: — بابا كان بيحب المكان ده أوي.
قلت: — كان شايفه عمره كله.
وفي يوم وهي بتساعدني نجمع التفاح… قالت فجأة: — ماما… هو إنتِ كنتِ قوية طول عمرك؟
ضحكت لأول مرة من قلبي.
قلت: — لا يا حبيبتي… أنا كنت بخاف جدًا.
استغربت: — أمال وقفتي قدامهم إزاي؟
بصيت للسما.
وقلت: — الأم لما تخاف على عيالها… الخوف نفسه بيخاف منها.
سكتت لحظة.
ثم حضنتني فجأة.
الحضن ده… كان أول مرة أحس إن بنتي رجعت فعلًا.
وفي ليلة شتوية هادية…
كنت قاعدة في بلكونة البيت الأبيض، والهواء مليان ريحة المطر.
لقيت سلمى طالعة ناحيتي بكوبايتين شاي.
قعدت جنبي وقالت: — ينفع أسألك سؤال؟
— اسألي.
بصتلي بعين مليانة ندم: — إنتِ سامحتيني فعلًا؟
اتنهدت ببطء.
ثم قلت: — يوم الفرح… لما طلبتي مني أديه المفاتيح… قلبي اتكسر.
دموعها نزلت فورًا.
لكن كملت: — بس الأمومة حاجة غريبة يا سلمى… حتى القلب المكسور بيفضل يحب.
شهقت وهي بتحاول ماتعيطش.
قلت: — أنا زعلت منك… أيوه. لكن عمري ما كرهتك.
حضنتني بقوة.
ولأول مرة من شهور… حسيت إن البيت دافي تاني.
بعد سنة كاملة…
وقفنا أنا وسلمى قدام الأرض وقت الغروب.
الطريق الدائري الجديد كان اتبنى فعلًا قريب من الغيطان.
والأرض بقت تساوي أضعاف.
لكننا مابعناش.
بدل كده…
فتحنا مشروع تعبئة وتصدير من خير الأرض نفسها.
تفاح. عسل. جبنة بلدي. وزيت زيتون.
وحطينا اسم صغير على أول مخزن جديد اتبنى هناك:
“مزارع الحاج محمود.”
يوم الافتتاح…
البلد كلها حضرت.
حتى ياسين جه وهو بيضحك: — أخيرًا بقيتوا رجال أعمال.
سلمى ضحكت لأول مرة من غير وجع.
وأنا بصيت للأرض حواليّا.
للشجر. للناس. للبيت الأبيض.
ثم رفعت عيني للسما وهمست: — شفت يا حاج محمود؟… لسه واقفين.
وفي اللحظة دي…
الهوا حرّك الشجر بهدوء.
كأنه بيرد عليّا.
تمت
