ضريبة الغربه حكايات اسما4

كنت فاكر إن حياتي أخيرًا هتستقر.

لكن في صباح يوم شتوي…

وأنا داخل الشركة…

لقيت موظفة الاستقبال بتجري عليا.

وقالت وهي متوترة:

“يا أستاذ أحمد…

في راجل كبير مستني حضرتك من الفجر.”

قلت لها:

“مين هو؟”

قالت:

“رفض يقول اسمه.

وقال إنه صاحب أمانة عند والد حضرتك.”

طلبت منها تدخله.

دخل راجل تعدى السبعين.

ملامحه مرهقة.

لكن هيبته كانت واضحة.

أول ما شافني…

ابتسم.

وقال:

“أخيرًا شوفتك.”

مد إيده بعلبة خشب صغيرة.

وقال:

“دي كانت عند أبوك من أكتر من عشرين سنة.

وقالي أسلمهالك في الوقت المناسب.”

فتحت العلبة.

لقيت مفتاح نحاس قديم.

ومعاه ورقة.

كان مكتوب فيها:

“البيت الحقيقي…

مش الفيلا.”

استغربت.

رفعت عيني.

وسألته:

“يعني إيه؟”

ابتسم الراجل.

وقال:

“أبوك اشترى بيت صغير في البلد.

وكان كل ما حد يسأله ليه…

يقول دي أمان لأولادي.”

ركبت العربية أنا وسارة.

وروحنا البلد.

البيت كان قديم.

مقفول من سنين.

فتحت الباب بالمفتاح.

ريحة التراب كانت مالية المكان.

لكن كل حاجة كانت متغطية بعناية.

في أوضة النوم.

لقيت دولاب خشب.

ولما فتحته…

لقيت ألبومات صور.

صور لأبويا وهو بيبني البيت طوبة طوبة.

وصور ليا وأنا طفل.

وصور لأمي…

قبل ما الطمع يغيرها.

سارة قعدت تتفرج على الصور.

وقالت بهدوء:

“واضح إن الزمن كان جميل.”

هزيت رأسي.

وقلت:

“كان جميل…

قبل ما الفلوس تدخل بين القلوب.”

وفي آخر درج.

لقيت دفتر قديم.

كان عبارة عن يوميات أبويا.

فتحت أول صفحة.

وقريت.

“لو أحمد بيقرأ الكلام ده…

يبقى أكيد بقى راجل.

وأتمنى يكون عرف إن قيمة الإنسان…

مش في اللي يملكه.

لكن في اللي يسيبه في قلوب الناس.”

قلبت الصفحات.

ولقيت سطر اتكتب قبل وفاته بأيام.

“يا رب…

احفظ أولادي من فتنة المال.

ولو خيرتهم يومًا…

خليهم يختاروا بعض.”

قفلت الدفتر.

وحضنته على صدري.

وساعتها حسيت…

إن أبويا سابلي أعظم ميراث ممكن يسيبه أب لابنه.

مش أرض.

ولا بيت.

ولا ملايين.

سابلي مبدأ…

إن العيلة لو ضاعت…

ولا كل فلوس الدنيا هتعرف ترجعها.

خرجت أنا وسارة من البيت.

وقفلت بابه.

لكن المرة دي…

ما كانش باب بيت قديم.

كان باب آخر وجع…

وأول صفحة في حياة جديدة…
بعد أسبوع من زيارة بيت أبويا القديم…

افتكرت الدفتر.

كان فيه صفحة ما كملتش قرايتها.

طلعته من الخزنة.

وقعدت أقلب فيه بهدوء.

لحد ما وقفت عند صفحة كان حاطط فيها علامة.

مكتوب فيها:

“لو وصلت لهنا…

يبقى لسه فيه حق ما رجعش.”

استغربت.

وقريت باقي الكلام.

“في يوم من الأيام…

أنقذت راجل من الإفلاس.

والراجل ده كتبلي تعهد.

لو حصل لي أي حاجة…

يرد الجميل لأولادي.”

كان مع الصفحة كارت صغير.

عليه اسم.

ورقم تليفون.

اتصلت.

رد عليا راجل صوته كبير في السن.

أول ما عرف اسمي…

سكت كام ثانية.

وبعدين قال:

“استني مكانك…

أنا اللي هاجيلك.”

بعد ساعتين.

وقفت قدام الفيلا عربية فخمة.

نزل منها راجل شعره كله أبيض.

لكن خطواته ثابتة.

أول ما دخل…

بص لصورة أبويا المعلقة في الصالون.

وعينه دمعت.

قال:

“رحمك الله يا محمود.”

لف ناحيتي.

وقال:

“أنا مدين لأبوك بعمري كله.”

حكى إنه من سنين طويلة…

كان هيخسر شركته.

والبنوك كانت هتحجز على كل حاجة.

وأبويا وقف جنبه.

من غير ما ياخد منه جنيه واحد.

