مراتي مجنونه رسمي حكـايـات أسمـا ×2
بصيت للرسم وأنا حاسس إن نفسي اتقطع. كان شبه اللي شوفته بالليل بالحرف. نفس الجسم الضخم، ونفس العينين اللامعتين، وحتى العلامة الصغيرة اللي كانت على جانب الرقبة. رفعت عيني للشيخ عبدالرحمن وقلت: “يعني اللي شوفته كان حقيقي؟”
قفل المخطوطة بهدوء وقال: “سواء كان حقيقي أو لا… لازم تتعامل معاه بعقل. الخوف أكبر عدو للإنسان.”
قلت: “بس مراتي قالت إنها مش بتعمل كده بإرادتها.”
هز رأسه وقال: “وده اللي خلاني أطلبك.”
سكت شوية قبل ما يكمل.
“في الحكايات القديمة كانوا بيقولوا إن فيه ناس بتصاب بلعنة، وتفضل تحاربها طول عمرها. وأنا مقدرش أجزم إن ده اللي بيحصل مع مراتك، لكن اللي متأكد منه إنك لازم تحميها وتحمي نفسك لحد ما نفهم الحقيقة.”
خرجت من المسجد وأنا دماغي هتنفجر من التفكير.
رجعت البيت.
لقيت يارا قاعدة في الجنينة، باصة للسماء.
أول ما شافتني وقفت.
وقالت: “كنت عند الشيخ.”
استغربت.
“عرفتي منين؟”
ابتسمت ابتسامة حزينة.
“أنا بحس.”
قعدت قدامها.
وحكيتلها كل اللي قاله.
فضلت ساكتة، وبعدها دخلت الأوضة، ورجعت وهي شايلة صندوق خشب صغير.
حطته قدامي.
وقالت: “أنا مخبياه من يوم فرحنا.”
فتحته.
كان جواه سلسلة فضة قديمة، ورسالة مكتوبة بخط باهت.
بدأت أقرا.
“لو وصلت الرسالة دي لحد، يبقى اعرف إن اللعنة بدأت ترجع. النجاة مش في الهروب… النجاة في معرفة أصلها.”
تحت الرسالة كان فيه اسم.
“ليلى.”
قلت ليارا: “مين ليلى؟”
قالت: “أمي.”
سألتها: “هي فين دلوقتي؟”
نزلت دمعة من عينها.
“اختفت… في نفس الليلة اللي شافتني فيها أول مرة أتحول.”
فضلت ماسك الرسالة.
وفي آخرها كان فيه عنوان لبيت قديم في قرية مهجورة على أطراف الجبل.
تاني يوم، بعد الفجر، قررت أروح هناك.
رغم اعتراض أمي، ورغم خوف يارا، ركبت حماري واتجهت ناحية الجبل.
الطريق كان طويل، وكل ما أقرب، البيوت تقل، لحد ما وصلت قرية مفيهاش غير بيوت مهدمة وسكون غريب.
وسط الخراب كان فيه بيت واحد لسه واقف.
بابه نص مفتوح.
دفعت الباب بإيدي.
طلع صوت صرير طويل.
دخلت بحذر.
التراب مغطي كل حاجة.
لكن كان واضح إن حد دخل المكان من فترة قريبة.
لقيت على الترابيزة فانوس قديم، وكوب شاي ناشف، وآثار خطوات خارجة من الأوضة الخلفية.
مشيت وراها.
أول ما وصلت آخر الممر، سمعت صوت ست كبيرة بتقول من الضلمة:
“اتأخرت يا حسن… كنت مستنياك من يوم ما اتجوزت يارا.”
اتجمدت مكاني.
وقبل ما أنطق بحرف، خرجت عجوز شعرها أبيض بالكامل، وكانت ماسكة في إيدها نفس التميمة المرسوم شكلها في المخطوطة.
بصتلي مباشرة وقالت:
“لو عايز تنقذ مراتك… لازم تعرف الحقيقة اللي اتدفنت من أكتر من عشرين سنة.”فضلت واقف مكاني، وإيدي على الباب، وأنا مش عارف أدخل ولا أرجع. العجوز كانت بتبصلي بثبات غريب، كأنها عارفة كل حاجة عني من قبل ما أولد.
