انقذت رجل فقير حكـايـات أسمـا ×1

أنقذت فتاة فقيرة رجلًا يحتضر وسط الغابة… ولم تكن تعلم أنه رجل أعمال ملياردير سيقلب حياتها رأسًا على عقب

 

الجزء الأول

 

أول ما لفت انتباهي…

 

لم يكن وجهه.

 

ولا ملابسه الممزقة.

 

ولا السيارة السوداء الفاخرة المختفية بين الأشجار.

 

بل كانت يده.

 

كانت تمتد من بين الأعشاب المبللة، ترتجف كأنها تبذل آخر ما لديها من قوة لتتشبث بالحياة.

 

كان عمري سبعة عشر عامًا.

 

لا أملك سوى القليل.

 

أحمل كيسًا من المساعدات الغذائية في طريقي إلى البيت عبر الممر الترابي خلف إحدى قرى محافظة الفيوم، عندما سمعت صوتًا خافتًا يقول:

 

“أرجوك…”

 

لم يكن أحد من أهل المنطقة يسلك ذلك الطريق بعد غروب الشمس.

 

كانوا يقولون إن الغابة الصغيرة مليئة بالثعابين والكلاب الضالة، وأشخاص لا يُؤتمن جانبهم.

 

أما أنا…

 

فكنت أسلكه لأنه يوفر أكثر من عشرين دقيقة من الطريق.

 

وعشرون دقيقة كانت تعني الكثير عندما يكون أخي الصغير مريضًا بالحمى، والحليب داخل الكيس بدأ يفسد بسبب حرارة الجو.

 

اسمي ندى سالم.

 

في ذلك الوقت، كان الجميع يعرفني بأنها الفتاة التي كانت أمها تعمل في تنظيف غرف أحد الفن المتواضعة حتى لم تعد قدماها تحتملان الوقوف.

 

الفتاة التي اختفى والدها منذ سنوات طويلة.

 

والفتاة التي كانت ترتدي الجاكيت الجينز نفسه طوال الشتاء، لأن شراء معطف جديد كان رفاهية لا تستطيعها.

 

تعلمت منذ صغري ألا أنتظر أحدًا لينقذني.

 

ولهذا…

 

عندما وجدت شخصًا يحتاج إلى المساعدة، لم أعرف في البداية ماذا أفعل.

 

كان مستلقيًا بين الشجيرات.

 

ذراعه محشورة أسفل جسده.

 

وقميصه الأبيض مغطى بالطين والدم.

 

أما حذاؤه الفاخر فقد تمزق تمامًا.

 

كان شاحب الوجه.

 

وفي أواخر الخمسينيات من عمره على ما يبدو.

 

وخصلات الشيب تغطي جانبي رأسه.

 

وفي معصمه ساعة ثمينة يكفي ثمنها لشراء أكثر من بيت في الحي الذي أسكنه.

 

ركعت بجواره وقلت:

 

“يا أستاذ…”

 

“حضرتك سامعني؟”

 

فتح عينيه بصعوبة.

 

عينان رماديتان…

 

حادتان رغم الألم.

 

همس بصوت متقطع:

 

“الهاتف…”

 

بدأت أفتش في جيوبه بارتباك.

 

لكنني لم أجد سوى نظارة مكسورة، وحافظة نقود جلدية فارغة تقريبًا.

 

عندها فقط رأيت السيارة.

 

كانت تقبع أسفل المنحدر.

 

سيارة سوداء فاخرة اصطدمت بجذع شجرة كبيرة.

 

ومقدمة السيارة تحطمت بالكامل.

 

أما باب السائق فكان مفتوحًا.

 

ولم يكن هناك أحد بداخلها.

 

تسارع نبضي.

 

كنت أعرف أن عليّ الركض إلى الطريق لطلب النجدة.

 

لكنني كنت أعرف أيضًا أن بعض الناس إذا وجدوا رجلًا ثريًا في هذا الوضع، فسيفكرون في استغلاله قبل إنقاذه.

 

ولو تركته وحده…

 

فقد لا يبقى حيًا حتى أعود.