وقال له وقتها:

“لو ربنا وسع عليك…

ساعد ولادي لو احتاجوك.”

طلع ملف من شنطته.

وحطه قدامي.

وقال:

“أبوك رفض ياخد مقابل.

بس أنا عمري ما نسيت المعروف.”

فتحت الملف.

كان جواه عقود.

وأسهم.

ووثائق تثبت إن أبويا كان شريكًا صامتًا في مشروع كبير.

قال الرجل:

“الأرباح دي كانت بتتحوش باسم أبوك.

وكل سنة كنت أضيف عليها.

لحد ما ييجي اليوم اللي أسلمها لورثته.”

بصيت في الأرقام.

ما صدقتش عيني.

المبلغ كان أكبر من كل اللي جمعته في سنين الغربة.

قفلت الملف.

ودفعته ناحيته.

قلت:

“أنا مش هاخد حاجة مش حقي.”

ابتسم.

وقال:

“وده اللي كنت متوقعه منك.

عشان كده أبوك اختارك.”

فضلت ساكت.

وبعدين قلت:

“لو دي فعلاً وصية أبويا…

يبقى هننفذها بطريقة ترضيه.”

في الشهر اللي بعده…

أسسنا مؤسسة خيرية باسمه.

تبني بيوت للأسر اللي فقدت عائلها.

وتتكفل بمصاريف تعليم الأطفال.

وسميناها…

“مؤسسة محمود السيوفي.”

أول أسرة استلمت مفتاح بيتها الجديد…

كانت أرملة معاها طفلين.

الولد حضني.

وقال:

“أنا أول مرة يبقى عندي أوضة لوحدي.”

الجملة دي رجعتني سنين لورا.

افتكرت آدم وملك.

وهما قاعدين في أوضة السطوح.

بصيت لسارة.

لقيتها بتمسح دموعها.

وقالت:

“يمكن ربنا سمح لنا نمر بكل الوجع ده…

علشان نحس بوجع غيرنا.”

ابتسمت.

وقلت:

“يمكن.”

وفي نهاية اليوم…

وأنا بقفل باب المؤسسة…

وصلني ظرف أبيض من غير اسم مرسل.

فتحته.

وكانت جواه صورة قديمة جدًا.

لأبويا…

واقف جنب رجل مجهول.

وخلف الصورة مكتوب بخط اليد:

“الحقيقة الكاملة عن عيلة السيوفي…

لسه ما اتقالتش.”
فضلت أبص للصورة.

وش أبويا كان واضح.

لكن الراجل اللي واقف جنبه…

عمري ما شوفته قبل كده.

قلبت الصورة.

ولقيت تاريخها راجع لأكتر من تلاتين سنة.

وسطر واحد مكتوب بخط قديم.

“الأمانة هترجع لصاحبها.”

فضلت طول الليل أفكر.

مين الراجل ده؟

وإيه الأمانة اللي أبويا كان بيتكلم عنها؟

تاني يوم.

أخدت الصورة.

وروحت لعم محمود.

أول ما شافها…

وشه اتغير.

وسكت.

قلت له:

“إنت تعرفه.”

تنهد.

وقال:

“أعرفه.

بس كنت مستني اليوم اللي تسألني فيه.”

قعدت قدامه.

قال:

“الراجل ده اسمه إسماعيل.

كان أعز صاحب لأبوك.”

استغربت.

وقلت:

“ليه عمرنا ما سمعنا عنه؟”

قال:

“لأن الظروف فرقت بينهم.

وكل واحد راح في طريق.”

سكت لحظة.

وبعدين كمل.

“قبل وفاة أبوك بسنة…

إسماعيل سابه أمانة.

وقال له…

لو حصلي حاجة…

وصلها لابني.”

قلت بسرعة:

“وابنه فين؟”

هز راسه.

وقال:

“محدش يعرف.

اختفى من سنين.”

رجعت البيت.

لكن كلام عم محمود فضل يلف في دماغي.

وفي المساء.

وأنا بقلب الملفات القديمة.

لقيت ظرف صغير وقع من بين الأوراق.

كان مقفول بالشمع الأحمر.

فتحته.

ولقيت جواه عنوان.

وصورة طفل صغير.

وعقد أمانة.

أبويا كان كاتب في آخره.

“لو قدرت تلاقي الولد ده…

نفذ وعدي.”

بصيت للصورة.

كان طفل عمره يمكن خمس سنين.

لكن الحاجة اللي خلتني أتجمد…

إن الطفل كان لابس سلسلة فضة.

نفس السلسلة اللي الراجل الكبير اللي زارني من شهور كان لابسها في رقبته.

جريت على التليفون.

واتصلت بيه.

لكن الرقم كان مقفول.

سألت عنه في الشركة.

قالوا إنه سافر من يومين.

من غير ما يسيب عنوان.

حسيت إن خيط جديد ظهر قدامي.

وإن رحلة أبويا…

لسه ما انتهتش.