قالت بهدوء: “متخفش… لو كنت عايزة أضرك، ماكنتش استنيت لحد ما تيجي برجليك.”
دخلت بحذر.
قفلت الباب ورايا.
البيت من جوه كان أقدم بكتير مما توقعت.
ريحته خشب قديم وأعشاب ناشفة.
وعلى الحيطان كانت معلقة صور باهتة لناس معرفهمش.
لكن صورة واحدة شدت انتباهي.
كانت صورة يارا.
بس مش وهي كبيرة…
وهي طفلة عندها يمكن عشر سنين.
واقفة جنب أمها.
وجنبهم نفس العجوز اللي قدامي.
قلت باستغراب: “إنتِ تعرفي يارا من زمان.”
ابتسمت.
وقالت: “أنا الداية اللي ولدتها.”
سكتت لحظة.
وبعدين كملت: “وأنا آخر واحدة شافت أمها قبل ما تختفي.”
قعدت قدامها.
وقلت: “قوليلي الحقيقة.”
تنهدت تنهيدة طويلة.
وقالت: “الحقيقة إن يارا طول عمرها كانت مختلفة.”
“لكن مش بالشكل اللي إنت فاكره.”
بصيتلها باستغراب.
قالت: “من وهي صغيرة، كان عندها مرض نادر جدًا.”
“كل شهر كانت بتفقد وعيها، ولما تصحى ما تفتكرش أي حاجة.”
“أهل البلد خافوا منها، وبدأوا ينسجوا حكايات وأساطير.”
قلت بسرعة: “بس أنا شفتها بعيني.”
ردت وهي ثابتة: “وشوفتها في وقت كنت فيه مرعوب.”
“والإنسان وهو مرعوب، عقله أحيانًا يخلط بين الحقيقة والخيال.”
فضلت ساكت.
لأن اللي شوفته كان أكبر من مجرد خوف.
العجوز قامت ببطء.
وفتحت صندوقًا حديديًا قديمًا.
طلعت منه دفترًا جلديًا.
وقالت: “ده دفتر أم يارا.”
فتحته.
كانت كل صفحة مكتوب فيها تاريخ.
وتحته ملاحظات.
“الليلة دي خرجت وهي فاقدة الوعي.”
“صحيت وهي مش فاكرة حاجة.”
“لقينا المواشي هربت من الزريبة.”
“أهل البلد قالوا إنها لعنة.”
كل الصفحات كانت بنفس المعنى.
لكن آخر صفحة كانت مختلفة.
كان فيها سطر واحد فقط.
“الناس هتصدق الخرافة أسهل بكتير من الحقيقة.”
قفلت الدفتر.
وسألتها: “يعني المعزة راحت فين؟”
بصتلي مباشرة.
وقالت: “وأنا مستنية السؤال ده.”
قامت ومشت ناحية شباك مكسور.
وأشارت للجبل البعيد.
وقالت: “فيه مغارة هناك.”
“من سنين طويلة، المهربين بيستخدموها.”
“كل حيوان بيختفي من القرى حوالينا، بيتجمع هناك قبل ما يتهرب.”
اتجمدت.
“يعني…”
قالت: “فيه ناس استغلوا خوف الأهالي، ونشروا حكاية الحية العملاقة، علشان محدش يقرب من المنطقة.”
افتكرت ساعتها كل الحيوانات اللي اختفت.
الفراخ.
السمك.
العجل.
والمعزة.
لو كلامها صح…
يبقى فيه حد كان بيراقب البلد كلها.
وفي اللحظة دي بالضبط…
سمعنا صوت طلقة نار جاية من برة البيت.
وبعدها صوت راجل بيصرخ:
“لقيناه… حسن جوه البيت!”
العجوز اتغير لون وشها.
وبصتلي بسرعة.
وقالت:
“واضح إنهم عرفوا إنك بدأت تقرب من الحقيقة… اهرب حالًا.”
أول ما سمعت صوت الراجل، قلبي دق بعنف. العجوز جرت ناحية رف خشب قديم، سحبته بقوة، وفجأة ظهر باب صغير مستخبي وراه.
قالت بسرعة: “انزل السلم ده… هيوديك لآخر الجبل.”
قلت: “وأسيبك لوحدك؟”
صرخت فيا: “لو مسكوك… مش هتعرف تنقذ يارا.”
في نفس اللحظة الباب الخارجي اتكسر.
سمعت صوت رجالة بتجري جوه البيت.
نزلت السلم بسرعة، والعجوز قفلت الباب السري فوقي.
الممر كان ضيق ومظلم.
كنت ماشي وإيدي بتتحسس الحيطان.
بعد دقايق طويلة، بدأت أشوف نور خافت قدامي.
خرجت من فتحة بين الصخور.
ولقيت نفسي واقف فوق الجبل.
ومن مكاني كنت شايف المغارة اللي العجوز قالت عليها.
لكن اللي شوفته هناك خلاني أتجمد.
كان فيه أكتر من عشر عربيات نقل.
ورجالة مسلحين.
وأقفاص مليانة أغنام وماعز وعجول.
مش بس كده…
كان فيه علامات على الحيوانات نفسها.
نفس العلامة اللي كانت مرسومة على التميمة.
فضلت مستخبي ورا صخرة كبيرة.
وبصيت كويس.
وفجأة شفت شخص نازل من عربية سوداء فخمة.
أول ما شفت وشه عرفته.
كان عزت.
تاجر المواشي الكبير في المركز.
الراجل اللي كل البلد بتحترمه.
وكان أكتر واحد يضحك لما حكيت حكاية يارا.
دلوقتي هو بنفسه واقف وسط العصابة.
كان بيقول بصوت عالي:
“خلوهم يكملوا يصدقوا حكاية الحية.”
“كل ما يخافوا أكتر…
كل ما محدش يقرب من المغارة.”
واحد من الرجالة ضحك وقال:
“والواد حسن؟”
رد عزت وهو بيولع سيجارة:
“هيختفي هو كمان…
وساعتها الناس هتقول إن الحية بلعته.”
حسيت الدم غلى في عروقي.
طلعت موبايلي بهدوء.
وبدأت أصور كل حاجة.
العربيات.
الحيوانات.
ووشوش الرجالة.
وفجأة…
رن الموبايل.
نسيت إنه على الوضع العادي.
الصوت طلع عالي وسط السكون.
كل الرجالة لفوا ناحيتي في نفس اللحظة.
عزت أشار بإيده وهو بيصرخ:
“هو هناك…
هاتوه حي.”
بدأوا يجروا ناحيتي.
جريت بكل قوتي بين الصخور.
والرصاص بدأ يضرب حواليا.
حجر اتكسر جنب رجلي.
والتاني فوق دماغي.
لكن كنت عارف إن لو وقعوا في إيديهم…
مش هيكون ليا شروق شمس تاني.
وأنا بجري…
لمحت في آخر الجبل عربية شرطة طالعة على الطريق الترابي.
من غير ما أفكر…
طلعت من مخبايا ولوحت بإيديا بكل قوتي…
لكن في نفس اللحظة…
حسيت ضربة قوية جدًا في ضهري…
ووقعت على الأرض…
والموبايل طار من إيدي…
واستقر قدام رجل كان لابس جزمة سوداء…
رفعته بهدوء…
وبصلي بابتسامة باردة وقال:
“للأسف يا حسن…
صورت كل حاجة…
بس مش هتلحق توريها لحد.”حاولت أقوم، لكن الضربة كانت قوية لدرجة إن نفسي اتقطع. الراجل انحنى، مسك الموبايل، وبص للشاشة. كان الفيديو لسه شغال.
ابتسم وهو بيقول: “تعبت نفسك على الفاضي.”
مد إيده علشان يمسحه.
لكن قبل ما يضغط على أي حاجة…
سمعنا صوت صفارة عربية شرطة قريب جدًا.
لف بسرعة ناحية الطريق.
العربية كانت بتقرب.
لعن بصوت واطي، ورمى الموبايل على الأرض، وقال للرجالة: “اسحبوه بسرعة.”
اتنين منهم جروني ناحية المغارة.
كنت بحاول أقاوم، لكن جسمي كان خلاص فقد قوته.
دخلوني جوه.
المكان كان أكبر بكتير من اللي تخيلته.
صناديق خشب.
وأقفاص.
وشاحنات واقفة مستعدة تتحرك.
وفجأة سمعت صوت أعرفه.
“سيبوه.”
كل الرجالة وقفت.
لفيت بصعوبة.
لقيت عزت داخل.
قرب مني وهو بيبتسم.
وقال: “أنا كنت مستني اليوم ده من زمان يا حسن.”
بصيتله بغضب.
قلت: “ليه عملت كل ده؟”
ضحك.
وقال: “علشان الفلوس.”
“الخوف أرخص حارس.”
“لما الناس تصدقت إن في حية عملاقة، بطلت تقرب من الجبل.”
“وبقينا ننقل المواشي براحتنا.”
افتكرت كل اللي حصل.
اختفاء الحيوانات.
الرعب.
والإشاعات.
كلها كانت جزء من خطة.
قلت: “طيب ويارا؟”
سكت لحظة.
وبعدين قال: “مراتك بريئة.”
“لكنها كانت أحسن غطاء لينا.”
اتجمدت.
“إزاي؟”
قال: “كانت بتفقد الوعي ساعات بسبب مرضها.”
“والناس كانت أصلًا بتخاف منها.”
“إحنا كملنا الحكاية.”
“كل ما يختفي حيوان، ننشر إن الحية ظهرت.”
“ولما إنت حكيت اللي شفته… ساعدتنا أكتر.”
قلت بعصبية: “أنا شفتها بعيني.”
رد وهو بيضحك.
“شفت إيه؟”
“ليلة الضباب… وإنت مرعوب… وفي ضوء القمر.”
“إحنا كنا مستخدمين ثعبانًا ضخمًا من نوع غير سام، بيستخدمه واحد من العاملين معانا في عروض الحيوانات.”
“ومن زاوية معينة، ومع الرعب، عقلك كمل الصورة.”
“أما مراتك…”
“فكانت خارجة تدور عليك بعد ما صحيت وما لقيتكش.”
افتكرت الليلة.
الضباب.
والظلال.
والخوف.
كل حاجة كانت مشوشة.
عزت كمل وهو بيضحك.
“الناس أحيانًا بتصدق اللي يخوفها أكتر من الحقيقة.”
وقبل ما يكمل…
سمعنا دوشة برة المغارة.
وصوت حد بيصرخ:
“شرطة… محدش يتحرك.”
الرجالة جريت في كل اتجاه.
عزت طلع سلاحه.
لكن قبل ما يرفعه…
دوى صوت طلقة في السقف.
وبعدها دخلت قوة الشرطة من كل المداخل.
خلال دقائق…
كانوا سيطروا على المكان.
اتقبض على عزت.
واتقبض على أغلب أفراد العصابة.
أما أنا…
فقعدت على الأرض وأنا مش مصدق إن الكابوس قرب يخلص.
بعد أيام…
رجعت كل المواشي المسروقة لأصحابها.
واتكشفت شبكة كبيرة كانت بتسرق الحيوانات من قرى كتير، مستغلة الخرافات علشان تبعد الناس عن الجبل.
أما يارا…
فسافرت معايا لمستشفى متخصص.
وبعد الفحوصات، بدأ علاجها، ومع الوقت بقت نوبات فقدان الوعي تقل تدريجيًا.
وأمي…
أول ما عرفت الحقيقة، حضنت يارا وهي بتعيط.
وقالت: “سامحيني يا بنتي… ظلمتك زي ما ظلمك البلد كلها.”
بعد شهور، رجعت الحياة لطبيعتها.
الناس بطلت تتكلم عن الحية.
وبدأت تتكلم عن العصابة اللي كانت مستخبية ورا الخوف.
أما أنا…
فكل ما حد يسألني عن اللي حصل، أقول له:
“الخوف يقدر يخلي الإنسان يشوف حاجات مش موجودة… لكن الحقيقة، مهما اتأخرت، لازم في يوم تظهر.”
وانتهت الحكاية.