 

قلت له:

 

“فضل صاحي.”

 

حاول أن يبتسم.

 

لكن ابتسامته خرجت كأنها أنفاس متقطعة.

 

وقال:

 

“ده… أمر؟”

 

قلت بحزم:

 

“أيوه.”

 

نظر إليّ طويلًا.

 

وقال:

 

“أنتِ صغيرة.”

 

ابتسمت رغم خوفي.

 

وقلت:

 

“وأنت بتنزف.”

 

ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه.

 

ثم قال:

 

“معاكِ حق.”

 

خلعت الجاكيت ووضعته فوق الجرح العميق في كتفه، وضغطت بقوة.

 

ارتجف من شدة الألم.

 

وكدت أرفع يدي معتذرة.

 

لكنه أمسك بمعصمي.

 

وقال بصعوبة:

 

“ما تتصليش بالشرطة.”

 

تجمدت.

 

لم أكن أتوقع أن تكون هذه أول وصية لرجل يحتضر.

 

سألته:

 

“ليه؟”

 

شد على يدي قليلًا وقال:

 

“هيلاقوني.”

 

قلت بسرعة:

 

“مين؟”

 

نظر نحو الأشجار المظلمة.

 

وهمس:

 

“الرجالة… اللي كانوا في العربية.”

 

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

 

وفجأة…

 

بدت الغابة أكثر صمتًا من أي وقت مضى.

 

كل ورقة.

 

كل غصن.

 

كل ظل.

 

ابتلعت ريقي.

 

وسألته:

 

“حد خطفك؟”

 

أغمض عينيه وقال:

 

“حاجة… شبه كده.”

 

تقلصت معدتي من الخوف.

 

تذكرت أخي الصغير الذي ينتظرني في البيت.

 

وتذكرت أمي المرهقة.

 

وتذكرت كل النصائح التي تسمعها البنات الفقيرات منذ الصغر:

 

لا تتدخلي.

 

لا تقتربي من أصحاب النفوذ.

 

ولا تجعلي نفسك طرفًا في مصيبة لا تخصك.

 

ثم قال الرجل فجأة:

 

“عندي بنت.”

 

كانت تلك الكلمات وحدها…

 

كافية لتغير قراري.

 

ربما لأنني أعرف معنى أن ينتظر طفل عودة والده.

 

وربما لأن صوته حين نطق كلمة “بنت” لم يعد صوت رجل ثري.

 

بل صوت أب خائف.

 

قلت:

 

“اسمك إيه؟”

 

تردد لحظة.

 

ثم قال:

 

“إياد.”

 

قلت:

 

“إياد… إيه؟”

 

لكنه لم يجب.

 

نظرت حولي سريعًا.

 

ثم أفرغت كيس الطعام فوق الأرض.

 

تناثرت المعلبات.

 

وسقط الخبز في التراب.

 

وانسكب اللبن.

 

واستخدمت الكيس الفارغ لأضغط به على جرحه.

 

ثم جمعت بعض الأغصان اليابسة، وأخفيته بينها حتى يصعب رؤيته من الممر.

 

ظل يراقبني بصمت.

 

ثم قال:

 

“عملتِ كده قبل كده؟”

 

ابتسمت بسخرية.

 

وقلت:

 

“أقصد الاختباء من المشاكل؟”

 

“أيوه.”

 

ابتسم ابتسامة خفيفة.

 

وفي تلك اللحظة…

 

سمعنا صوت باب سيارة يُغلق.

 

ثم أصوات رجال تقترب.

 

حبس إياد أنفاسه.

 

خفضت رأسي بجواره.

 

وأشرت إليه أن يلتزم الصمت.

 

بدأت أضواء الكشافات تتحرك بين الأشجار.

 

قال أحدهم:

 

“الباشا قال مستحيل يكون هرب بعيد.”

 

ورد آخر:

 

“لو لسه عايش… نرجعه.”

 

“ولو مات… نتأكد.”

 

تجمد الدم في عروقي.

 

التفت إياد نحوي.