وفي الليلة دي.

طلعت البلكونة.

بصيت للسماء.

وقلت في سري:

“وعد يا أبويا…

لو في أمانة سبتها.

هرجعها لصاحبها.

حتى لو لفيت الدنيا كلها.”

وأنا راجع أقفل باب المكتب.

رن هاتفي.

رقم دولي.

رديت.

جالي صوت هادئ يقول:

“حضرتك الأستاذ أحمد السيوفي؟”

قلت:

“أيوه.”

قال:

“أنا بتصل من السعودية.

وفيه صندوق أمانات باسم والد حضرتك.

ومحدش يقدر يستلمه…

غيرك.”
أول ما سمعت كلمة “صندوق أمانات”…

حسيت إن قلبي وقف ثانية.

قلت للرجل:

“حضرتك متأكد من الاسم؟”

رد بهدوء:

“أيوه يا أستاذ أحمد.

الصندوق باسم المرحوم محمود السيوفي.

وفي وصية بتقول إنه ما يتفتحش إلا بحضور ابنه.”

قعدت على الكرسي.

وسارة كانت بتبصلي.

عرفت من وشي إن في حاجة كبيرة.

بعد ما قفلت المكالمة.

حكيت لها كل اللي حصل.

سكتت شوية.

وقالت:

“هنسافر.”

قلت:

“بعد كل اللي عدينا بيه…

خايف ألاقي وجع جديد.”

ابتسمت.

وقالت:

“يمكن المرة دي…

ربنا مخبي خير.”

بعد أسبوع.

كنت نازل من الطيارة في السعودية.

البلد اللي قضيت فيها خمس سنين من عمري.

كل شارع فيها كان بيفكرني بتعب السنين.

وصلت للبنك.

استقبلني المدير بنفسه.

ودخلني غرفة خاصة.

طلع مفتاح صغير.

وقال:

“اتفضل.”

مشيت وراه.

لحد ما وقفنا قدام صف طويل من صناديق الأمانات.

فتح واحد منهم.

وسابه ومشي.

وقفت قدامه.

وأخدت نفس عميق.

كان جواه ملف جلدي.

وساعة أبويا.

وسبحة كان ماسكها دايمًا.

وتحتهم ظرف أبيض.

عليه جملة واحدة.

“يا أحمد…

لو وصلت لهنا…

يبقى ربنا كتبلك تعرف آخر سر.”

فتحت الجواب.

وكان مكتوب فيه.

“أنا ما كنتش بخاف على الفلوس.

كنت بخاف عليك.

لأن الإنسان لما يبقى معاه رزق كبير…

بيبان حواليه ناس عمرهم ما حبوه.

السنين اللي فاتت أثبتتلك ده.

لكن لسه في حاجة لازم تعرفها.”

طلعت ورقة تانية.

كانت عبارة عن عقد.

عقد شراء أرض كبيرة.

اتشرت من أكتر من خمسة وعشرين سنة.

لكن الغريب…

إنها ما كانتش باسم أبويا.

كانت باسمي أنا.

بتاريخ وأنا لسه طفل صغير.

وقفت مذهول.

إزاي؟

وليه؟

وفي آخر الجواب كتب.

“الأرض دي ما حدش يعرف عنها غيري.

احتفظت بيها ليوم احتياجك.

ولو ربنا وسع عليك…

متبعهاش.

خليها وقف خيري باسم أمك.

يمكن يكون ده السبب اللي يغفر لها ربنا بيه.”

قريت السطر الأخير أكتر من مرة.

رغم كل اللي عملته أمي…

أبويا كان لسه بيدور لها على باب رحمة.

قفلت الجواب.

وحسيت إن الراجل ده…

حتى بعد وفاته…

كان بيعلمنا يعني إيه قلب الأب.

رجعت مصر.

وأول حاجة عملتها…

روحت الأرض.

كانت واسعة.

وفاضية.

وقفت في نصها.

وبصيت لسارة.

قلت:

“هنا…

هنبني حاجة تفضل بعد ما نمشي.”

قالت بابتسامة:

“هنبني إيه؟”

قلت:

“مستشفى خيري.

ومدرسة.

وكل واحد يدخل المكان ده…

يدعي لأبويا…

ولأمي.”

بصتلي باستغراب.

وقالت:

“ولأمك كمان؟”

ابتسمت ابتسامة فيها وجع السنين.

وقلت:

“الكره انتهى يوم دفنتها.

أما الدعاء…

فيمكن يكون آخر بر أقدر أقدمه.”

وفي اللحظة دي…

وقف آدم وملك جنبنا.

ومسك كل واحد فيهم إيدي.

وحسيت إن رحلة الغربة…

والخيانة…

والفراق…

كانت بتنتهي أخيرًا…

ببداية حياة هيستفيد منها ناس عمرهم ما عرفونا.

وساعتها فقط…

حسيت إن أبويا…

نفذ آخر وصاياه.
يتيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *