عيون رائف حكايات أسما ×2
الجزء الرابع
أول ما أحمد قال: “بابا”… القاعة كلها لفّت ناحية الراجل اللي دخل.
كان راجل في أواخر الستينات، شعره الأبيض متسرح بعناية، وبدلته الرمادي كانت بسيطة، لكن هيبته كانت أكبر من أي منصب أو ثروة في المكان.
مشى بخطوات ثابتة، ولا بص لابنه في الأول.
وقف قدام الضابط، سلّم عليه، وبعدها بص على رائف الجوهري وقال:
“وصلنا متأخر ولا لسه في وقت؟”
رائف رد بهدوء:
“لسه في وقت.”
الراجل هز راسه.
وبعدين أخيرًا بص لأحمد.
كانت أول مرة أشوف أحمد ينزل عينه في الأرض.
قال له أبوه بصوت هادي:
“رفعت راسي سنين… وفي ليلة واحدة رجعتني مكسور.”
أحمد حاول يقرب منه.
“يا بابا… والله في ناس لعبت في دماغك.”
لكن والده رفع إيده وسكته.
“اسكت.”
الكلمة خرجت هادية…
لكنها وقفت أحمد مكانه.
لف والده ناحيتي.
ملامحه كلها كانت مليانة أسف.
وقال:
“أنا آسف.”
افتكرت إني ما سمعتش كويس.
واحد من أكبر رجال الأعمال في البلد…
واقف بيعتذرلي أنا.
كمل كلامه وعينه مليانة ندم.
“لو كنت عرفت اللي ابني بيعمله… ماكنتش سبت يوم واحد يعدي.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
مش علشان الاعتذار.
لكن علشان لأول مرة حد صدقني… من غير ما أطلب.
أحمد صرخ:
“كل ده تمثيل.”
“هي اللي ضدي.”
“دي بتكذب.”
رائف فتح الملف اللي كان في إيده.
طلع منه مجموعة صور.
وسلمها لوالد أحمد.
الراجل فضل يقلب فيها واحدة واحدة.
كل صورة كانت بتغير ملامحه أكتر.
لحد ما وقف عند صورة معينة.
إيده بدأت ترتعش.
رفع الصورة قدام أحمد.
وقال:
“دي عملتها إنت؟”
أحمد بص للصورة.
وسكت.
كانت صورة لكتفي.
الكدمة اللي حاولت أخبيها بالمكياج.
لكن في الصورة…
كانت واضحة بكل تفاصيلها.
والصورة كان عليها تاريخ.
اليوم اللي أحمد قال فيه للناس إني وقعت على السلم.
أبوه قفل الملف ببطء.
وبصله نظرة كلها خيبة.
“أنا اللي علمتك تبقى راجل.”
“مين اللي علمك تمد إيدك على ست؟”
أحمد بدأ يتراجع.
أول مرة أحسه صغير.
مش رجل الأعمال اللي الناس كلها كانت بتهابه.
ولا الخطيب اللي كان بيتباهى بيا قدام الكاميرات.
كان مجرد شخص انكشفت حقيقته.
الضابط قرب منه مرة تانية.
وقال:
“يلا يا أستاذ أحمد.”
المرة دي…
ما قاومش.
لكن قبل ما يتحرك، لف ناحيتي.
ابتسم ابتسامة غريبة.
ابتسامة خوفتني أكتر من أي تهديد.
وقال:
“لسه ما خلصتش.”
وراح مع الضباط.
فضلت ببص على باب القاعة بعد ما خرج.
قلبي كان بيقولي إن الموضوع أكبر من مجرد قضية ضرب.
وإن أحمد كان واثق بشكل يخوف.
رائف وقف جنبي.
وقال بصوت منخفض:
“هو مش بيكدب.”
بصيتله باستغراب.
كمل:
“لأن اللي عمله… مش الضرب وبس.”
“في حاجة أكبر بكتير… وأنا جيت الليلة دي علشانها.”
حسيت الدم اتسحب من وشي.
سألته:
“تقصد إيه؟”
بصلي مباشرة.
وقال الجملة اللي غيرت كل حاجة:
“إنتِ فاكرة إنك اتعرفتي على أحمد من سنتين…”
“لكن الحقيقة…”
“أحمد كان مراقبك من قبلها بثلاث سنين كاملة.”
وفي اللحظة دي…
بدأت كل ذكرياتي القديمة ترجع قدامي…
الجزء الخامس
فضلت أبص لرائف وأنا حاسة إن الأرض بتميد بيا.
ثلاث سنين؟
إزاي؟
أنا ما شوفتش أحمد غير في حفل خيري كانت شركتي شغالة فيه، وبعدها بدأ يبعت ناس يطلبوا يتعرفوا عليا. كنت فاكرة إنها صدفة، وبعدها اتكررت الصدف لحد ما بقى وجوده في حياتي طبيعي.
قلت بصوت متقطع:
“إنت تقصد إيه إنه كان بيراقبني؟”
رائف سحب نفس هادي، وبص حواليه بعد ما أغلب المعازيم بدأوا يمشوا، بينما الصحفيين اتجمعوا عند باب القاعة يحاولوا يعرفوا إيه اللي حصل.
قال:
“تعالي نقعد خمس دقايق.”
مشيت معاه ناحية ركن هادي في آخر القاعة.
لأول مرة من سنين أمشي من غير ما حد يشدني أو يأمرني أقعد فين أو أقف فين.
قعدت قدامه.
فتح الملف اللي كان معاه.
وأخرج صور قديمة.
حط أول صورة قدامي.
اتجمدت.
الصورة كانت ليا.
واقفة قدام مكتبة عامة.
لابسة نفس الجاكيت النبيتي اللي كنت بحبه أيام الجامعة.
بصيت في تاريخ الصورة.
كانت متصورة قبل ما أعرف أحمد بثلاث سنين فعلًا.
قلبي بدأ يدق بعنف.
قلبت الصورة اللي بعدها.
أنا خارجة من شغلي القديم.
والتالتة…
أنا مع أمي في المستشفى.
والرابعة…
أنا قاعدة في كافيه مع صاحبتي.
رفعت عيني لرائف.
“مين اللي صور الصور دي؟”
قال بهدوء:
“ناس شغالة عند أحمد.”
حسيت إن نفسي اتقطع.
قال:
“أحمد ما قابلكيش صدفة.”
“هو اختارك.”
سألته وأنا مش مستوعبة:
“اختارني ليه؟”
رائف سكت لحظة.
وبعدين قال:
“علشان والدك.”
اتجمدت.
“بابا؟”
بابا كان مدرس تاريخ متقاعد.
رجل بسيط.
عمره ما دخل عالم رجال الأعمال.
قلت باستغراب:
“إيه علاقة بابا بأحمد؟”
رائف طلع ظرف أصفر قديم.
كان متقفل من سنين.
ناولني الظرف.
وقال:
“اقري.”
فتحت الظرف بإيد بترتعش.
لقيت صورة قديمة جدًا.
بابا…
واقف جنب راجل صغير في السن.
أول ما ركزت في ملامحه…
عرفته.
كان والد أحمد.
وفي الخلفية…
كان في مصنع قديم.
وتوقيع بتاريخ من خمسة وعشرين سنة.
رفعت الصورة بسرعة.
“دي إيه؟”
رائف قال:
“أبوك كان شريك والد أحمد.”
“مش موظف.”
“شريك.”
افتكرت كل مرة بابا كان يرفض يتكلم عن الماضي.
كل مرة أسأله ليه ساب شغله القديم.
كان يغير الموضوع.
رائف كمل:
“بعد وفاة الشريك الثالث… حصل خلاف كبير.”
“وأبوك انسحب.”
“لكن أحمد فضل مقتنع إن أبوك مخبي مستندات تساوي مئات الملايين.”
بصيتله بعدم فهم.
“بس إحنا عمرنا ما كان معانا فلوس.”
هز راسه.
“أنا عارف.”
“لكن أحمد ما كانش مصدق.”
“كان فاكر إنك هتوصليه للمستندات.”
الكلمات نزلت عليا كأنها صخور.
افتكرت أول مرة أحمد طلب يشوف بيتنا القديم.
وافتكرت إصراره إنه يساعد بابا ينقل أثاثه بنفسه.
وافتكرت إنه كان بيفتش في المكتب أكتر ما كان بينقل العفش.
وقتها استغربت.
لكن دلوقتي…
كل حاجة بقت مفهومة.
حتى الجواز…
ماكانش حب.
كان خطة.
رفعت عيني لرائف.
قلت بصوت مكسور:
“يعني عمره ما حبني؟”
رائف ما جاوبش بسرعة.
وبعد لحظات قال:
“في البداية… لأ.”
“لكن بعد كده…”
سكت.
وبص بعيد.
كأنه بيفكر يقول الحقيقة ولا لأ.
ثم قال:
“بعد كده بقى مهووس بيكي.”
“وده كان أخطر بكتير من إنه ما يحبكيش.”
في اللحظة دي…
رن موبايل رائف.
بص في الشاشة.
وتغيرت ملامحه لأول مرة من بداية الليلة.
رد بسرعة.
وسمع دقيقة كاملة من غير ما يقاطع.
وبعدين قال:
“إحنا جايين حالًا.”
قفل المكالمة.
وبصلي مباشرة.
وقال:
“لازم تيجي معايا.”
سألته بقلق:
“على فين؟”
قال:
“على بيت والدك.”
“لأن في حد سبقنا هناك…”
“وبيفتش البيت دلوقتي.”
الجزء السادس
خرجت مع رائف من القاعة وأنا حاسة إن الليلة اللي بدأت بخطوبة، انتهت وأنا مش عارفة أنا كنت مخطوبة لمين أصلًا.
أول ما باب الفندق اتفتح، لقيت خمس عربيات سوداء واقفة قدام المدخل، ورجال الأمن بيتحركوا بسرعة من غير أي صوت. رائف فتحلي باب العربية بنفسه، وقال: “مفيش وقت.”
ركبت وأنا قلبي بيدق بعنف.
العربية اتحركت، ومن أول ما خرجنا من الفندق، لاحظت إن في عربية سودة ماشية ورانا على مسافة.
بصيت لرائف.
هو كان شايفها.
لكن ملامحه ما اتغيرتش.
قال للسواق بهدوء:
“خليهم فاكرين إننا رايحين على بيتها.”
السواق هز راسه.
بعدها بدقيقتين، العربية غيرت الطريق فجأة، ودخلت شارع جانبي، وفي نفس الوقت عربيتين من الحراسة كملوا في الطريق الرئيسي.
بصيتله باستغراب.
ابتسم لأول مرة وقال:
“اللي بيراقبنا هيجري وراهم.”
فهمت وقتها إن الموضوع أكبر بكتير من أحمد.
بعد حوالي عشرين دقيقة وصلنا لبيت أبويا.
لكن أول ما العربية وقفت…
اتجمدت في مكاني.
باب البيت كان مفتوح.
والنور مولع في الدور الأرضي.
أنا كنت بنفسي قافلة البيت الصبح قبل ما أطلع.
نزل رجال الأمن بسرعة.
ورائف نزل ووقف قدامي.
قال:
“هتفضلي ورايا.”
دخلنا البيت.
كل حاجة كانت مقلوبة.
الأدراج مفتوحة.
الكتب مرمية على الأرض.
اللوحات متشالة من مكانها.
حتى صور العيلة كانت واقعة ومكسورة.
جريت وأنا بنادي:
“بابا!”
محدش رد.
طلعت السلم بسرعة.
كل أوضة كانت متبهدلة أكتر من اللي قبلها.
لحد ما وصلت أوضة المكتب.
وقفت عند الباب.
وده المكان الوحيد اللي كان مقفول.
رائف أشار لأحد رجال الأمن.
فتح الباب بحذر.
دخلنا.
الغريب إن المكتب كان مرتب.
ولا ورقة واحدة اتحركت.
بصيت لرائف باستغراب.
قال:
“اللي دخل هنا… كان عارف بيدور على إيه.”
لف حوالين المكتب دقيقة كاملة.
وفجأة وقف قدام مكتبة خشب قديمة.
كانت مليانة كتب تاريخ.
مد إيده وشد كتاب سميك.
لكن الكتاب ما طلعش.
كان ثابت.
ضغط عليه لجوه.
وفجأة…
سمعنا صوت خفيف.
جزء من المكتبة اتحرك ببطء.
وقفت مكاني وأنا مش مصدقة.
ورا المكتبة…
كان في باب حديد صغير.
بصيت لرائف.
قال:
“كنت متأكد.”
فتح رجال الأمن الباب.
وكان وراه غرفة صغيرة.
أول ما دخلتها…
عرفت إن أبويا كان عايش عمره كله بسر ما قالوش لحد.
الغرفة كانت مليانة ملفات قديمة.
وعقود.
وصور.
وخرائط.
وفي نص الترابيزة الخشب…
كان في صندوق حديدي صغير.
عليه اسم واحد محفور.
“عامر والشركاء.”
مد رائف إيده ناحية الصندوق.
لكن قبل ما يلمسه…
سمعنا صوت طلقة نار جاية من برة البيت.
بعدها مباشرة…
طلقات متتالية.
ورجال الأمن صرخوا:
“هجوم…!”
يتيع