 

وللمرة الأولى…

 

رأيت الحقيقة كاملة في عينيه.

 

هذا الرجل…

 

لم يكن مجرد مصاب.

 

بل كان مطاردًا.

 

فعلت أول شيء خطر ببالي.

 

غطّيته بجاكتي.

 

ثم زحفت حتى خرجت إلى الممر قبل أن يلاحظوا مكان اختبائه.

 

صرخ أحد الرجال:

 

“إنتِ!”

 

رفعت يدي وقلت بسرعة:

 

“لو سمحتوا… أنا راجعة بيتي بس.”

 

سلط أحدهم الكشاف على وجهي.

 

وسأل:

 

“شفتي حد هنا؟”

 

هززت رأسي.

 

“لأ.”

 

تأمل ملابسي القديمة.

 

وحذائي المهترئ.

 

والكيس الفارغ في يدي.

 

لم يرَ أمامه سوى فتاة فقيرة.

 

فتاة لا تمثل أي خطر.

 

فتاة اعتاد الناس ألا يلتفتوا إليها.

 

ابتسم الرجل الآخر باستخفاف وقال:

 

“كان فيه إيه في الكيس؟”

 

قلت:

 

“أكل.”

 

نظر إلى الأرض باحتقار.

 

وقال:

 

“مش باين.”

 

قلت بهدوء:

 

“وقع مني لما سمعت صوتكم.”

 

اقترب خطوة وسأل:

 

“متوترة ليه؟”

 

نظرت إليه مباشرة وقلت الحقيقة…

 

لكن ليس كلها.

 

“لأن أي بنت تمشي لوحدها بالليل، وتشوف رجالة بكشافات وسط الغابة… طبيعي تخاف.”

 

ضحك الرجل الطويل.

 

وقال:

 

“سيبوها.”

 

“دي مالهاش لازمة.”

 

تلك الجملة…

 

كانت سبب نجاتنا.

 

ابتعد الرجال داخل الغابة.

 

وانتظرت حتى اختفت أضواء الكشافات تمامًا.

 

ثم عدت مسرعة إلى إياد.

 

ساعدته على الوقوف.

 

وهمست:

 

“تقدر تمشي؟”

 

نظر إليّ بدهشة وقال:

 

“إنتِ… مين؟”

 

وضعت ذراعه فوق كتفي.

 

ثم ابتسمت وقلت:

 

“دلوقتي…”

 

“أنا أملك فرصتك الوحيدة علشان تعيش.”لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السيد

@أبرز المعجبين

الجزء الثاني

 

ظللت أسند إياد بكل ما أملك من قوة، بينما كانت قدماه تتعثران مع كل خطوة فوق الأرض الطينية. كان أطول مني بكثير، وكلما مال بجسده شعرت أنني سأقع معه، لكنني رفضت أن أتركه.

 

همس بصوت متعب:

 

“سيبيني… هتتعبي.”

 

هززت رأسي بعناد.

 

“لما نوصل لمكان آمن ابقى اتكلم.”

 

ابتسم ابتسامة باهتة وقال:

 

“أول مرة حد يأمرني بالطريقة دي.”

 

قلت وأنا أتنفس بصعوبة:

 

“يبقى اتعود.”

 

وصلنا إلى كوخ قديم مهجور كان الفلاحون يستخدمونه قديمًا لتخزين أدوات الزراعة. منذ سنوات لم يدخله أحد، لكنني كنت أعرفه جيدًا، لأنني كنت أختبئ فيه وأنا صغيرة كلما تشاجرت مع أمي.

 

دفعت الباب الخشبي بصعوبة.

 

صرير الباب دوّى في المكان.

 

ساعدته حتى جلس فوق كومة من القش الجاف.

 

ثم أشعلت مصباحًا صغيرًا كنت أحتفظ به داخل حقيبتي.

 

عندما وقع الضوء على كتفه…

 

تجمدت.

 

الجرح لم يكن بسيطًا.

 

كانت هناك رصاصة اخترقت أعلى الكتف، والدم ما زال ينزف بغزارة.

 

شهقت دون أن أشعر.

 

رفع عينيه إليّ وقال بهدوء:

 

“متبصيش كده… شوفت الأسوأ.”

 

قلت بحدة:

 

“أنا لأ.”

 

خلعت حجابي وربطته بإحكام فوق الجرح بعد أن ضغطت عليه بكل قوتي.

 

صرخ من الألم حتى ظننت أنه سيفقد وعيه.

 

لكن بعد دقائق بدأ النزيف يهدأ قليلًا.

 

جلست أمامه ألتقط أنفاسي.

 

ساد الصمت.

 

ثم قال فجأة:

 

“كان المفروض تسيبيني.”

 

نظرت إليه باستغراب.

 

“ليه؟”

 

قال وهو ينظر إلى الأرض:

 

“لأن الناس اللي بيدوروا عليا… لو عرفوا إنك ساعدتيني، ممكن يقتلوكي.”

 

ابتسمت بسخرية مريرة.

 

“هو أنا أصلاً عندي حاجة أخسرها؟”

 

رفع رأسه بسرعة.

 

لكنني أكملت قبل أن يتكلم.

 

“أبويا اختفى من سبع سنين.”

 

“أمي مريضة.”

 

“أخويا الصغير محتاج علاج.”

 

“وكل يوم بصحى وأنا مش عارفة هنجيب أكل منين.”

 

تنهدت وأنا أمسح دموعًا حاولت إخفاءها.

 

“الخوف بقى رفاهية.”

 

ظل ينظر إليّ طويلًا.

 

ولأول مرة اختفى من عينيه ذلك الكبرياء الغريب.

 

وقال بصوت خافت:

 

“أنا آسف.”

 

ابتسمت.

 

“إنت مالك؟”

 

قال:

 

“لأن الدنيا ظلمتك بدري.”

 

قبل أن أجيب…

 

سمعنا هدير سيارة يقترب.

 

انطفأت ملامح إياد فجأة.

 

قفز بصعوبة واقفًا.

 

وقال هامسًا:

 

“لقوني.”

 

أسرعت إلى المصباح وأطفأته.

 

غرق الكوخ في الظلام.

 

كنا نسمع صوت المحرك يقترب أكثر فأكثر.

 

ثم توقف.

 

دقائق مرت وكأنها ساعات.

 

سمعنا أبواب السيارة تُفتح.

 

ثم صوت رجل يقول:

 

“فتشوا كل الأكواخ.”

 

ارتجفت يداي.

 

أما إياد فأخرج من جيبه شيئًا صغيرًا لم أكن قد لاحظته من قبل.

 

مفتاح إلكتروني أسود.

 

وضعه في يدي.

 

وقال بسرعة:

 

“لو مت…”

 

صرخت هامسة:

 

“اسكت.”

 

لكنه أكمل.

 

“اسمعيني.”

 

“لو مت… روحي القاهرة.”

 

“هتلاقي عنوان جوه المفتاح.”

 

نظرت إليه بعدم فهم.

 

“إيه ده؟”

 

قال:

 

“كل حاجة.”

 

“ولو وصلتي هناك… قولي لهم إن إياد منصور بعتك.”

 

تجمدت.

 

لأول مرة أسمع اسمه كاملًا.

 

إياد منصور.

 

الاسم بدا مألوفًا بطريقة غريبة.

 

لكنني لم أتذكر من أين.

 

قطع تفكيري صوت ارتطام باب الكوخ المجاور.

 

صرخ أحد الرجال:

 

“فتشوا المكان ده كويس.”

 

اقتربت الخطوات.

 

واحدة…

 

ثم الثانية…

 

ثم الثالثة…

 

حتى توقفت أمام باب الكوخ الذي نختبئ داخله.

 

قبضت على المفتاح بقوة حتى شعرت أنه سيجرح كفي.

 

نظر إليّ إياد.

 

ثم قال بهدوء غريب:

 

“مهما يحصل… متطلعيش.”

 

وفجأة…

 

دُفع الباب بقوة.

 

ودخل شعاع الكشاف يشق الظلام مباشرة نحونا.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *